تفكيك فرضيات محمد أركون في كتابه “الفكر الإسلامي: قراءة علمية”
د. محمود مصالحة
انطلاقًا من قراءتي في كتاب “الفكر الإسلامي: قراءة علمية” لمحمد أركون، الجزائري المتفرنس الذي درس في جامعة السوربون الفرنسية، يتبين أن أركون قد تأثر كثيرًا بالمفكرين الفرنسيين. وقد حصل على لقب الدكتوراه في فلسفة تاريخ الفكر الإسلامي. ويظهر أن أركون، بمنهجه النقدي الراديكالي الغربي، قد اعتمد مشروعًا فكريًا بعنوان “نقد العقل الإسلامي”، واستنسخ ما فعله المفكران روكيش وبيير ديكونشي في تشكيل “العقلية المعرفية الدوغمائية”، وهي: طريقة تفكير لفرقة أو فلسفة تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة بشكل شامل، ولا تقر بأنها تحتمل شيئًا من الخطأ، وأن ما تحوزه لا يقبل النقاش ولا التغيير (ص 5).
وتهدف هذه التشكيلة الدوغمائية إلى رمي العقائد والإيمان في دائرة الخطأ، وتمارس دورها في إعادة تأويل الواقع المخالف لنظريتها (المعرفية الدوغمائية)، كما تسعى إلى تضييق الخناق على كل من يشكك بها، من خلال عقلنة ما هو غير عقلاني، وأنسنة العقائد. وبهذا قصد ديكونشي الأرثوذكسية الدينية.
أما أركون، الذي تأثر بجمعية تبشيرية معادية للإسلام عملت في الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي، فقد استحوذت الثقافة الغربية على بنية عقليته، فبات يحمل الهوية الثقافية الفرنسية. ومن خلال دراسته في فرنسا، التحق بفكر روكيش وبيير ديكونشي، فأخذ عنهما نظرياتهما التي أُسقطت على الأرثوذكسية الدينية، ليُسقطها بدوره على الإسلام، بهدف إعادة قراءة الوحي بمفهوم الأنسنة المادية، بزعم تجديد الفكر الإسلامي. ومن هنا، قام بتحليل مفهوم الأرثوذكسية في الإسلام، وشرع في الطعن بتشكيل النص القرآني والحديث والشريعة، بهدف تفكيك النصوص القرآنية، معتمدًا على المنهجية التاريخية والأدبية في معركته ضد الإسلام.
وتحدث أركون في كتابه عن مفهوم الإسلام والتراث، ساعيًا إلى بلورة “إسلام جديد” بمفهومه التغريبي؛ فانتصر للعصر الجاهلي، عصر الشرك والتخلف والسبي وظلم المرأة والجهل والتبعية، وانتقص من الإسلام بقوله: “إن الإسلام قد رمى التراث العربي السابق في دائرة الجهل والفوضى والظلم والضلال والوثنية والقمع، رماه كليًا في ظلمات الجاهلية”. ثم يقول ساخرًا: “إن التراث، بالمعنى الكبير المتعالي المثالي للكلمة، هو تراث إلهي لا يمكن للبشر أن يغيروا فيه شيئًا”. وقراءة ما بين السطور تُجلي أن أركون يهدف إلى اختراق أصول الإسلام لتفكيك ثوابته، وإعادة تفسيره بسياقات مادية (ص 19).
ثم بدأ يخوض، من خلال “مقاربة منهجية تيولوجية”، في مسألة النقل الشفهي للتراث المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، فيرميهما بالشبهات عبر القرون الثلاثة الأولى، ويُبدي رفضه لتدوين الحديث وتوثيقه. وللحديث علومه العظيمة، ومنها: علم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وعلم تخريج الحديث. وقد أفنى كبار الرواة والمحدثين وعلماء الجرح والتعديل حياتهم خدمةً لدين الله، فقاموا بتدوين الحديث وتصنيفه، وبيان مراتب رواته وسلاسل إسناده بمنهجية علمية دقيقة. ولو كان أركون موضوعيًا، لا معاديًا، لأقرَّ بحقيقة قول العالم الفرنسي موريس بوكاي: “إن القرآن فوق المستوى العلمي للعرب، وفوق المستوى العلمي للعالم، وفوق المستوى العلمي للعلماء في العصور اللاحقة، وفوق مستوانا العلمي المتقدم”.
ثم ينتقل أركون في محاولة سحب القدسية عن القرآن الكريم والسنة النبوية، فيضع معادلة: “الإسلام = التراث الصحيح الموثوق”، ويقصد بالتراث: ما ورثته الأمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة والعقائد والشريعة، بوصفها التراث الأكبر. ومن خلال هذه التوطئة، يدخل في سياق الفيلولوجيا التراثية الأدبية، زاعمًا أنها “ليست إلا تجسيدًا لدين الحق في التاريخ”، ليُفسر القرآن الكريم ضمن سياق تاريخي يهدف إلى نزع القداسة عنه، ليصبح عرضة للعلمنة والأنسنة.
وقد استخدم محمد أركون الخطاب الاستشراقي الذي يطبق منهجية النقد الفيلولوجي، وهي نظرية تُغلِّب النزعة التاريخانية المادية والأدبية النقدية، فصبَّ نقده في اتجاه نزع القداسة عن القرآن الكريم، وإخراج النص القرآني بتفسيرات وفق مفاهيم ومعانٍ مادية تاريخية، لجعله قابلًا للنقد البشري والإلغاء.
ثم يطعن في الجانب الروحي للإسلام، فيصف عقيدة التوحيد بأنها “الدينامو الروحي الخاص بالتراث”، ويقصد بالتراث الإسلام بأصوله وعقائده وأحكامه التشريعية، الذي يغذي شعور الأمة بهويتها ويحرك آمال المؤمنين. كما يخلع الإيمان الأخروي والأنطولوجيا، وهي فلسفة “علم الوجود”. وهنا مكمن الخطورة؛ إذ يسعى أركون إلى تفكيك الإسلام وفق حقب تاريخية مادية محسوسة، عبر رفض الوحي الإلهي، وأقوال المفسرين، والفقهاء المجتهدين، والمحدثين والعلماء. وهو بذلك يُسقط تصورات الفكر الغربي الأرثوذكسي الكهنوتي على الإسلام، فيجعله دينًا كهنوتيًا، رغم أن هذه المشابهة باطلة علميًا، سواء في الجانب التوثيقي أو العقدي أو التشريعي أو القيمي الحضاري؛ فالفارق بين الإسلام والأرثوذكسية الدينية كبير جدًا. إن استنساخ أركون لنظرية روكيش وديكونشي لا ينطبق على الإسلام، لأن الإسلام ليس دينًا كهنوتيًا كالنصرانية، حيث ينطق القساوسة باسم الرب ويضفون على أنفسهم قداسة. ومن هنا، فإن هذه المقاربة تفتقر إلى الموضوعية، بل تمثل افتراءً وتحريفًا.
ثم يطعن في خلفاء وسلاطين الأمة، فيقول إنهم “قد قُدِّسوا بدرجات متفاوتة” (ص 19)، وهذا غير صحيح؛ فالمقدس الذي لا يُردُّ كلامه هو النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه وحيًا، أما غيره من البشر فليسوا معصومين، ويؤخذ من كلامهم ويُرد.
وفي سياق نقده للإسلام، يقول: “كل هذه المعطيات عندئذ يحصل التضاد الجذري المطلق مع الموقف العلمي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار إلا الوقائع المحسوسة” (ص 20). وهنا تتجلى حقيقة طرحه؛ إذ يدعو إلى ترك الإسلام والتراث مفتوحين للتغيير المستمر الذي يفرضه التاريخ، بحيث يُدمج الإسلام في التحليل بوصفه ظاهرة مادية محسوسة، متجاوزًا منهج نقد سلاسل الحديث كما رسخه كبار المحدثين (ص 20).
وغاية أركون من ذلك أن يجعل الإسلام وتراثه مفتوحين لعبث الجهلة والحاقدين، بحجة الاقتصار على ما هو علمي حسي، أي قراءة الإسلام مفصولًا عن الغيبيات ووحي النص الشرعي، والتعامل مع النص القرآني، الذي وصلنا بسلاسل سند متواترة موثقة، كما يُتعامل مع نص أدبي مادي، بهدف تغيير مفاهيمه ومعانيه ومقاصده، عبر عملية تفكيكية قائمة على النظرية التاريخانية (الفيلولوجية)، بما يؤدي إلى نزع القداسة عنه وعن السنة النبوية، وتأسيس تاريخ علماني مادي للإسلام، على غرار ما فعله سبينوزا بالمنظومة اليهودية والمسيحية.
وقد شارك أركون، الذي أنكر أحكام الشريعة الإسلامية، في لجنة “ستازي” عام 2003، التي عيّنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك للنظر في حظر ارتداء الحجاب، وكان أحد العضوين المسلمين فيها، وقد أفضت إلى حظر الحجاب في فرنسا.
وخلاصة القول، ردًا على دعاة التغريب، قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
فنحن أمة الإسلام، بدينها السماوي، وأصوله وشريعته وقيمه، وعلمائه وقادته ومفكريه، سيبقى عزيزًا شامخًا ومهيمنًا، ولو كره المنسلخون المتغربون.