حرب اللاموقف.. لغز الـ180 درجة في خارطة ترمب لإيران

بين وعيد “الإسقاط الكامل” ودعوات “الصفقة العظيمة”، يقف العالم اليوم أمام مشهد سياسي مربك، يرسم ملامحه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه طهران.
فمنذ اندلاع شرارة العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط الماضي ضد إيران، لم تكن الصواريخ وحدها تسيطر على المشهد، بل كانت تصريحات رجل البيت الأبيض “المتناقضة” و”المتضاربة” بمثابة حرب نفسية تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية للدبلوماسية الدولية.
لم يعد صراع ترمب مع إيران محصورا في الملف النووي أوالنفوذ الإقليمي فحسب، بل امتد ليصل إلى “هندسة الداخل الإيراني”. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن رسميا عدم سعيها لتغيير النظام، يخرج ترمب بتصريحات صادمة تضع “فيتو” علنيا على أسماء بعينها لخلافة المرشد.
هذا التقرير يستعرض خارطة التناقضات في خطاب ترمب: كيف تحول من إعلان “تدمير القدرات النووية” في 2025 إلى التحذير من “خطر وشيك” في 2026؟ وكيف يوازن بين رغبته في أن يختار المرشد القادم، وبين ادعاءات احترام سيادة الدول؟ وكيف يتراجع عن قراراته في غضون ساعات؟
المفاعلات النووية “المنتهية” التي عادت للحياة
في مفارقة سياسية وعسكرية كبيرة، يجد المتابع لتصريحات ترمب نفسه أمام روايتين متناقضتين لنفس الحدث، ففي حين كان ترمب يحتفل بـ”المحو الكامل” للقدرات النووية الإيرانية في منتصف 2025، عاد في مطلع 2026 ليجعل من هذه القدرات “ذريعة” لأكبر عملية عسكرية أمريكية في القرن الـ21.
في يونيو/حزيران 2025 أصر ترمب على استخدام تعبير “تدمير كامل” في معرض حديثه عن الهجمات على 3 منشآت نووية في إيران، قال حينها إن المواقع التي قصفت وتشمل فوردو ونطنز وأصفهان “انتهت”، بعد ساعات من إقلاع عدة قاذفات “بي-2” تابعة لسلاح الجو الأمريكي من قاعدة في الولايات المتحدة عبرت المحيط الهادي.
لم تمر سوى 8 أشهر حتى انقلب خطاب ترمب 180 درجة، فجأة عادت تلك المواقع “المنتهية” لتصبح تهديدا وجوديا لأمريكا والعالم.
وبدون تقديم أدلة ملموسة، زعم ترمب أن طهران باتت على بعد “أسبوعين فقط” من امتلاك القنبلة، مبررا إطلاق عملية “الغضب الملحمي”، مشيرا إلى أنه لو لم تهاجم بلاده إيران بالتنسيق مع إسرائيل، لكانت طهران ستمتلك سلاحا نوويا خلال أسبوعين.
وفي حين تحاول المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي وضع إطار منطقي للأهداف تشمل تدمير صواريخ إيران الباليستية وقدرتها على إنتاجها، وتدمير أسطولها البحري، وإنهاء قدرتها على تسليح وكلاء، ومنعها للأبد من الحصول على سلاح نووي، يذهب ترمب بعيدا بتصريحاته على متن طائرة الرئاسة، معتبرا أن الحرب قد لا تنتهي إلا بـ”القضاء على الجيش والحكام”.
وفي محاولة أخرى لتقديم مبرر للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قال ترمب إن “إيران كانت تخطط للسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله”، مؤكدا أنه منعهم من القيام بذلك.
هذا الانتقال من “تدمير مفاعلات” إلى “تغيير نظام كامل” يقرؤه محللون أنه جوهر “حرب اللاموقف” التي يخوضها ترمب، ضاربا بعرض الحائط وعوده بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن التدخلات العسكرية.
لكنه يسعى الآن إلى ما يعده العديد من الخبراء حربا مفتوحة شنها باختياره دون أن تكون مدفوعة بأي تهديدات إيرانية وشيكة على بلاده، على الرغم من ادعاءات الرئيس ومساعديه عكس ذلك.
ولم يقف التناقض عند حدود المنشآت النووية، بل وصل إلى حدود “التدمير الكامل والموت المؤكد لمناطق ومجموعات من الناس لم يكن يجري النظر في استهدافها حتى هذه اللحظة، وذلك بسبب سلوك إيران السيء”، وفق تعبيره.
وقال ترمب في تغريدة على حسابه بمنصة تروث سوشيال، إن إيران في طريقها إلى الانهيار الكامل و”لم تعد إيران متنمرة الشرق الأوسط، بل أصبحت خاسرة الشرق الأوسط وستبقى كذلك لعقود إلى أن تستسلم، أو -وهو الأرجح- أن تنهار بالكامل”.
ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس تحولا جذريا في عقيدة ترمب، فمن كان يزعم في 2025 أن المهمة أنجزت بضرب نطنز وفوردو، يعترف اليوم ضمنا بأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن “الانهيار الكامل” هو الهدف الوحيد المقبول لديه، حتى لو كان الثمن حرق الخارطة البشرية للمنطقة.
“هندسة الزعيم الجديد”
“لن يستمر طويلا إذا لم يحصل على موافقتي أولا”، بهذه العبارة بدأ ترمب بالفعل في تجاوز لغة الصواريخ ليرسم ملامح مشهد سياسي غير مسبوق في وقت تسابق طهران الزمن لاختيار خليفة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.
وفي حين تبحث طهران عن هوية زعيمها القادم، يضع ترمب “الكتالوج” الأمريكي لهذا الزعيم، فارضا شروطا ومواصفات معينة لخليفة خامنئي.
وأول هذه الشروط أن الزعيم الجديد لإيران يجب أن يتعامل بإيجابية مع الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط وأن يكون عادلا، ويرتبط انفتاح ترمب على وجود زعيم ديني في إيران، بهوية الشخص الذي سيتولى المنصب.
ونقلت شبكة “إيه بي سي” عن ترمب قوله “سيحتاج المرشد الجديد إلى موافقتنا، وإذا لم يحصل عليها فلن يدوم طويلا، ونريد أن نضمن عدم اضطرارنا للعودة إلى الوراء كل 10 سنوات، في غياب رئيس مثلي لا يفعل ذلك”.
في تدخل مباشر في شؤون “مجلس خبراء القيادة”، وضع ترمب “فيتو” حاسما على اسم مجتبى خامنئي (نجل المرشد الراحل)، معلنا بوضوح أنه لن يقبل بتوليه المنصب، خوفا من استمرارية سياسات والده التي قد تجبر أمريكا على خوض حرب جديدة بعد 5 سنوات.
في مفارقة لافتة، أبدى ترمب مرونة تجاه فكرة وجود “زعيم ديني” بشرط أن يكون شخصا “رائعا” يمكنه العمل مع واشنطن، وقال “ليس لدي مشكلة مع القادة الدينيين لكن الشخص الذي سيقود البلاد يجب أن يقوم بعمل جيد لصالح شركائنا”.
وعندما سئل ترمب إن كان سيوافق على شخص له صلات بالنظام الحالي، أجاب “نعم سأوافق، لاختيار قائد جيد. هناك العديد من الأشخاص المؤهلين”.
ولم يقف طموح ترمب عند وضع الشروط، بل ادعى أن تأثيره في اختيار الزعيم القادم سيكون “سهلا جدا، على غرار فنزويلا”، في إشارة واضحة لسيناريو “الرئاسة المؤقتة” وإدارة شؤون البلاد وتوجيه استثمارات النفط.
وبإشارته إلى فنزويلا، يقول محللون إن ترمب يلمح إلى أنه يبحث عن شخصية (ربما من داخل النظام أو المعارضة المعتدلة) ليلعب دور “الرئيس الانتقالي” الذي تعترف به واشنطن فورا وتمنحه شرعية دولية وتسلّمه أموال النفط المجمدة، تماما كما فعل مع ديلسي رودريغيز نائبة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بعد أن اعتقله واقتاده وزوجته في 3 يناير/كانون الثاني الماضي إلى الولايات المتحدة.
وأعلن لاحقا أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا خلال فترة انتقالية، وسترسل شركاتها للاستثمار في قطاع النفط، دون تحديد جدول زمني، في حين تولت رودريغيز مهام الرئاسة المؤقتة لفنزويلا.
الكرد: مقامرة الساعات الـ72 وفخ الحرب الأهلية
لم يكن التناقض في “حرب اللاموقف” محصورا في الأهداف العسكرية والسياسة الداخلية لطهران، بل امتد ليعبث بخرائط المنطقة القومية.
ففي غضون 72 ساعة فقط، انتقل ترمب من “التأييد التام” لتسليح الأكراد لإشعال انتفاضة شعبية في طهران، إلى “الرفض القاطع” لانخراطهم، في واحد من أسرع الانقلابات السياسية في تاريخ البيت الأبيض.
ونقلت رويترز عن ترمب، الخميس، قوله إنه يدعم أي هجوم قد تشنه الجماعات الكردية على إيران، مضيفا “أعتقد أن رغبتهم في القيام بذلك أمر رائع، وأنا أدعمهم بالكامل”.
هذا الاندفاع نحو “الورقة الكردية” لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة جهود خلف الكواليس بذلها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أقنع ترمب بأن مفتاح إسقاط النظام يكمن في “انتفاضة عرقية” تقودها آلاف العناصر المسلحة على الحدود الإيرانية العراقية.
رافق ذلك مؤشرات أكدها موقع أكسيوس أن ترمب أجرى اتصالين مع زعيمي “الاتحاد الوطني الكردستاني” في العراق، وزعيم “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، بحث فيها مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والخطوات المحتملة في المرحلة المقبلة.
لم يكد يمر يوم السبت حتى انقلبت لهجة ترمب 180 درجة على متن طائرة الرئاسة، إذ تراجع عن إقحام الأكراد في الحرب قائلا “لا نريد أن ينخرط الأكراد في الحرب، لدينا علاقة ودية للغاية مع الأكراد، كما تعلمون، لكننا لا نريد أن نجعل هذه الحرب أكثر تعقيدا مما هي عليه”.
وجاء التراجع المفاجئ في أعقاب تحذيرات حادة أطلقتها أنقرة من مغبة إشعال “حرب أهلية” عرقية في المنطقة، إذ حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من هذا السيناريو لكونه “بالغ الخطورة، ونحذّر الجميع علنا، غربيين وشرقيين على حد سواء، من هذا السيناريو”.
لغز القوات البرية
وفي حين كان ترمب يطوي ورقة الأكراد لتجنب “التعقيد” حسب تعبيره، كان يفتح جبهة أخرى من التساؤلات حول “التدخل البري” في إيران.
لمح ترمب السبت إلى احتمال نشر قوات برية لمراقبة مخزونات اليورانيوم، معتبرا الفكرة “رائعة”، ومبررا ذلك بوجود 460 كيلوغراما من المادة المخصبة التي قد تتحول لقنبلة في أسبوع.
هذا الطرح جاء رغم تأكيد مدير وكالة الطاقة الذرية رافائيل غروسي في 3 مارس/آذار الجاري أنه “لا يوجد دليل” على تصنيع إيران للقنبلة، مما يجعل “المهمة البرية” التي يروج لها ترمب تبدو في نظر العديد من المحللين مجرد ذريعة سياسية أكثر منها ضرورة أمنية ملحة.
ومع ذلك، واصل التقليل من شأن فكرة الغزو التقليدي، واصفا الحديث عن “غزو بري شامل” بأنه “مضيعة للوقت”، مدعيا أن القصف الجوي والبحري العنيف قد أنجز المهمة بالفعل ودمر هيكل القيادة والأسطول الإيراني.
لكن ذروة هذا التناقض تجلت في تصريحاته الأخيرة اليوم، حين لم يستبعد إرسال “قوات خاصة” للقيام بعمليات خاطفة تهدف للاستيلاء المباشر على مخزونات اليورانيوم المخصب، قائلا “كل شيء مطروح على الطاولة.. كل شيء”.
وما بين “ورقة كردية” تطوى بقرار مفاجئ، وملف “قوات خاصة” يفتح بلمح البصر، وزعيم جديد يراد “هندسته”، تدار حرب إيران بتوقيتات متذبذبة لا تستقر على حال، وفي ظل هذا التناقض، يتفق محللون على أن الثابت الوحيد في إستراتيجية ترمب هو “عدم الثبات” نفسه.
ومع صراع كانت بدايته أوضح بكثير من نهايته، يبرز السؤال الجوهري: هل يملك ترمب رؤية حقيقية لشكل الشرق الأوسط الجديد، أم أنه يدير صراعه “يوما بيوم” على وقع الصفقات اللحظية؟