“مغامرة” ترمب قد تضعف إيران لكنها تهز الخليج وتستهدف الصين

تدخل الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران يومها الثالث في حين تتواصل التكهنات والتقييمات بشأن حيثياتها وشرعيتها ومجرياتها وتداعياتها داخليا وإقليميا ودوليا، وتشير أغلب التحليلات إلى أن إيران قد تخرج ضعيفة من “مغامرة” الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وفق تعبير موقع بوليتيكو، لكن جميع الأطراف ستدفع نصيبا من كلفتها.
وفي حوار مع بوليتيكو، دق جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترمب، ناقوس الخطر بشأن مغامرة ترمب في إيران وحذر من أنها قد تعمق الصراع في المنطقة، وتخلق فراغا خطيرا في السلطة، وتغرق الشرق الأوسط في الفوضى.
وأوضح بولتون أن ترمب لطالما أبدى اهتماما بتغيير النظام في إيران، لكن شهيته للمخاطرة تعني أنه ربما تصرف باندفاع ولم يستعد بشكل كامل لما سيحدث بعد الفراغ في السلطة جراء ذلك التدخل العسكري.
ورجح بولتون أن تترتب على ذلك التدخل “اضطرابات كبيرة وإراقة دماء غزيرة”، وأن تسود الفوضى في مضيق هرمز، الذي هددت إيران بإغلاقه لمنع مرور 20% من إمدادات النفط العالمية التي تمر عبره يوميا.
وبالنسبة لتداعيات الحرب على الداخل الأمريكي، قال بولتون إنه لا يزال من غير الواضح إذا ما كان الناخبون الأمريكيون سينسبون الفضل للرئيس ترمب في نتائج الملف الإيراني، أم أنهم سينظرون إليه على أنه مجرد تشتيت للجهود في السياسة الخارجية دون تحقيق أي فائدة للأمريكيين.
بقاء النظام وتراجع النفوذ
وبخصوص مجريات الحرب، ترى نيويورك تايمز أن إيران لا تزال، رغم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية البارزة، قادرة على الرد على الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، وأن مسار الحرب غير واضح لكن لن ينجم عنها انهيار نظام الحكم الإيراني الذي بُني على مدى 47 عاما.
وحتى لو لم يسقط النظام، تضيف الصحيفة، فإنه من المرجح أن يكون لهذا الهجوم الضخم عواقب إستراتيجية في الشرق الأوسط إذ سيتراجع نفوذ إيران بشكل كبير، بعد أن كانت إلى عهد قريب قوة إقليمية مؤثرة لها برنامجها الصاروخي والنووي وشبكة حلفاء قوية في الإقليم.
وبغض النظر عمن سيتولى زمام الأمور بعد هذه الحرب، تتوقع سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس (لندن) أن تكون طهران أضعف بكثير على المدى المتوسط، وأكثر انغلاقا على نفسها، وأكثر تركيزا على الشأن الداخلي أمنيا واقتصاديا.
ومن شأن ذلك التراجع أن يُعزز هيمنة إسرائيل في المنطقة، وتتوقع نيويورك تايمز أن تؤول مقاليد السلطة بإسرائيل لحكومة أكثر اعتدالا بعد الانتخابات التي ستُجرى في وقت لاحق من هذا العام، وقد تبدأ التفاوض بجدية مع الفلسطينيين، تحت ضغط الولايات المتحدة والسعودية.
وفي السياق ذاته، تتوقع غارديان البريطانية أن تتردد أصداء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي “المتعمد” على إيران في أرجاء الشرق الأوسط الذي لا يزال يُعاني من تداعيات التدخلات الخارجية.
وأمام ذلك الهجوم، يبدو أن إستراتيجية طهران لا تركز على النصر الميداني بقدر ما تركز على البقاء، وترى الصحيفة أن إيران قادرة على مواصلة القتال رغم مقتل وجوه بارزة من القيادة السياسية والعسكرية.
صورة الخليج
وبالنسبة للجوار الخليجي، قالت مجلة تايم الأمريكية إن إيران -في أولى ردودها على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي- وجهت ضربات جوية لمواقع متفرقة في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان، وكان من أهم نتائجها زعزعة صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج.
وذكّرت المجلة بأن تلك الصورة ساهمت في جذب الاستثمارات إلى بلدان المنطقة، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم، كما أن ذلك الأمن كان أيضا حجر الزاوية في علاقة عديد من دول الخليج مع الولايات المتحدة.
وأوضحت المجلة أنه بعيدا عن الأهداف العسكرية، تمكنت صواريخ إيران وطائراتها المسيرة من ضرب مناطق مدنية في جميع دول الخليج التي ظلت لسنوات طويلة تتجنب تداعيات التوتر بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
ضغط على الصين
وفي تحليلها لنطاق تلك الحرب، ترى نيوزويك أن مفعولها يتجاوز منطقة الخليج والشرق الأوسط، وتقول إنها مناورة تهدف من خلالها الولايات المتحدة إلى الضغط على الصين التي تعتبرها خصمها الرئيسي على الساحة الدولية.
وأشارت المجلة إلى أن الضربات الأمريكية، التي بدأت السبت بالتعاون مع حليفتها إسرائيل، هي ثاني عملية أمريكية خلال 3 أشهر ضد حليف صيني غني بالنفط، بعد أن شنت عملية عسكرية مطلع هذا العام ضد فنزويلا، أسفرت عن إسقاط الحكومة هناك.
وحسب المجلة، فإن الولايات المتحدة تنظر للصين باعتبارها منافسها الرئيسي عالميا بالنظر لقدرتها الصناعية الهائلة وتوسعها البحري السريع في مواقع تسمح لها بتحدي نفوذ أمريكا وهيمنتها العسكرية بالمحيط الهادي.
ونقلت المجلة عن مادي كاباروف، الخبير الاقتصادي ورئيس قسم الأبحاث في مركز الدفاع والإستراتيجيات المعلوماتية (لندن)، قوله إن هدف أمريكا من شن الحرب على إيران هو “قطع المصدر الرئيسي للنفط الرخيص عن الصين”.
وأضاف كاباروف أن انقطاع إمدادات النفط الصينية يشكل تهديدا خاصا للجيش الصيني الذي يحتاج لموارد موثوقة من البنزين والديزل، وأوضح أن الصين استثمرت بكثافة في محطات توليد الطاقة بالفحم الجديدة وفي الطاقة المتجددة، لكن “لا يمكن للجيش أن يعمل بالفحم أو الطاقة المتجددة”.
وحسب المجلة، فقد تحكمت بكين بشكل متزايد في أسعار النفط الذي اشترته من إيران لسنوات، نظرا لقلة الطلب على النفط الإيراني بسبب العقوبات الدولية طويلة الأمد المفروضة على برنامجها النووي، وقد اشترت الصين أكثر من 80% من شحنات النفط الإيراني عام 2025.
حرب اختيارية وغير شرعية
وأمام تصاعد التوتر في المنطقة والمخاوف الكبيرة بشأن تداعياتها، توقفت صحيفة غارديان البريطانية عند الإطار القانوني للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وقالت إنها تفتقد للشرعية وتُنذر بأن تكرس وضعا جديدا في العلاقات الدولية.
وقالت غارديان، في افتتاحية خاصة، إن تصفية علي خامنئي بضربة أمريكية إسرائيلية تعد اغتيالا مستهدفا لرئيس دولة وتُشكل تصعيدا خطيرا في منطقة تُعاني أصلا من حروب مُشتعلة وتعاني دولها من الهشاشة.
ومن منظور قانوني صرف، ذكرت الصحيفة أن ميثاق الأمم المتحدة لا يجيز استخدام القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس ضد هجوم وشيك أو بموافقة مجلس الأمن الدولي، وهما شرطان لم يتحققا في الحرب الحالية على إيران.
وأوضحت الصحيفة أنه لم تكن هناك أي أدلة على وجود استعدادات لهجوم إيراني “فوري وساحق” وأن عملية “الغضب الملحمي” التي أطلقها ترمب لا تُعدّ هجوما استباقيا، بل هي إجراء وقائي للقضاء على خطر مُحتمل في حين يبدو العدو ضعيفا.
وخلصت الصحيفة إلى أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بحرب اختيارية هدفها الإطاحة بحكومة ذات سيادة، وهو ما اعتبرته أمرا غير مسبوق.
