أخبار وتقاريردين ودنياومضات

فانسلخ منها .. ملفات (إبستين) أنموذجًا

الشيخ عبد الله عياش – عضو حركة الدعوة والإصلاح

قصّ الله تعالى علينا في القرآن قصة رجل أوتي علمًا وفهمًا في الدين، حتى قيل: كان يعرف اسم الله الأعظم؛ الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعيَ به أجاب، ولكنه بعد ذلك ارتد وانتكس، وباع آخرته بدنياه، إنه الرجل المذكور في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} [الأعراف: 175].

ولستُ بصدد الحديث عن قصة الرجل، أو الزمان الذي عاش فيه، أو تحديد اسمه، كل ذلك لا يعنينا في هذا المقام. ولكني أريد الوقوف على جملة واحدة وردت في قصته، وهي وصف الله سبحانه خروجَه من الإيمان بالـ(انسلاخ)، وذلك في قوله جل شأنه: {فانسلخ منها}.

أقول: إن أول معنى يتبادر إلى الذهن عند سماع هذه الكلمة هو إزالة الجلد، والتبادر أمارة الحقيقة – كما يقال -، قال الإمام الشوكاني: {فانسلخ منها}: كما تنسلخ الشاة عن جلدها، فلم يبق له بها اتصال. اهــ. فشبّهت الآية الكريمة الخروج من الإيمان بالخروج من الجلد، وكأن الإيمان له نوع شبه بالجلد. قلتُ: وهو كذلك، فإن الناظر المتأمل يجد أن الإيمان يُشبه الجلد من ثلاثة وجوه، وهي الحماية والجمال والملازمة.

أولًا: الإيمان كالجلد .. حماية وأمان

الجلد وقاية وحماية وتحصين للجسد، لذلك فإن أول شيء يفعله الطبيب عند معالجة الجراح هو تنظيفها ثم خياطتها وإغلاقها، حتى لا تنفذ الفيروسات إلى الداخل فتسبب أمراضًا وأورامًا وما شابه، فالجلد وقاية وحماية وأمان. وكذلك الإيمان: فالإيمان حماية للإنسان من عواصف الفتن، وحماية له من صدمات القدر، وحماية له من أمراض القلوب كالحقد والحسد والبغض وسوء الظن، بل إن الإيمان حماية للمجتمع كله، فهو رادع قوي، ووازع يقظ، يمنع الإنسان من فعل الفواحش عندما تحدثه نفسه بها، وبدونها يصبح شيطانًا في ثوب إنسان، ووحشًا في صورة بشر، ولا أدلّ على ذلك ما شاهده العالم مؤخرًا في ملفات (إبستين)، فعندما فُقد الإيمان من أولئك الأشخاص فُقد معه الأمان، بل وفُقد الإنسان؛ فتم اغتصاب الأطفال وأُكلت لحوم البشر، في مشاهد وشهادات تسودّ لها الوجوه، وتصفرّ لها الأنامل، وتقشعر لها الأبدان.

ثانيًا: الإيمان كالجلد .. ثباتٌ وملازمة

الجلد ملازم للإنسان لا ينفك عنه أبدًا، وكذلك الإيمان الحقيقي لا ينفك عن المؤمن أبدًا مهما تغيرت عليه الأماكن، واختلفت عليه المواقف، وتعددت المناسبات، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتق الله حيثما كنت”، وهذا نداء إلى كل مؤمن أن يتعامل مع إيمانه كجلده، لا كثوبه، يلبسه أحيانًا ويخلعه أحيانًا أخرى حسب الظروف؛ لأن هذا حال بعض المؤمنين – مع كل أسف – تراه لابسًا ثوب الإيمان، فإذا جاء موعد زفاف ابنه خلعه وعلقه جانبًا، ثم خاض في المحرمات. وبعضهم إذا أراد سفرًا خلع ثوب الإيمان وتركه في بيته، ثم سافر وركب الموبقات.

وهذه آفة عظيمة أصابت كثيرًا من الناس، وقد رأيناها في ملفات (إبستين) بصورة لا يمكن وصفها بكل لغات الأرض، صورة قبيحة فجة، من شخصيات لطالما روجوا لنا على أنهم النخبة؛ بملابسهم الفخمة، ومواكبهم الضخمة، وكراسيهم العلمية، وشهاداتهم الأكاديمية، ثم تبيّن أنهم مجرد ذئاب، بل كلاب أتقنوا مهارة التلوّن، وفن التقمص، وأسلوب النفاق.

رؤساء وعلماء لبسوا مسوح العلم، ورفعوا شعار العدل، ونادوا بالحقوق والمساواة، ثم تبيّن أن كل مبادئهم وشعاراتهم مجرد أقنعة يلبسونها في العلن، فإذا خلوا في جزيرتهم المشؤومة خلعوا تلك الأقنعة، وكفروا بتلك المبادئ، وتنكروا لتلك الشعارات. فبُعدًا لقوم حاربوا الفواحش فإذا هم أصحابها، وعابوا الرذائل فإذا هم أربابها.

ثالثًا: الإيمان كالجلد .. زينة وجمال

الجلد كذلك زينة للإنسان، وبدونه سيبدو مقززًا منفرًا، وكذلك الإيمان؛ فهو يزيّن الإنسان، ويجمّل عالمه. والمقصود هنا جمال الأخلاق والسلوك، وجمال الأفكار والمبادئ، وغير ذلك من لوازم الإيمان التي ينبغي أن يتصف بها أهل الدين والاستقامة، فالصدق جمال، والصدقة جمال، والعفو جمال، والعفة جمال، والإحسان إلى الجار جمال، والتضحية والإيثار جمال، وهذا كله بلا شك ثمرة الإيمان.

لأن ضد الإيمان، وهو الإلحاد، لا يعترف بالأخلاق، بل يعتبرها نسبية. فلا غرو أن تجد هناك قبح الخصال، وسوء الفعال، وشنيع الأقوال، وحسبك من ذلك قول الملحد (آرثر ألين ليف) أستاذ القانون في جامعة (يال): “في عالم مادي بدون إله، لا توجد طريقة لإثبات أن حرق الأطفال بقنابل النابالم هو شيء سيء”! قارن بين هذا القول وبين وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قبيل خروجهم إلى القتال: “اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا – التمثيل: تشويه القتلى -، ولا تقتلوا وليدًا”. قارن بين المذهبين (مع كل الحقيقة التي تؤكد أن لا وجه مقارنة بينهما) تجد الفرق واضحًا لائحًا بين القبح الإلحادي والجمال الإيماني.

أما الأخلاق التي توجد في المجتمعات الملحدة فهي نتاج تربية سليمة قامت على مبادئ دين مضى وبقيت آثاره، وليست نتاج الفكر الإلحادي، يقول علي عزت بيجوفيتش: “يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي. والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع في مصدرها إلى الدين .. دين ظهر في الماضي ثم اختفى”.

ولعل ما شوهد في جزيرة (إبستين) يوضح هذا المعنى جليًا، فقد ارتكب الملحدون فيها – وبعضهم علماء وأساتذة جامعات – أسوأ مما ارتكبه أهل الجاهلية عباد الأوثان، فأهل الجاهلية أكلوا مال اليتيم، وسفكوا الدماء، ووأدوا البنات، ولكن هؤلاء انتقلوا من أكل مال اليتيم إلى أكل لحمه، ومن سفك الدماء إلى شربها، ومن وأد البنات إلى اغتصابهن ثم تقديمهن قرابين للشيطان! فلم تردعهم علومهم عندما جمحت بهم نفوسهم، فلطخوا أنفسهم بعار وشنار لا يغسله ماء البحار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى