المرأة الإسفنجية
ليلى غليون
معروف أن الإسفنج لديه قابلية كبيرة للامتصاص، فهو مليء بالثقوب تمتص كل مادة سائلة ترد إليها بغض النظر عن نوعية هذه المادة، وبغض النظر إذا كانت نقية أو ملوثة أو فاسدة، فالإسفنج لا يختار ما يمتصه، ولذا فقد يمتلئ بالقذر قبل النقي.
في هذا الزمن المتشابك، لم يعد الخطر الحقيقي في المرض أو الفقر، بل هو في الفراغ في الروح وفي فقدان النفس وضياع الهوية.
وللأسف الشديد، والذي يشعل في القلب غصة بل هي غصات، أن هناك من فتياتنا ونسائنا من أصبحت كالإسفنجة تمتص ما يرد من حولها من أفكار أو مشاعر أو مؤثرات دون وعي أو تمييز، ودون تمحيص أو تدقيق في ماهية هذا الذي يرد وينفذ في عقليتها ونفسيتها، هل هو نقي أم ملوث، هل هو ضار أم نافع، تلهث خلف كل جديد، خاصة إذا كان هذا الذي يرد من ذاك العالم المزيف الذي انبهرت ببريقه ولمعان شعاراته وبهرجه، فآمنت أنه العالم التقدمي المتحرر العصري الذي يجب أن تحذو حذوه، وتسير بموجب خارطة طريقه، فرضيت لنفسها أن تكون كالإسفنجة (تشفط) كل ما يرد إليها بحفاوة وقناعة كبيرتين، مع كل ما يعكس ذلك من تأثير سلبي كبير على فكرها وإرادتها ونفسيتها وقراراتها، لتتبنى أي رأي، وتبدل قناعاتها كما يبدل الناس ثيابهم، لا تعرف لها شكلًا ثابتًا ولا تحمل في داخلها موقفًا صلبًا، تذوب في الآخرين، حتى تضيع ملامحها تمامًا، وتفقد نفسها وشخصيتها وسط زحام الصيحات والمستجدات والإعلانات والشعارات التي لا تساوي الحبر الذي كتبت به.
فوردت إليها الموضة بكل أشكالها المختلفة، والتي ليست فقط تنافي تعاليم الدين، بل تنافي الذوق الرفيع في كثير من الأحيان، فتشربتها تلك المرأة الإسفنجية واستقبلتها بكل ما فيها من خلاف للذوق والحياء، وبكل ما فيها من رسائل للإغواء والإغراء في زمن أصبح فيه الإغراء والتضليل والإفساد لغة عالمية يتقنها الكثير إلا من رحم الله، فصمموا لها أزياء تفتقت عن عقلية إبليسية رهيبة تبنت مبادئ إبليس في نزع الحياء ونزع الثياب، والذي قال رب العزة محذرًا من أضاليله: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) آية 27 سورة الأعراف. فمن ملابس لاصقة حشرت جسدها وجعلته يصيح طالبًا النجدة من هذا الاختناق والضيق، إلى كل سخافات الموضة وجنونها. فكل يوم صيحة جديدة، وكل أسبوع منتج جديد لا بد منه، وكل شهر حقيبة أو حذاء أو عطر لا يكتمل المظهر بدونه، وهكذا تدور وتدور في حلقة لا تنتهي. وكأن قيمتها مرتبطة بما تشتريه أو بما تواكب من صيحات حتى لو لم تكن تناسبها.
ولا تزال المرأة الإسفنجية تمتص وتتشرب دون وعي أو تفكير، فما أكثر ما يرد عليها، فهذه مستحضرات التجميل جعلتها تؤمن إيمانًا جازمًا أنها ستعود إلى عهد الصبا والجمال حتى لو كانت في سن متقدمة، فانبهرت بالدعايات وصخبها، وصدقتها بأن تلك الخطوط والتجاعيد التي بدأت تغزو وجهها من عوامل الزمن ستمحوها هذه المساحيق وستعود ابنة العشرين أو أقل، تدفع مالها لتشتري القبول، وتستهلك وقتها لتحصل على الإعجاب، وترهق نفسيتها لتشتري الرضا عن النفس، وهي لا تعلم أنها تنفق وتنفق لتشتري الوهم، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟!!
فهذه كريمات للوقاية من أشعة الشمس، وتلك ملطفة للبشرة، وأخرى مبيضة لها، ورابعة لنضارتها، وأخرى للتخسيس، وغيرها لشفط الدهون، وغيرها وغيرها الكثير، فالإعلانات صاخبة ولا يمكن مقاومتها، والإسفنجة تمتص وتمتص، وجيوبها تُفرغ، وميزانية البيت يصيبها الشلل، لتمتلئ جيوب أخرى وتتكدس أرصدة أصحابها في البنوك ممن ملكوا وسائل التأثير على عقلية المرأة الإسفنجية.
ولا تزال المرأة الإسفنجية لا ترتوي وتقول هل من مزيد؟ فلا يزال في الأمر متسع، فتراها تحفظ عن ظهر قلب أسماء المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات وأسماء الماركات التجارية ومحلات البيع والأسواق والمجمعات التجارية، وإن سألتها عن آية في كتاب الله، لا تفرق بين الآية والحديث، ولئن سألتها عن عدد سور القرآن الكريم، قالت أعطني مهلة حتى أفكر أو أتصل بصديقة تنقذني من هذه الورطة.
لقد امتصت هذه الإسفنجة كل غثاء الدنيا وحطامها بنفس راضية تصرف من أجلها الأوقات والأموال، إنها المرأة الإسفنجية التي تنفق بلا حدود على فساتينها وأحذيتها وإكسسواراتها وأثاث بيتها المتجدد طوال الوقت، ولكن هذا الإنفاق يكون في أضيق الحدود عندما يكون في وجه من وجوه الخير والإحسان.
إنها المرأة الإسفنجية التي وجدت عندها كل الدعاوى الباطلة آذانًا صاغية، فتشربت أفكارهم وصدقت أباطيلهم، لا بل أخذتها اللهفة والعزة بالإثم لأن تشهر سيفها لمناصرتهم والترويج لفكرهم وثقافتهم إيمانًا منها أن هذه هي الحرية والعصرية، والذي هو في الأصل فكر خبيث يسعى لخلخلة أسس وقواعد مجتمعها كما يسعى لتشويه أصالته، فنراها تسير مع التيار حيث سار، تغرد مع كل سرب، وتصرخ مع كل ناعق، تهتف باسم حرية المرأة وحقوق المرأة وقضية المرأة، وقضايا مفتعلة مصطنعة لا تحصى ولا تعد طبخها القوم خصيصًا للمجتمعات الإسلامية، وقد دسوا السم مع الدسم في محاولة لتجميل نياتهم الخبيثة في تدمير هذه المجتمعات.
وكلما امتصت الإسفنجة أكثر، أصبحت أثقل وربما أقذر، وكذلك القلب حين يمتلئ بما لا يناسبه يختنق ويثقل ويفقد صفاءه، ليضيع صوته الحقيقي بين أصوات الآخرين، فلا يعد الإنسان هو نفسه، بل تشكلت شخصيته كما أراد الآخرون، بل نسخة من الآخرين يعيش بعقلية غيره وبذوق غيره وبمعايير وقيم غيره حتى يفقد نفسه ولا يبقى فيها أثر يخصه.
نعم هذه هي المرأة الإسفنجية التي تمتص كل ما يعرض أمامها بلا عقل واع وقلب مطمئن يختار ما يناسب دون اندفاع أو تقليد أعمى، هي التي لا تستطيع التفريق بين الماء العذب الزلال والماء الآسن، يصدق فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه…).
فيا أيتها الحبيبة، كوني أنت، إياك أن تكوني كهذه المرأة الإسفنجية، والتي كلما ركضت أكثر ابتعدت عن نفسها، تظن أنها عصرية تواكب مستجدات العصر، ولكنها في الحقيقة نفس متعبة استهلكتها الحياة ومستجداتها، فالمرأة الواعية ليست إسفنجة تمتص كل ما يعرض، بل هي مصفاة تأخذ الطيب وتترك الخبيث، تملك بصيرة تميز بها ما ينفعها وما يضرها، تختار ما يناسب، وتفكر قبل أن تختار، وترفض إذا لم يكن مناسبًا، فليس كل منتشر صحيحًا أو مناسبًا، وليس كل لامع ذهبًا، وليس كل جديد يستحق أن يكون جزءًا منها، فالتي تعرف نفسها لا تذوب في زحام التقليد، والتي تملك قيمها لا تهزها رياح الموضات ولا أعاصير الأفكار الهدامة، والتي تحترم ذاتها تبقى هي كما هي وتعرف من تكون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولا يكن قلبك مثل الإسفنجة يتشرب كل شيء، بل اجعله مثل الزجاجة ترى الحقائق من ورائها ولا يدخلها شيء، يأخذ ما ينفعه ويترك ما يضره، يأخذ الصالح ويترك الفاسد).



