على موعدٍ مع الفرح

مارية محاجنة
أيامٌ قليلة، بإذن الله، تفصلنا عن شهر الأفراح. يُقبل علينا رمضان في وقتٍ أثقلت فيه الأحزان صدورنا، وتسللت الهموم إلى أيامنا، حتى غدت أفراحنا مؤجَّلة، وقلوبنا مثقلةً بالانتظار. ومع ذلك، يجيء رمضان كعادته؛ ضيفًا كريمًا يحمل بين لياليه طمأنينةً لا تشبه سواها، ويوقظ في الأرواح أملًا لا يخبو.
هي فرحةُ الصائم حين تؤذِن الشمسُ بالمغيب، معلنةً انتهاء معركة الصبر، معركة التقوى، معركة الجوع والعطش. لحظةٌ تختلط فيها مشاعر التعب بالسكينة، فيفرح العبدُ بفطره، راجيًا أن يكون من الفرحين عند لقاء الله، حين يُنادى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
وفي تلك اللحظة العظيمة، يُهيَّأ بابُ الريّان، مؤذِنًا للصائمين بالولوج، تكريمًا لصبرهم، وجزاءً لإخلاصهم. أفلا يصدق فينا قولُ نبينا الكريم ﷺ:
«للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه»؟
رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام فحسب، بل موسمُ تزكيةٍ للقلوب، وترميمٍ للأرواح، ومراجعةٍ صادقةٍ مع النفس. هو فرصةٌ لنتخفف من أثقال الدنيا، ونقترب خطوةً أخرى نحو الله، لعلّنا نُكتب من المقبولين، ومن الذين غمرتهم رحمته، وأدركتهم مغفرته، وأُعتِقوا من نيرانه.
ورمضان غنيمةُ الثبات وتذوّقُ حلاوة الإيمان.
يقول سيد قطب رحمه الله في ظلاله:
«وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيءٍ إلا بفضل الله ورحمته، وأنهم لا يملكون قلوبهم؛ فهي في يد الله، فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدّهم بالعون والنجاة».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ كثيرًا ما يدعو:
«يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك».
قالت: قلتُ يا رسول الله، ما أكثرَ ما تدعو بهذا الدعاء؟
فقال: «ليس من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه».
ومتى استشعر القلبُ المؤمنُ وقعَ المشيئة على هذا النحو، لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله بحرارة، وأن يتشبث بحماه بإصرار، وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله، لاستبقاء الكنز الذي وهبه، والعطاء الذي أولاه.
فاللهم أسعدنا بلقياك، وفرّحنا بالوقوف بين يديك يوم الفزع الأكبر، ونجّنا برحمتك وكرمك وفضلك. لعلّها ساعةُ استجابة… فاللهم بلّغنا رمضان، وبلّغنا فيه رضاك.
كل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب، وبطاعته أنقى، وبرحمته أرجى.


