أخبار وتقاريرمقالاتومضات

العنف في جهاز التربية والتعليم

د. نواعم شبلي جبارين

لم يعد العنف في جهاز التربية والتعليم ظاهرة عابرة أو حالات فردية يمكن تجاوزها بالتجاهل أو التبرير، بل أصبح واقعًا مقلقًا يتجلى بأشكال متعددة داخل المدارس، وبين أطراف العملية التربوية كافة: طالب مع طالب، طالب مع معلم، معلم مع طالب، بل وأحيانًا بين الكادر التربوي ذاته. إننا أمام أزمة تربوية حقيقية تستدعي وقفة علمية جادة وتشخيصًا عميقًا للأسباب، بعيدًا عن المعالجات السطحية أو ردود الفعل المؤقتة.

العنف المدرسي لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل العنف اللفظي، والنفسي، والسلوكي، والتنمر، والإقصاء، والسخرية، وفرض السلطة بأساليب قهرية. هذه المظاهر، وإن بدت أحيانًا اعتيادية، إلا أن أثرها التراكمي خطير، إذ يضرب جوهر العملية التعليمية، ويحوّل المدرسة من بيئة آمنة للتعلم وبناء القيم إلى ساحة توتر وصراع.

ومن منظور علمي، فإن العنف في المؤسسات التعليمية هو انعكاس مباشر لاختلالات أوسع في المنظومة الاجتماعية والتربوية. فالطالب الذي يمارس العنف غالبًا ما يكون نتاج بيئة أسرية مضطربة، أو ضغوط اقتصادية، أو تعرض سابق للإهمال أو العنف، أو فقدان الإحساس بالانتماء والأمان. أما المعلم الذي يلجأ إلى أسلوب العنف، الصريح أو المقنّع، فهو في كثير من الأحيان ضحية ضغط مهني هائل، واكتظاظ الصفوف، وتراجع المكانة الاجتماعية، وغياب الدعم النفسي والتربوي.

ولا يمكن إغفال دور السياسات التعليمية حين تركز على التحصيل الرقمي وتهمل الجوانب القيمية والإنسانية، أو حين تُحمِّل المدرسة ما يفوق طاقتها دون توفير أدوات حقيقية للتعامل مع الأزمات السلوكية. كما أن ضعف برامج الإرشاد التربوي يترك الميدان التربوي مكشوفًا أمام تفاقم العنف بدل احتوائه.

إن استمرار العنف داخل المدارس يرسّخ لدى الطلبة ثقافة القوة بدل ثقافة الحوار، ويُطبع في وعيهم أن العنف وسيلة لحل الخلافات. وهنا لا يقتصر الضرر على الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل، حيث نُسهم في إنتاج جيل مأزوم نفسيًا ومتوتر اجتماعيًا.

إن مواجهة العنف في جهاز التربية والتعليم لا تكون بالعقاب وحده، بل برؤية شمولية تبدأ من تعزيز التربية القيمية، وبناء علاقة احترام متبادل داخل المدرسة، وتمكين المعلمين بأدوات تربوية حديثة، وتفعيل الإرشاد المدرسي، وتعزيز الشراكة مع الأسرة والمجتمع. فالتربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى