أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتومضات

داخل “غرفة الاستعراف” في غزة: أن ترى أحبابك بين جثامين الشهداء

في مشهد يختصر وجع الفقد وقسوة الانتظار الطويل، أُعيد اليوم الثلاثاء تفعيل “غرفة الاستعراف” على جثامين الشهداء مجهولي الهوية في مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة، وسط أجواء ثقيلة بالحزن والصمت. وبدأت عائلات المفقودين بالتوافد إلى المكان المخصص، وذلك عقب إعلان “اللجنة الخاصة بالمفقودين والجثامين مجهولة الهوية” عن تسلّم جثامين خمسة عشر شهيداً من جانب الاحتلال الإسرائيلي في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الماضي، في محاولة أخيرة لرد الأسماء إلى أصحابها، وإعادة الملامح إلى ذاكرتها الإنسانية.

وتحمل العائلات التي حضرت إلى المكان في عيونها خليطاً قاسياً من الأمل والخوف؛ أمهات يحفظن في عقولهن أدق ملامح أبنائهن، وآباء يرددون أسماء فلذات أكبادهم بصوت خافت، وزوجات يبحثن عن أي علامة مميزة: ندبة قديمة، قطعة قماش مألوفة، أو ملامح وجه أنهكته الشهادة وغيّرته ظروف الموت.

خطوة قانونية وإنسانية
وجاء تفعيل غرفة الاستعراف في خطوة إنسانية وقانونية بالغة الأهمية، تهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين العائلات من التعرف إلى جثامين أبنائها، تمهيداً لاستكمال الإجراءات الرسمية، وتسليم الشهداء لذويهم من أجل مواراتهم الثرى بما يليق بكرامتهم التي لم تسقط، رغم كل ما تعرضوا له. ولا يبحث هؤلاء الأهالي عن جثامين فقط، بل يسعون لوضع نهاية لرحلة انتظار موجعة بدأت منذ لحظة الفقد، في محاولة لدفن الشهيد باسمه الصريح، وبين أهله، وهو حق إنساني لا يقل قداسة عن الحق في الحياة نفسها.

من جانبها، تؤكد اللجنة الخاصة باستقبال الجثامين وانتشالها أن تفعيل هذه الغرفة يهدف إلى تمكين العائلات من تسلّم جثامين أبنائها رسمياً، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة، بما يشمل إصدار شهادات الوفاة وتوثيق بيانات الشهداء، تمهيداً لدفنهم وفق الأصول الدينية والوطنية، بعد فترات طويلة من الحرمان حتى من “حق الحداد”.

غرفة الاستعراف: بين الرجفة والرجاء
وتعمل الطواقم المختصة التابعة للجنة داخل الغرفة بدقة وحذر شديدين، وسط ظروف إنسانية ونفسية بالغة القسوة؛ حيث يُعرَض “ألبوم” من الصور لكل شهيد عبر شاشة مخصصة، مع تكرار العرض مرة بعد الأخرى للتدقيق. ولا يُسمع داخل القاعة سوى وقع خطوات مترددة، وأنفاس ثقيلة تخفي بكاءً مكتوماً، وثقل مجموعة من الأسئلة المفتوحة التي تتردد في صدور الحاضرين: هل ما زال حياً؟ هل أُسر؟ أم أن هذا الجثمان الذي بلا اسم قد يكون هو؟ هذا السؤال وحده كان كافياً ليحوّل الغرفة إلى مساحة تتقاطع فيها الرجفة مع الرجاء.

في تفاصيل المعاناة، لم تتمكن السيدة الفلسطينية نشوى عوض من التعرف إلى جثمان ابنها “محمد”، الذي اختفت آثاره منذ شهر مارس/ آذار 2024 (عقب الاجتياح الإسرائيلي الثاني لمجمع الشفاء الطبي)، وذلك على الرغم من محاولاتها المستميتة في التحديق بالصور المعروضة عبر الشاشة.

وتقول عوض في تصريحات صحفية إنها ترددت كثيراً قبل اتخاذ قرار الحضور إلى غرفة الاستعراف؛ إذ إن كل الاحتمالات ستكون قاسية عليها “سواء تعرفت على ابني الذي اختفت آثاره قبل أن يحتضن طفله الأول، أو إذا لم أتعرف عليه وبقيت أسيرة التيه والحيرة”.

من ناحيته، يبيّن الفلسطيني سمير أبو سعدة أن آثار نجله “عصام” اختفت منذ بداية الحرب، وقد سمع الكثير من الروايات والقصص المتضاربة؛ فمنهم من أخبره بأن ابنه اعتُقل، ومنهم من قال إنه أُصيب أو استشهد. وقد جاء اليوم على أمل الاستعراف عليه وإنهاء حالة الحيرة القاتلة.

ويشير أبو سعدة في تصريحات صحفية إلى قساوة المشاهد المعروضة لصور الشهداء، التي تبيّن بمجملها مدى إجرام الاحتلال، إلى جانب قساوة الفكرة عموماً، مضيفاً: “من المؤلم جداً تأمل صور القتلى والجثامين لمعرفة مصير الأحباب”.

ورغم قسوة المشهد، يرى كثير من الأهالي في هذه الخطوة “بارقة أمل”، ليس فقط للتعرف إلى أبنائهم، بل لإغلاق فصل معلق من الألم، وفتح باب الوداع الأخير؛ وداع يليق بشهداء غابوا بلا أسماء، ويعودون اليوم محمولين على أكتاف الذاكرة، لا باعتبارهم أرقاماً، بل أبناءً لهم قصص وبيوت وأحلام لم تكتمل.

ولا تقتصر عملية الاستعراف على النظر إلى الصور فحسب، بل تسبقها سلسلة إجراءات دقيقة، تشمل مطابقة الملابس، والعلامات الجسدية، وأي مقتنيات عُثر عليها مع الشهداء، في محاولة لتقليص هامش الخطأ، وضمان أن يُنسب كل جثمان إلى صاحبه الحقيقي؛ فالأمر لا يتعلق فقط بالتعرف البصري، بل بإعادة الاعتبار الإنساني والقانوني للشهيد. وتواجه العملية صعوبات جمة، إذ وصلت الجثامين بحالة صعبة، ودون أي بيانات تعريفية، ما يعقد مهمة الاستعراف ويستدعي الاعتماد على أدق التفاصيل الممكنة، بما في ذلك البنية الجسدية، وآثار إصابات قديمة، أو حتى أوصاف دقيقة قدمتها العائلات سابقاً عند الإبلاغ عن فقدان أبنائها.

وفي المحصلة، لا تعني لحظة التعرف، بالنسبة إلى كثير من العائلات، نهاية الألم، بل هي بداية “حزن مؤجل” لم يُسمح له بالظهور سابقاً؛ فالبعض كان عاجزاً عن إقامة عزاء أو دفن رمزي، وظل منتظراً خبراً قد يأتي أو لا يأتي، ليمكّنهم أخيراً من وداع أحبابهم كما يليق بهم.

وتشير اللجنة إلى أن الجثامين وصلت بحالة صعبة، ودون أي بيانات تعريفية، ما يعقد المهمة ويستدعي الاعتماد على أدق التفاصيل الممكنة، بما في ذلك البنية الجسدية أو آثار إصابات قديمة. ورغم قسوة المشهد، يرى كثير من الأهالي في هذه الخطوة “بارقة أمل” لإغلاق فصل معلق من الألم، وفتح باب الوداع الأخير؛ وداع يليق بشهداء غابوا بلا أسماء، ويعودون اليوم محمولين على أكتاف الذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى