إيّاكم وشيخوخة الأرواح
د. نواعم شبلي جبارين
ليست الشيخوخة في عدد السنين، ولا في الشيب الذي يزحف إلى الرؤوس، بل الشيخوخة الحقيقية تلك التي تصيب الأرواح فتُفقدها دهشتها، وتُطفئ فيها نور الأمل، وتُقعدها عن الحلم والعمل. فكم من شابٍ في عمره، شيخٌ في روحه، وكم من مسنٍّ في سنّه، فتيٌّ في قلبه وفكره.
شيخوخة الأرواح تبدأ حين نستسلم لليأس، ونعتاد التذمّر، ونرى الحياة من زاوية ضيقة لا تتسع إلا للشكوى والخذلان. تبدأ عندما نفقد شغفنا بالتعلّم، ونتوقف عن الإصغاء، ونغلق أبواب قلوبنا أمام التجدد والتغيير. هي تلك اللحظة التي نُقنع فيها أنفسنا أن «الأيام لم تعد كما كانت»، فننسحب بصمت من ساحة العطاء.
إن الروح التي تشيخ، تُصبح أسيرة الماضي، تعيش على الذكريات لا لتتعلّم منها، بل لتتحصّن بها ضد الحاضر. ترفض الجديد لمجرد أنه جديد، وتخاصم الفرح بحجة الحكمة، وتُلبس الخوف ثوب التعقّل. وهنا تكمن الخطورة، فشيخوخة الأرواح لا تُقعد صاحبها وحده، بل تُثقِل المجتمع كله بثقل الجمود والركود.
وعلى النقيض من ذلك، تبقى الأرواح الحيّة يقظة، حتى في أشدّ الظروف قسوة. هي الأرواح التي تؤمن بأن لكل صباح فرصة، ولكل عثرة درسًا، ولكل ألم معنى. أرواح لا تنكسر عند أول خيبة، ولا تُطفئ شمعتها لأن الريح اشتدّت، بل تحمي نورها وتتابع المسير.
وإن من أعظم النِّعم أن يحافظ الإنسان على شباب روحه، بالتفاؤل، وبالرضا، وبالعمل الصالح، وبحب الخير للناس. فالعطاء يُجدّد الروح، والأمل يُنقّيها، والإيمان يمنحها سكينة لا تعرف الوهن. ومن وعى هذه الحقيقة، أدرك أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمقها وأثرها.
فإيّاكم وشيخوخة الأرواح، فإنها أخطر من وهن الأجساد. حافظوا على قلوبكم نابضة بالمعنى، وعلى عقولكم منفتحة على النور، وعلى أرواحكم متصلة بالقيم التي تُحيي ولا تُميت. وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، وبصيرة لمن أراد أن يحيا حياةً كاملة… مهما تقدّم به العمر.



