أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (271) قصة الأكراد: الانتماء الإسلامي الذي عطّلته العرقية والقومية!

حامد إغبارية

1. ذلك التاريخ المشرق

اعتنق الأكراد الإسلام في القرن السابع الميلادي أثناء الفتوحات الإسلامية في بلاد الرافدين (العراق)، التي كانت تحت الحكم الفارسي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان اعتناقهم الإسلام لما رأوه من عدله وتسامحه. ويعتبرهم باحثون كثيرون من القدامى والمعاصرين من أصول آرية، وأنهم قريبون جدًا، في اللغة والتقاليد الاجتماعية، من الفرس. وكانت لهم قبل الإسلام ممالك ذات شأن، لكنها وقعت تحت سطوة الفرس، خاصة في عهد الملك كورش الإخميني الكبير، ليصبحوا بعد ذلك جزءًا من الإمبراطورية الفارسية الساسانية.

وقد تميز الأكراد عبر التاريخ، قبل الإسلام وفي الإسلام، بالقوة والشجاعة والتضحية والإقدام والبسالة في الذود عن حياض الأمة الإسلامية. يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ:

«وكان الأكراد من أسرع الأمم قبولًا للإسلام، وأقربهم إليه، وأشدّهم نُصرة له. وكان دخول الكرد في الإسلام مبكرًا، إذ وجدوا فيه ما يلائم طباعهم من الشجاعة والنجدة».

سكن الأكراد في المنطقة المعروفة جغرافيًا بآسيا الوسطى، بين جبال زاغروس وجبال طوروس، وهي المنطقة التي تقع اليوم بين أربع دول: تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا. وقد استمر ولاؤهم للأمة ولقضايا المسلمين حتى إسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية مطلع القرن الماضي.

ولقد تعرّض تاريخ الأكراد إلى التشويه والتهميش من جهة المستشرقين الغربيين، بسبب دورهم في كسر شوكة الحملات الصليبية في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وتخليص بيت المقدس من أيديهم بعد أن عاثوا فيها وفي بلاد الإسلام فسادًا. وكان لهم دور كبير في الدفاع عن بلاد المسلمين قبل ذلك إبان الدولة الزنكية، وقبلها في حماية الحدود مع إمبراطورية الروم في مختلف العصور الإسلامية، ومنها صلابتهم في مواجهة الروم في عصر الدولة الحمدانية التي اتخذت مدينة حلب عاصمة لها في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد.

وقد قاتل الكرد مع الدولة العثمانية في مواجهة الدولة الصفوية في بلاد فارس، حتى إن الدولة العثمانية منحتهم نوعًا من الحكم الذاتي إكرامًا لهم، وكانت سلطة السلطنة العثمانية على ما يُعرف بمنطقة «كردستان» اسمية – رسمية.

ولعل من الأسماء اللامعة التي نعرفها، ولكن غاب عن الكثيرين أصولها الكردية، علماء في مختلف العلوم في التاريخ الإسلامي، منها: النحوي والمؤرخ أبو حنيفة الدينوري، وشهاب الدين عمر السهروردي الفقيه الصوفي، والحافظ ابن الصلاح الشهرزوري أحد أشهر علماء الحديث، وجمال الدين بن الحاجب النحوي، وابن خلكان المؤرخ صاحب كتابي سير أعلام النبلاء ووفيات الأعيان، وغيرهم كثيرون ممن كان لهم فضل وسبق في العلوم الإسلامية على اختلاف تخصصاتها.

فما الذي تغيّر في التاريخ الكردي حتى نشأت قضيتهم المعاصرة كقضية قومية عرقية؟!

مع نجاح مؤامرة إسقاط الخلافة العثمانية، التي حظي الأكراد فيها طوال تاريخها بمكانة ذات شأن حتى في شؤون الحكم، قُسّمت منطقة كردستان بين تركيا والعراق وإيران، وبدأت معها مرحلة المعاناة والقمع والتضييق على خلفية عرقية، دفعت الكثيرين منهم إلى النزوح إلى شمال سوريا. وكانت أراضي الدولة الإسلامية العثمانية الواحدة قد قُسّمت إلى دول قومية ضمن ما يُعرف باتفاقية سايكس – بيكو.

لذلك يمكن القول إن نشوء القضية الكردية كقضية عرقية جاء بسبب ظهور النزعات القومية العربية والفارسية والتركية – الطورانية. وبسبب القمع والتضييق والتهميش والحرمان من الهوية وحقوق المواطنة الذي تعرض له الأكراد، خاصة من جهة الدولة التركية الأتاتوركية والدولة العراقية التي كانت عمليًا تحت سلطة الاستعمار البريطاني، بدأ الأكراد يطالبون بحقوقهم.

وظهرت في أوساطهم أحزاب ذات نزعات علمانية قومية أو يسارية أو شيوعية، راحت تسعى إلى إنشاء دولة كردية تضم جميع الأكراد في منطقة كردستان (الدول الأربع: تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران)، بعد أن فقدوا الامتيازات التي تمتعوا بها أثناء الحكم العثماني. وقد استغلت تلك الأحزاب ميل الأكراد إلى الخصوصية الثقافية وحرصهم على استمرارية ما كانوا قد حصلوا عليه قبل نهاية العهد العثماني، ليخوضوا معارك سياسية وعسكرية من أجل الحصول على نوع من الحكم الذاتي وصولًا إلى الاستقلال التام.

وكانت هذه النزعة تحظى بدعم مباشر تارة، وغير مباشر تارة أخرى، من دول الغرب، وخاصة من أمريكا التي وجدت فيهم ضالتها لبسط نفوذها في المنطقة، خاصة في شمال سوريا.

الأكراد في غالبيتهم الساحقة من أهل السنة، ويتبعون المذهبين الشافعي والحنفي، وبينهم قلة قليلة جدًا من العلويين والشيعة.

هكذا أنشأت النزعة القومية، خاصة العربية منها، تلك التي شكّلت طعنة في خاصرة الدولة الإسلامية الواحدة، واحدة من أكثر القضايا العرقية تعقيدًا في العصر الحديث، هي القضية الكردية.

ويبدو أن هذه الأزمة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حالة الصراع الدموي مع دولهم في دمشق وأنقرة وطهران وبغداد، وإما أن تقرر حكومات تلك الدول احتواء المكوّن الكردي ودمجه في الدولة الوطنية الواحدة، من خلال إعادة الاعتبار وإرجاع الحقوق التي سُلبت منهم عبر القرن الأخير.

وهذا لا يتسنى إلا بمبادرة من الحكومات المركزية، كما فعلت تركيا التي بدأت منذ نحو عشر سنوات بمنح الأكراد جزءًا من حقوقهم الضائعة، وحصر الصراع مع حزب العمال الكردستاني (له وجود في العراق أيضًا) باعتباره مليشيا إرهابية تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والاستقلال، مع حدوث انفراجة في الفترة الأخيرة من خلال تفاهمات مع قائد الحزب المسجون عبد الله أوجلان.

أو كما فعلت الحكومة السورية في دمشق قبل أسبوعين، من خلال مرسوم منح الأكراد غالبية حقوقهم التاريخية التي كان نظام آل الأسد قد حرمهم منها، والسعي إلى تحقيق تفاهمات مع تنظيم «قسد»، الذي يبدو أنه سيجد نفسه أمام خيارين: إما القبول بسيطرة الدولة على كامل التراب السوري مع شراكة معينة، وإما تلقي الهزيمة تلو الهزيمة في المواجهة العسكرية الحالية مع حكومة الشرع، التي يبدو أنها مصممة على حسم هذه المسألة نهائيًا في أقصر مدة ممكنة.

وظني أن حسم قضية الأكراد في سوريا، والتي أراها قريبة، سيلقي بظلاله الإيجابية على قضية الأكراد في تركيا والعراق بشكل أو بآخر، وربما يفتح بابًا لحل قضيتهم في إيران أيضًا، خاصة في ظل ما يواجهه نظام الحكم في طهران من تهديدات أمريكية – إسرائيلية.

وبطبيعة الحال، فإن وجود بوادر لتجاوز الملف الكردي في سوريا وتركيا تحديدًا لن يُرضي تل أبيب، لأن أي بوادر وحدة تشكّل عنصر قوة إضافي في تلك الدول لن يكون في صالح أطماع المشروع الصهيوني، الذي تشكّل سياسة التفتيت إحدى دعائمه الأساسية.

2. عاقبة الظلم

بعيدًا عن أكذوبة «مجلس السلام»، الذي أسسه أبعد خلق الله في زماننا عن السلام، ودون الخوض في تحليلات وتفسيرات وتصريحات ودلالات ومخرجات، نقف أمام قضية يبدو أنها غابت عن أذهان الكثيرين في خضم الحديث عن مفاوضات هنا، ومحادثات هناك، وإمكانيات النجاح ونسبة الفشل، ومستقبل ملف غزة، والحرب وما بعد الحرب. هذه القضية هي ما أوقعته تلك الحرب من ظلم غير مسبوق على أهل غزة خاصة، وعلى الشعب الفلسطيني عامة. وهو ظلم يشكّل فصلًا من فصول الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني منذ مئة سنة، والذي شاركت وتشارك في إيقاعه عليه غالبية قوى الشر وإمبراطوريات الخراب.

ولأننا نؤمن أن الظلم يجرّ على صاحبه أسوأ أنواع العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، ولأنه ليس بين الله جل جلاله وبين دعوة المظلوم حجاب، حتى لو بدا لذوي الفهم السقيم أن الأمر قد طال، وأن الزمن يمر سنوات تلو سنوات دون أن يُقتصّ من الظالمين، فإننا على يقين أن ما يحدث يقع تحت سقف الاستدراج الذي نعرف نهايته وخاتمته.

ولا يظننّ أحد أنه إذا ما نجح ترامب في تمرير خطة الخراب، التي صنع لأجلها «مجلس سلام»، فإن الأمور ستمر هكذا دون محاسبة، سواء على مستوى ما ارتُكب بحق غزة وأهلها في الحرب الأخيرة، أو ما وقع طوال مسيرة الظلم التاريخي. بل إنه كما وقع على شعبنا ظلم تاريخي، فإن المحاسبة ستكون تاريخية، مفصلية، فاصلة، حاسمة، قاصمة، تطال كل من شارك في هذا الظلم.

لذلك فإن العدل الإلهي يقتضي أن:

كل قطرة دم سُفكت، وكل جسد طفل مُزّق أشلاء، وكل جنين قُتل في بطن أمه، وكل دمعة أم ثكلى، وكل صرخة ألم من أب ثاكل، وكل زوجة ترملت، وكل أسرة شُطبت من السجل المدني، وكل بيت هُدم، وكل مستشفى دُك فوق رؤوس المرضى، وكل طبيب وممرض ومسعف وصحافي قُتلوا، وكل مدرسة دُمرت، وكل طالب حُرم من حقيبته وكتبه ودفاتره ودراسته، وكل جامعة استُهدفت، وكل مسجد دُكت مئذنته ومحرابه، وكل أسير سُرقت سنوات حياته، وعاش من العذاب ما نعلمه وما لا نعلمه، وكل أسيرة اختُطفت من أطفالها أو والديها أو زوجها أو أهلها، ولاقت من الإهانات والتعذيب والاعتداء على كرامتها، وكل مريض حُرم من العلاج، وكل مريض حُرم من حبة دواء، وكل جائع، وكل ظمآن، وكل مبتور اليدين أو القدمين، وكل جريح، وكل أنّة مريض، وكل صرخة وجع من أم أو أب أو ابن، وكل دمعة طفل، وكل مشرّد، وكل نازح، وكل محروم من الغطاء والدفء، وكل محروم من مجرد ستر جسد، وكل إهانة، وكل شتيمة قذرة، وكل سخرية، وكل نظرة احتقار، وكل نظرة حقد وكراهية، وكل عينين حُرمتا من النوم، وكل جسد يرتجف من البرد، وكل قدمين أنهكهما النزوح، وكل صرخة رعب، وكل كلمة مسيئة، وكل شيطنة، وكل كذبة، وكل تشويه، وكل تضليل، وكل شجرة اقتُلعت، وكل زرع أُتلف، وكل أرض جُرفت، وكل مصنع دُمّر، وكل مهجّر أُخرج من دياره، وكل خيمة قُصفت، وكل قدمين غاصتا في وحل الشتاء، وكل آه، وكل تنهيدة، وكل شهقة، وكل زفرة…

وداخل كل واحدة من تلك الحالات ألف قصة وقصة، وألف تفصيلة وتفصيلة…

كل هذا لن يمرّ هكذا دون موقف محاسبة إلهية.

ولسوف تُدهش الضحية قبل المجرم من عِظم العدل الإلهي، ولسوف تُشرق الشمس على كل مظلوم، ولسوف تُمحى ابتسامات تملأ الأشداق، ترونها اليوم تتمطّى على الشاشات والمؤتمرات، إلى الأبد…

وعندها:

﴿سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى