نظرية المالك والمستأجر في واقعنا السياسي
ساهر غزاوي
يمكن إسقاط نظرية المالك والمستأجر، بوصفها توصيفًا تحليليًّا–سياسيًّا حاضرًا في الأدبيات النقدية، ولا سيّما في دراسات الاستعمار والاستبداد البنيوي، على واقعنا السياسي المحلي والعالمي ضمن منظومة النظام الدولي المعاصر. فهذه النظرية تصف علاقة غير متكافئة بين طرف يمتلك الأرض والسيادة والقرار (المالك)، وطرف يُسمح له بالوجود المشروط والمؤقت (المستأجر)، من دون أن يتمتع بحقوق سيادية حقيقية.
غير أن “المالك” في هذا السياق لا يستمد شرعيته من قوة الحق، بل من حق القوة، أي من منطق الغلبة والاحتكار القسري للسلطة، بما يؤدي عمليًّا إلى تحويل المالك الحقيقي للسيادة إلى مستأجر داخل منظومة لا يملك التحكم بها. ومن هذا المنطلق، يتعامل مع الدولة أو النظام بوصفه “ملكًا خاصًا”، لا بوصفه عقدًا اجتماعيًّا قابلًا لإعادة التفاوض أو المراجعة. وبناءً عليه، لا يُسمح بالتغيير إلا ضمن حدود شكلية أو إجرائية، لا تمس أسس منظومة الحكم ولا بنيتها العميقة.
في هذا الإطار، تُفرغ السلطة التشريعية، ولا سيّما في كثير من الدول العربية، من دورها الجوهري، إذ يُسمح لها بالحركة ضمن هوامش ضيقة، بينما يُحظر عليها الاقتراب من المسائل المفصلية، كطبيعة النظام السياسي، وتوزيع السلطة، واستقلال القضاء، أو القرار السيادي. وكل محاولة لتجاوز هذه الدائرة تُعد، في منطق “المالك”، خروجًا عن شروط الإيجار.
وعليه، لم يكن المسار البرلماني العربي في بنيته وقواعده مجديًّا، لا من حيث التأثير في السياسات العامة، ولا من حيث إحداث تغيير حقيقي أو التحرر من التبعية. بل تبين مع الوقت أنه لا يتجاوز كونه آلية لإدارة الأزمة وامتصاص الغضب، وإيهام “المستأجرين” بإمكانية التأثير، فيما يبقى جوهر القرار محتكرًا داخل دوائر مغلقة.
وحين تشعر المنظومة الحاكمة، أو حتى تُقدر مجرد احتمال وجود مسعى نحو تغيير جذري، فإنها تبادر إلى إقصاء صاحبه بوصفه “مستأجرًا” تجاوز حدود صلاحياته، عبر القمع والعزل والحظر والملاحقات والمحاكمات، أو من خلال الانقلابات العسكرية المباشرة، أو الانقلابات الناعمة التي تُدار بتوظيف أدوات قانونية وقضائية وإعلامية، وفق ميزان القوى القائم.
ويمكن رصد هذا النمط في تجارب متعددة، كما في تركيا التي شهدت انقلابات متكررة كلما اقتربت قوى منتخبة من إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، وإن كانت القيادة الحالية قد نجحت حتى الآن في إفشال هذه المحاولات. وفي العالم العربي، كما في الجزائر ومصر وتونس، جرى إقصاء مسارات التغيير الديمقراطي، إما بانقلابات خشنة، أو بانقلابات ناعمة حافظت على الشكل الديمقراطي وأفرغته من مضمونه.
وإذا ما وُسع إسقاط هذه النظرية خارج السياق المحلي، يتضح أن منطق المالك والمستأجر لا يقتصر على أنظمة الحكم السلطوية، بل يتسلل أيضًا إلى بنية الدولة العميقة في المنظومة الغربية، حيث تُحتكر السلطة الفعلية داخل دوائر ضيقة تتصرف وكأنها “المالك الحقيقي” للسيادة، لا عبر الآليات الديمقراطية المعلنة فحسب.
هنا، لا يكون “المالك” أرضًا فقط، بل السيادة ذاتها، بما تشمل القرار السياسي والاقتصاد والإعلام وتوجيه الرأي العام، فيما تُختزل الشعوب، رغم كونها مصدر الشرعية نظريًّا، إلى موقع “المستأجر” الذي يُسمح له بالمشاركة المشروطة ما دام لا يمس جوهر المصالح العليا.
وفي هذا السياق، يتجسد ما يُعرف بـ”العم سام” بوصفه رمزًا للدولة العميقة الغربية القائمة على ثالوث الحكم والمال والإعلام، حيث تُدار القرارات المصيرية من قبل قلة تعيد إنتاج نفوذها باستمرار، بينما يبقى عموم الناس خارج دائرة القرار الحقيقي.
وعودة إلى واقعنا السياسي المحلي، ومع تفهم حالة “النشوة الانتخابية” لدى قسم من أبناء مجتمعنا في الداخل على خلفية تشكيل قائمة مشتركة تقنية لتجاوز نسبة الحسم، ومن دون مصادرة فرحة عابرة، لا بد من التوقف عند البنية الأعمق للمشهد. فمن منظور نظرية المالك والمستأجر، لا يمكن التعامل مع الكنيست الإسرائيلي بوصفه ساحة مفتوحة للتغيير، ولا حتى ضمن مقولة “السياسة فن الممكن”، بعدما استُنفدت كل محاولات التأثير من الداخل دون جدوى.
بل إن تجربة الدخول في الائتلاف الحكومي، في ظرف استثنائي لن يتكرر، لم تُفض إلى تغيير بنيوي، بل كانت من العوامل التي مهدت الطريق لقيام حكومة يتصدرها غلاة المستوطنين وأكثرهم تطرفًا. وعليه، لا يمكن النظر إلى الكنيست إلا بوصفه أحد الأعمدة المركزية للمشروع الصهيوني، أي جزءًا من “ملك” سياسي–أيديولوجي مغلق، يُسمح داخله بحركة مشروطة لا تمس جوهر النظام.
فالكنيست، بخبرة تزيد على سبعين عامًا، يتمتع بوضعية ثابتة أُحبطت ضمنها محاولات التأثير الحقيقي لأي عضو عربي، وحُوّلت طاقات كثيرين إلى معارك هامشية وإنجازات شكلية، لا سيّما في ظل الانزياح المتسارع نحو التطرف والعنصرية بعد السابع من أكتوبر. وفي هذه المعادلة، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل نحن أمام أداة تغيير، أم أمام إدارة حضور داخل “ملك” لا نملكه ولا نتحكم بقواعده؟
وعليه، تكشف نظرية المالك والمستأجر أن الخلل البنيوي لا يكمن في أنظمة بعينها، بل في منطق عالمي يُعاد فيه تعريف الديمقراطية بوصفها آلية إدارة وضبط، لا أداة سيادة وتغيير. عالم يُسمح فيه بالتغيير ما دام شكليًّا، ويُقمع فورًا حين يقترب من المساس بجوهر “الملك”، وهو منطق لم يعد صالحًا، ولا عاد “الممكن” فيه ممكنًا، ولا سيّما في واقعنا السياسي بعد السابع من أكتوبر.
أمّا عن السؤال: ما الحل؟ فلست هنا بصدد تقديم وصفات جاهزة أو حلول سحرية، ولا إعادة تدوير ما قيل وكُتب ونوقش سابقًا. غير أنّه يكفي القول إننا ما نزال نُمارس الفعل السياسي بالأدوات ذاتها، وبالطريقة نفسها، ثم ننتظر نتائج مختلفة من “مالك” يستمد شرعيته من حق القوة، ويتعامل معنا كطرف يُسمح له بالوجود المشروط والمؤقت، أي كمستأجر، من دون أن يتمتع بحقوق أساسية حقيقية أو بقدرة فعلية على التأثير في مصيره. وربما السؤال الأجدر طرحه اليوم ليس: لماذا لا تتغير النتائج؟ بل هل فكرنا، ولو لمرة واحدة، في أن نسلم المفاتيح لهذا “المالك”، وأن نُعفي أنفسنا من أداء دور صُمم أساسًا ليُدار ضمن شروطه وحدوده، لا لتغييرها؟



