المرأةُ المُسلمةُ المُعاصرةُ بين خُلق الحياء والجُرأة الأدبية
مارية محاجنة
في زمن اندثار كثير من الضوابط الشرعيّة، في زمن الانفتاح في كثير من المجالات العلميّة ودخول المرأة إلى سوق العمل، تجد المُسلمة المُلتزمة نفسها غريبةً “غُربةَ سيدنا يوسف عليه السلام في الجُبِّ”..
وفي تعاملاتٍ مُتنوعة وكثيرة، تُعاني المُسلمة المُلتزمة من بيئات تعجّ فيها المفاسد والأضرار الحاصلة نتاج الانفتاح في العلاقات دون رقيبٍ أو حسيب، واندثار كثير من القيم الفاضلة التي تحفظ على الطرفين دينهم وأخلاقهم ومروءاتهم وسمعتهم وعلاقتهم الأسرية.
فبينما تُوجّه الانتقادات للمُلتزمة أنها تريد أن تتفردَ في غُربتها بقيم الفضيلة، يُترك الانفتاح والانفلات في العلاقات دون رادع، بل أصبح أمرًا عاديًا، والحديث عن الضوابط سلوكيّات “الرجعيين الذين ينتمون للعصر الحجريّ”..
فحينها يتساءل المُلتزم/ة ما العمل؟ وخاصةً حينما يحمل/تحمل فكرًا نيّرًا وعقلًا واعيًا، ويرى في عمله/ا أو تخصصه/ا أو علمه/ا هبةٌ من الله عز وجل، تُوجب شكر النعمة عليها فتُؤدي:
حق مجتمعه/ا عليها
وحق الناس عليه/ا
وحق قِيمه/ا عليه/ا.
فأمّا في مجال العمل الموظف/ة، أو صاحب/ة التخصص مُلزم بإتمام ما وُكل إليه من مهام، وأداء واجباته على أتمّ وجه، أمانةً ومهنيةً وحسن أداء.
وأمّا في العلاقات الإنسانيّة فيلزم شرعًا بالأدب، الحياء، غض البصر والعفة، والاحترام والتقدير بين جميع الأطراف، والتواصل والحديث لا يكون إلا في السياق، وبقدر الحاجة، مع كثير من الاحتياط والحذر.
وما تميّزت به المرأة القرآنيّة تحديدًا خُلقي الحياء في ابنة شُعيب، والعفة في السيدة مريم عليها السلام.
أما مسؤوليّة فرض الضوابط فتعود لكلا الطرفين في توجيه الخطاب القرآني المُلهِم، قال تعالى:
“وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ۚ ذلك أزكى لهم ۗ إن الله خبير بما يصنعون”. (النور: 30).
وقوله:
“وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يُبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها”. (النور: 31).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
“إن لكل دين خُلُق، وخُلُق الإسلام الحياء”.
وكما أسلفتُ إن القرآن الكريم لما ذكر المرأة العظيمة ذكرها في سياق: الحياء، العفة، غض البصر، التحصين، وأما الجُرأة الأدبية لا تتنافى مع ما سبق، قال الله عز وجل:
“فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت”..
حياء… واستحياء أبلغ، كلام بضوابط وجرأة أدبية استطاعت أن توصل رسالة أبيها لسيدنا موسى عليه السلام، وتحدثت إليه بقدر الحاجة، دون خضوع بالقول، على استحياء، فكيف بنبرة صوتها؟؟
مع أنها ألمحت في سياق آخر عن إعجابها بسيدنا موسى، فتوجهت لأبيها بقولها:
“يا أبت استأجره، إنّ خير من استأجرت القوي الأمين”،
لتُسّطر للنساء الفاضلات والفتيات الطاهرات من بعدها شرطين أساسيين للرجولة الحقيقيّة.. فإذا: القوة والأمانة للرجل أهم ما يُميز الشاب الطاهر المؤمن العفيف.
فالقوّي: قوة الدين، قوة العزم، قوة العزيمة، قوة المبادئ، قوة الانصهار بتعاليم الدين والتماهي مع الأخلاق الفاضلة والأفكار النيّرة، والهمم المُتيقظة..
والأمانة هي: أمانة التعامل، وأمانة التواصل، وأمانة التكليف…
فيما تبادله شقيقته الأنثى في كافة الميادين بما يتسّم ويتناغم مع هويتها القرآنيّة في العفة والحياء وغض البصر والتحصين.. إلخ..
فينتج جيل من الشباب الطاهر والفتيات العفيفات.. لكن الحاصل في الواقع في كثير من الوقائع يتنافى مع كثير مما سبق ذكره للأسف الشديد، إلا ما رحم.. وخاصة مع شيوع التفاهات والإسفاف، واستغلال المرأة “كجسد” لترويج أفكار ومشاريع وسِلع، ورضا كثيرات وكثيرين بذلك، وتأييد لموجة الانفتاح في العمل والعلم سواء وعيَ ذلك أم لم يَعِ بسبب الانتشار السريع، وذوبان الضوابط وشيوع فوضى العلاقات.
وحتى الحديث عن الضوابط في ميادين العلم والعمل بات أمرًا مستهجنًا في زمن التكشف غير المسبوق، إذ صرنا نجد انفتاحًا في مواقع التواصل الاجتماعي لغير حاجة طلب علم أو عمل، وفي معظمها في سياقات عروض الأزياء والخضوع بالقول، وممارسة الهوايات كالرياضات بكافة أنواعها بالبث المباشر، والتزين بالأصباغ والفلاتر والبوتكس، وتلقي الإعجاب من كلا الطرفين على حد سواء، مما يعني إعطاء الضوء الأخضر لوجود مثل هذه الأنماط، وإعطاء شرعيّة لهذه السلوكيات والممارسات.
وعودٌ على بدء: فالثمن الذي سيُدفع جرّاء الالتزام بالضوابط يستحق أن يُبذل لما فيه من صَون النفس وحفظ الدين، بينما الخضوع والتفلت سيُكلف خسارات فادحة عاجلًا أم آجلًا، وبالتالي تعرّض الأخت – التي لا نرجو لها سوى أن تحفظ نفسها وإباءها وكرامتها وشموخها – للأذى والمسّ بها…
وعلى الجانب الآخر أيضًا نجد أن هذا الانفتاح والتكشف وضع العراقيل أمام الشاب المسلم المُلتزم في اختيار الزوجة المناسبة لاحقًا التي يُكمل بها نصف دينه، أو الوقوع في براثن المقارنات للمتزوجين، بسبب الغرر الذي تمنحه هذه العلاقات الموهمة، والصور المفلترة التي يصعب التحرز عنها، وهي مثال متجسد للتلبس بما لم يُعطَ، وادّعاء المثاليّات البراقة في اللطف والخضوع بالقول والتغرير والتزين اللافت..



