أخبار وتقاريردين ودنياومضات

بمناسبة الإسراء والمعراج

د. نواعم شبلي جبارين

تحلّ علينا ذكرى الإسراء والمعراج، فتفيض الأرواح بخشوعٍ خاص، وتستحضر القلوب واحدةً من أعظم آيات الله في تاريخ الرسالات السماوية، حادثةً لم تكن مجرد انتقالٍ في المكان، بل ارتقاءً بالروح، وتكريمًا للإنسان، وتثبيتًا للرسالة، وربطًا عميقًا بين الأرض والسماء.

الإسراء والمعراج معجزة إلهية خالدة، افتتحها القرآن الكريم بقوله تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1].

وما أبلغ أن يبدأ الحديث عن هذه الرحلة بكلمة (سبحان)، إعلانًا لتنزيه الله عن حدود الزمان والمكان، وتأكيدًا أن ما جرى هو فعل إلهي فوق المقاييس البشرية.

جاءت هذه المعجزة في وقتٍ بالغ القسوة، بعد عام الحزن، حين اشتد الأذى على النبي ﷺ، فكانت رسالة مواساة إلهية، تؤكد أن العسر يعقبه يسر، وأن الانكسار البشري قد يكون بوابة الرفع الإلهي.

في الإسراء، يترسخ الارتباط المقدس بالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، رمز البركة والرسالة، وعنوان وحدة العقيدة. وفي المعراج، يتجلى المقام الرفيع لسيدنا محمد ﷺ، حين عُرج به إلى السماوات العلى، فالتقى بالأنبياء، في مشهدٍ يؤكد وحدة الرسالات، وتكامل مسيرة التوحيد.

ومن أعظم ما حملته هذه الليلة المباركة، فريضة الصلاة، التي فُرضت في السماء لا في الأرض، لتكون صلةً يوميةً بين العبد وربه، ومعراجًا روحيًا متجددًا، يرفع الإنسان فوق ضجيج الحياة، ويمنحه الطمأنينة والتوازن.

الإسراء والمعراج ليسا حدثًا يُستذكر فقط، بل منهج حياة يُستلهم؛ دعوة للصبر عند الشدائد، والثقة بحكمة الله، والإيمان بأن ما بعد الألم أفقٌ أوسع مما نتصور.

في هذه الذكرى العطرة، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار معانيها العميقة، في زمنٍ تحتاج فيه القلوب إلى يقينٍ جديد، ورسالة أملٍ تقول: إن الطريق إلى السماء يبدأ من صدق الإيمان، ونقاء القلب، والعمل الصالح.

كل عام، وذكرى الإسراء والمعراج تذكّرنا أن السماء ليست بعيدة عن الأرض، إذا سمت القلوب، واستقامت النفوس، وصدق التوجه إلى الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى