لحظة من فضلك!
مارية محاجنة
لا تقتصر الثقافة الإسلاميّة على كونها معرفةً دينيّةً خاصّة بالمسلمين فحسب، بل تمثّل أحد المكوّنات المركزيّة في تشكيل الواقع العربيّ والإسلاميّ، بما يحمله من لغةٍ وقيمٍ وتاريخٍ وأنماط تفكير. فكثيرٌ من القضايا المتداولة في الفضاء العامّ اليوم -من الهويّة إلى المرأة، ومن القانون إلى الأخلاق- لا يمكن فهمها أو مناقشتها بوعيٍ حقيقيّ دون الإلمام بأساسها الثقافيّ الإسلاميّ.
إنّ غياب هذا الفهم لا يُنتج موقفًا محايدًا، كما قد يُظنّ، بل يفتح الباب لأحكامٍ سطحيّة وقراءاتٍ منقوصة، سواء جاءت في صورة رفضٍ مطلق أو تبنٍّ غير واعٍ. فالمعرفة لا تُلزم بالإيمان، لكنها تحمي النقاش من التشويه والانفعال، وتمنحه قدرًا من العدل والرصانة، وتُبقيه في دائرة الفهم لا الإسقاط.
إنّ اطّلاع غير المسلم -أو غير المتديّن- على الثقافة الإسلاميّة ليس خيارًا ثقافيًا هامشيًا، بل ضرورةٌ معرفيّة لفهم الواقع، وإدارة الخلاف بوعي، وبناء حوارٍ يقوم على البصيرة لا على الأحكام المسبقة والتعميمات، ولا على الزجّ بالنصوص الشرعيّة وتفسيرها وفق أهواء أو آراء جاهزة.
فعلى سبيل المثال، عند الحديث عن المظالم التي تعرّضت لها المرأة عبر ممارساتٍ وسلوكياتٍ صدرت عن بعض الرجال المسلمين، لا يكون من العدل ولا من الإنصاف تحميل الإسلام ذاته وِزر هذه الانحرافات، إذ لا يصحّ الخلط بين النصّ والتديّن من جهة، والممارسة البشريّة القاصرة من جهة أخرى.
ومثالٌ آخر في السياق نفسه: حين جاءت نصوص دينيّة في دياناتٍ أخرى تحمل نظرة دونيّة للمرأة، فظهرت النسويّة بوصفها ردّ فعلٍ تاريخيّ على هذا الواقع، لا يصحّ إسقاط هذا المسار على الإسلام، ولا الزجّ به في السياق ذاته، وهو الذي جاء بتكريم المرأة وتعظيم شأنها؛ فمن موؤودةٍ تُدفن حيّة، أصبحت أمًّا للمؤمنين، وصاحبة رأي، وقولها مسموع، ومكانتها محفوظة في الدين.



