ريجيم القلوب أولى من ريجيم البطون
الشيخ كمال خطيب
إنه الصراع الأبدي المحتدم بين نداء الرحمن وبين نزغ الشيطان، وميدان ذلك الصراع ليست إلا نفوسنا. إنه الصراع كانت بداياته من يوم أن أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم سجود التكريم لهذا الذي خلقه الله بيديه ونفخ فيه من روحه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ آية 11 سورة الأعراف، وليس أنه رفض السجود وحسب بل إنه أعلن حربًا سافرة وصراعًا مفتوحًا على الله وعلى عبد الله الإنسان {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ*ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} آية 16-17 سورة الأعراف.
إنه الصراع إذن بين النفس المؤمنة وبين النفس الأمّارة بالسوء لتكون النتيجة إما طاعة الرحمٰن فجنّة عرضها السماوات والأرض، وإما معصيته سبحانه فنار تلظّى. وأنه كل واحد منا لتمر به اللحظات والمواقف يعيش فيها حالة من الصراع حول شيء يفعله أو لا يفعله. وما أجملها تلك اللحظات وما ألذّها، وما أحلاها تلك المشاعر يعيشها الإنسان منّا حين ينتصر الخير فيه على الشرّ، وتنتصر الفضيلة على الرذيلة، وينتصر نداء الرحمٰن على نزغ الشيطان فيترك شيئًا ويتخلّى عنه ويتنازل عنه طاعة للرحمٰن وقربى إليه سبحانه رغم قدرته على فعل ذلك الشيء والقيام به دون أن يمنعه أحد حيث كل الظروف مواتية ومتوفرة لتحقيق ذلك الفعل ولكنه يتركها لأجل الله سبحانه وقربى إليه.
إنها قصه ذلك الأمير الذي راح يقسم بالله أنه من أهل الجنة في موقف احتار به السامعون وحتى العلماء ممن كانوا يحضرون مجلسه، فبين مجاملته والرغبة في إرضائه وبين أنه يقسم على شيء لا يعلمه إلا الله سبحانه وهو الذي يقضي فيه بأن يكون هو من أهل الجنة أم من أهل النار. وكان اليوم الذي قادته فيه قدماه إلى مجلس الفقيه الزاهد “ابن السمّاك” فقصّ عليه قصته، فقال له ابن السمّاك: أيها الأمير هل قدرت يومًا على معصية فتركتها خوفًا من الله ولم تفعلها لأجل الله تعالى؟ فقال الأمير: نعم، إنها امرأة دخلت يومًا مجلسي وكانت ذات حاجة فزيّن لي الشيطان فعل السوء وراودتها عن نفسها وإلا فلن أعطيها حاجتها، فوافقت المرأة تحت إلحاح حاجتها إلا أنني تذكرت أن الزنا من الكبائر والمعاصي، وتذكرت النار ولهيبها وعذابها فأشفقت من ذلك وكففت عن الزنا خوفًا من الله تعالى ولأجل الله عز وجل، فقال له ابن السمّاك: أبشر أيها الأمير فإن لك الجنة، ألم تسمع قول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} آية40-41 سورة النازعات.
وإنها ليست قصة الأمير هذا وحسب في بيان عظيم أجر من استجاب لنداء الرحمن وانتصر على نزغ الشيطان وترك الحرام مع قدرته على فعله إرضاءً لله تعالى وخوفًا منه سبحانه. أقول إنها ليست قصة الأمير إياه بل إنها قصة النفر الثلاثة التي وردت في حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم والذي قال فيه: “انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ، قَالَ رجلٌ مِنهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلًا وَلا مالًا فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْمًا فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا “الحليب الذي يشرب عشاءً” فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ فِيْ يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ.
قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.
وقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَّه وَذَهبَ فثمَّرت أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأموال فجائني بَعدَ حِينٍ فَقالَ: يَا عبدَ اللهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى منْ أَجْرِكَ: مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالرَّقِيق فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتهْزيْ بي، فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَهْزيُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْه شَيْئاً، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فخرَجُوا يَمْشُونَ”.
نعم إنه لا يجد طعم وحلاوة شيء تركه لله ومن أجل وفي سبيل رضى الله وخوفًا منه إلا من عايشه وجرّبه. إنها حلاوة يجدها الإنسان في قلبه وطمأنينته ورضى يملأ عليه كل جوارحه. أما وقد أصبح الوقوع في الحرام والوصول إليه سهلًا جدًا ومتيسّرًا جدًا في ظلّ وسائل التواصل والتقنيات التي قرّبت البعيد ويسّرت الصعب، فما أعظم أن ينتصر شبابنا في هذه المعركة بأن يطيعوا الرحمن ويعصوا الشيطان وهم يستجيبون لأمر الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} آية 24 سورة الأنفال.
ولا يتوقف الأمر عند الصراع بين الفضيلة والرذيلة، وبين الطاعة والمعصية في قضية الفاحشة ومشتقاتها ومقدماتها وأنواعها، وإنما الأمر يتعدى ذلك إلى كل فعل فيه تتناوش الإنسان منّا نزعة الخير ونزعة الشر بفعله أو عدمه، فهنا كذلك لا بد من الانتصار في هذه المعركة استجابة لنداء الله.
فإذا كانت بينك وبين أحد الناس قطيعة فلا سلام ولا كلام وقد يكون سببها خلافًا على أمر من أمور الدنيا، فإذا حدث وجمعت بينكما الطريق أو الظرف فإن الرحمٰن يدعوك ويقول لك ابدأه بالسلام، وإن الشيطان يقول لك لا ويبدأ يذكرك بأسباب الخلاف بينك وبينه داعيًا إياك للانتصار لنفسك. إنك إن خالفت نفسك وشيطانك وأطعت ربك وخالقك واتخذت قرارك طاعة وقربى لربك سبحانه فإنه الأجر العظيم وإنها الجنة بإذن الله تعالى.
وإذا كانت بينك وبين أحد أرحامك قطيعة وهجران، وما أكثر الأسباب، بل ما أتفه الأسباب التي ينجح الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء لتحويلها إلى أمر عظيم يستحق أن يكون سببًا ومبررًا لك لمقاطعة رحمك سواءً كان أخًا أو أختًا، وقد يصل أن يكون هذا المقاطَع أبًا أو أمًا، إنك إذا بادرت إلى زيارته ومسامحته وحتى التنازل عن حقك إذا تطلّب الأمر وأن يكون ذلك بلا حساب ولا عتاب وكل ذلك لأجل الله وابتغاء رضوانه سبحانه فإن مقام ذلك عظيم عند الله سبحانه وأنه ليس إلا الجنة.
وإذا كنت في بيتك تجلس وإذا بصوت الآذان يقرع سمعك فتقول لك نفسك الأمّارة بالسوء ويساندها نزغ ووسوسة الشيطان لك أنّ وماذا عليك لو صليت في منزلك فأنت في صلاة قبلها كنت في المسجد، بينما الرحمن يناديك من داخلك أن قم إلى المسجد فكيف تسمع نداء حي على الصلاة حي على الفلاح ولا تلبي النداء، فإنك إن اتخذت قرارك وعزمت أمرك وانتصرت على نفسك الأمّارة بالسوء وقمت إلى المسجد وبلسان حالك تقول لبيك اللهم لبيك، فإن مقامك في عين الله عظيم وإنها الجنة بإذن الله تعالى.
ريجيم الذنوب
إن مثل الإنسان مع الأعمال والذنوب افعلها أو لا تفعلها، وإن القرار بيدك أيها الإنسان وأنت تعلم ما هي عاقبة ذلك الفعل وما يترتب عليه من سخط الله ثم عقابه، فحينما ينتصر الخير الذي فيك على الشرّ الذي يناديك وعندما تستجيب للرحمن وتعصي الشيطان فأنت الفائز الربحان. إن موقفك هذا يشبه موقفك من طعام شهي يوضع بين يديك تأكله أو لا تأكله. إن شهوة البطن والجوع وإن رائحة الطعام الزكية ومظهره الجميل كلها تناديك لأن تمد يدك إلى الطعام فتأكله، ولكن وكيف تأكله وأنت تتذكر طبيبك وهو يوصيك ويحذّرك ويؤكد عليك أن إياك أن تأكل هذا الصنف من الطعام لأنه يؤذي صحتك وتترتب عليه مضاعفات لا تحمد عقباها، فأنت إذن بين نداء البطن يقول لك هلّم وبين نداء العقل وصوت الطبيب وذكريات الأوجاع والتردد على المشافي يقول لك إياك إياك، والعاقل وصاحب الإرادة هو من يستجيب لنداء العقل وتوجيهات الطبيب وليس الذي يستجيب لنداء البطن وشهوة حب الطعام.
قال عبد الله بن عكرمة: “عجبت لمن يحتمي من الطعام خوف الداء “أي يلزم نفسه بحمية” ولا يحتمي من الذنوب خوف النار”. إن من الناس من يحرم نفسه من أطعمة وأشربة هي حلال، بل إنه يحبها وكان يكثر منها ولكنه يقرر تركها وحرمان نفسه منها ويلزم ذاته بحمية قاسية لتخفيف وزنه ومن أجل صحة وسلامة جسده لأنه بدأ يشعر ويحسّ بزيادة وزنه وما يترتب على ذلك من مضاعفات. إنه إذن يتحمّل هجران وترك وحرمان نفسه من أطعمة وأشربة ليخفف وزنه من اللحم والدهن الذي علق في جسده.
فمن احتمل ترك أنواع من الطعام وحرم نفسه منها ليخفف وزنه فكيف ولماذا لا يحتمل ترك أفعال وذنوب ومعاصي تثقل كاهله وتسوّد صحيفته من أجل النجاة والسلامة من النار. نعم إننا أحوج ما نكون إلى حمية وريجيم قاس من الذنوب والمعاصي نخالف بها هوى النفس ونداءاته مثلما أننا بحاجة إلى حمية وريجيم البطن والجسد نخالف به نداء البطن ورغبته، فلماذا ننتصر في ريجيم البطون فنخفف ونتخلص من الزائد في أجسادنا ولا ننتصر في ريجيم وحمية القلوب حيث الذنوب فلا نتخلص منها ونتوب عنها؟
سئل أحد الصالحين يومًا: “ماذا تشتهي؟ فقال: أشتهي عافية يوم، فقيل له: ألست في عافية سائر الأيام؟ فقال: العافية أن يمر يوم بلا ذنب”.
وقال أحد العارفين: “الغارق في وحل المعاصي والذي لا يتردد بارتكابها كمثل المطعون الذي يعالج جرحه بمزيد من الطعنات حتى يهلكها”.
تتوب من الذنوب إذا مرضت وترجع للذنوب إذا بريت
فكم من كربة نجاك منها وكم كشف البلاء إذا بليت
أما تخشى بأن تأتي المنايا وانت على الخطايا قد لهوت
وها نحن على مسيرة أيام من نهاية شهر رمضان وحلول يوم العيد حيث العيد الحقيقي في فهم الإمام الحسن البصري رحمه الله، وقد سئل: أي يوم هو لك عيد يا إمام؟ فقال: كل يوم لا أعصِ الله فيه فهو عيد.
فلنجعل أيامنا كلها أعيادًا يوم ننجح بإذن الله ليس في أن نصبح ملائكة لا نعصي الله، فهذا لن يكون لأننا لسنا ملائكة ولا أنبياء معصومين، ولكن يوم ننجح في معرفة مخاطر الذنوب فنسعى للتقليل منها والتخلص منها بتوبة صادقة لله سبحانه وتعالى باتباع حمية وإن كانت قاسية بها نخالف نفوسنا الأمّارة بالسوء ونطيع ربنا وخالقنا سبحانه ليكون جزاؤنا منه الجنة وصحبة حبيبه محمد ﷺ والفوز بالنظر إلى وجهه الكريم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} آية 22-23 سورة القيامة.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا..
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون



