أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

قراءة في مذكرة (دور الحزب الشيوعي الاسرائيلي في النكبة)

طه اغبارية
خلفية تاريخية
هي مذكرة كتبها الباحث المعروف ابن مدينة اللد د. محمود محارب وقد اعتمد فيها على وثائق الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعيدا عن أسلوب المناكفة السياسية واللغط الشعبوي، ولا تخلو جملة من هذه المذكرة إلا ويبين د. محمود محارب ما هو مصدر هذه الجملة، وبذلك نجح بأن يفرض الاطمئنان العلمي على القارئ أن كل هذه المذكرة بكل جملة فيها، مستقاة من وثائق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ولأهمية هذه المذكرة ولأهمية ارتدادات هذا الدور الذي قام به الحزب الشيوعي الإسرائيلي في هذه الأيام والتي سنتحدث عنها في سياق هذه القراءة، وحتى لا نظل مخدوعين ببريق الشعارات والوعود كمن يسير مكبّاً على وجهه، وحتى نعيَّ جيدا جذور النكبة فقد رأينا من المفيد لنا ولكل قارئ أن نقوم بهذه القراءة في هذه المذكرة الهامة جدا، والتي نشكر سلفاَ د. محمود محارب الذي قام بها، وحتى لا نميل إلى الأسلوب الانشائي الفضفاض فقد اخترنا أن نكتب هذه القراءة على صورة نقاط مركزة وفق التسلسل الذي ورد في هذه المذكرة، ولذلك سنبدأ كتابتنا حول الخلفية التاريخية مذكرّين بهذه النقاط:
(اتفق الباحثون على أن جذور الحركة الشيوعية في فلسطين تعود الى اليسار الصهيوني. في سنة 1919 أسس مستوطنون يهود صهيونيون في فلسطين “حزب العمال الأشتراكي” (مبس) على إثر انشقاقهم عن “حزب عمال صهيون” في فلسطين. وفي تشرين الأول /أكتوبر 1919 عقد هذا الحزب أول مؤتمر عامّ له، سيعتبره الحزب الشيوعي الفلسطيني لاحقا أول مؤتمر له. وفي سنة 1920 أضاف الحزب إلى اسمه كلمة “العبريين” فأصبح “حزب العمال الاشتراكيين العبريين”(مبسي). وشهد هذا الحزب في السنوات الثلاث التالية عدة انشقاقات، إلى أن توحّد في سنه 1923، بعد توسط الأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن) تحت اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني) –محارب-
(انضم أول عربي إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1923) –محارب-
(فوجئ الحزب الشيوعي بثورة 1929 في فلسطين وفشل في قراءتها وعدّها مذبحة “بوغروم” ضد اليهود وبذلك تماهى موقفه منها مع موقف الحركة الصهيونية، ولم ير فيها أي جوانب ثورية). –محارب-
(… عند انطلاق ثورة (1936-1939) في فلسطين، أيّدتها قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولكن سرعان ما دبّ الخلاف بين الأعضاء العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في الحزب بشأن الثورة في فلسطين، وتوترت العلاقات بين الجانبين، ما أدى إلى سماح قيادة الحزب للمستوطنين اليهود في داخل الحزب بأن ينظموا أنفسهم تنظيما مستقلا) –محارب-
(وقد توسع الخلاف والصراع بين العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود داخل الحزب في أواخر الثلاثينات وبداية الأربعينات، بشأن المسألة القومية في فلسطين، ودار حول عدة مواضيع رئيسة هي: الموقف من الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن أساليب النضال، ومن تقويم ثورة 1936، والموقف من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإذا ما كان المستوطنون اليهود في فلسطين يشكلون أمة، ولهم حقوق قومية تقدمية لا تتناقض مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية، ومدى وجود عناصر تقدمية داخل الحركة الصهيونية وإمكانية التحالف معها)-محارب-
(أسفر الصراع الداخلي بين العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني عن انقسامه نهائيا في سنة 1944 إلى حزبين. وفي حين أعاد المستوطنون اليهود أعضاء الحزب تنظيم أنفسهم بقيادة شموئيل ميكونس، الأمين العام للحزب حتى الانشقاق في الحزب في سنة 1965، ومئير فلنر الرجل الثاني في الحزب الذي أصبح أمينا عاما للحزب الشيوعي الإسرائيلي في سنة 1965، واحتفظوا بإسم الحزب الشيوعي الفلسطيني، ونظمّ الشيوعيون الفلسطينيون في أواخر سنة 1943 أنفسهم في “عصبة التحرر الوطني”) -محارب-
(عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي اقتصرت عضويته على المستوطنين اليهود الشيوعيين فقط، كما كان الوضع عليه في السنوات الأولى لتأسيسه، المؤتمر العام الثامن للحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1944، وقد تناقضت قرارات هذا المؤتمر مع قرارات المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني الذي عُقد في سنه 1931، واقتربت كثيرا من موقف الحركة الصهيونية، ولا سيما في ما يتعلق بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وبناء الوطن القومي اليهودي، والموقف من الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه القومية، وقد عارضت قرارات المؤتمر الثامن للحزب – تماما كما عارضته الحركة الصهيونية بشدة- “الكتاب الأبيض” البريطاني الذي صدر في أيار مايو 1939، وحدّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن امتلاك الحركة الصهيونية الأراضي العربية. واعترف المؤتمر كذلك بالمستوطنين اليهود في فلسطين بوصفهم أقلية قومية لها حقوق جماعية في فلسطين) –محارب-
(وفي مؤتمره التاسع الذي عُقد في سنة 1945، اقترب الحزب الشيوعي الفلسطيني، بقيادة شموئيل ميكونس ومئير فلنر، أكثر فأكثر نحو صلب الصهيونية ونحو هدفها المركزي، وهو إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين –ولكن من دون أن يتبنى الصهيونية رسميا – ليس هذا فحسب، بل نادى الحزب بفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتسهيل عملية الاستيطان فيها، فقد دعا ميكونس في المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي إلى “التطور الحر للوطن القومي اليهودي” والى “النضال من أجل تطوير الوطن القومي اليهودي” وأكد أن الحزب الشيوعي الفلسطيني يعتبر “الييشوف ” اليهودي جزءاً لا يتجزأ من سكان فلسطين، وفي الوقت نفسه، جزءاً من الشعب اليهودي في العالم. وشرح مفهوم الحزب الشيوعي للوطن القومي اليهودي، فأكد أن الوطن القومي اليهودي يعني منح امكانية للييشوف اليهودي لتطوير حياته الاقتصادية في مجالات الزراعة والصناعة والملاحة والتجارة.. إلخ، وكذلك تطوير حياته القومية والثقافية على أسس التقدمية وأخوة الشعوب، ويعني إلغاء القوانين المعادية لليهود التي وردت في “الكتاب الأبيض” فيما يخص الهجرة اليهودية والاستيطان، ويعني أيضا الحق في تطوير مؤسسات الحكم القومي الذاتي، ابتداء من السلطات المحلية وانتهاء باللجنة القومية في جميع القضايا الداخلية لييشوف اليهودي) -محارب-
(.. وأقر الحزب الشيوعي الفلسطيني في مؤتمره العاشر الذي عقده في سنة 1946 بأن “الوطن القومي اليهودي بات حقيقة ” وبأن “وجود أمتين في فلسطين لم يعد بالإمكان تجاهله” ودعا إلى إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين) -محارب-.
(… وقادته هذه التغييرات إلى تغيير اسمه في أيار/مايو 1947 من “الحزب الشيوعي الفلسطيني” الى “الحزب الشيوعي الأرض-إسرائيلي” وشرع في استعمال المصطلحات الصهيونية، فذكر فلسطين في نشراته العبرية ب “أرض إسرائيل”، وذكر الشعب العربي الفلسطيني ب ” عرب أرض إسرائيل” –محارب-
(وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه بن غوريون عن تأسيس دولة إسرائيل، غيّر الحزب اسمه مرة أخرى من “الحزب الشيوعي الأرض-إسرائيلي” ليصبح “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”) -محارب-.
من ارتدادات هذه الخلفية التاريخية
بعد هذا الاستعراض التاريخي الموجز جدا لنشوء الحزب الشيوعي الإسرائيلي، يمكن أن نشير إلى هذه الارتدادات لهذا التاريخ في هذه الأيام:
بما أن جذور هذا الحزب تعود إلى اليسار الصهيوني، فلا عجب أن يجاهر اليوم أيمن عودة باستعداده للتحالف مع اليسار والوسط الصهيوني سيما إذا عرفنا بناء على هذا الاستعراض التاريخي الموجز أن هناك قسما من الحزب في بدايات تأسيسه كان يؤيد التحالف مع (العناصر التقدمية!) في الحركة الصهيونية، وهذا يعني أن أيمن عودة لم يأت بجديد، بل تبنى هذا الخط الذي كان منذ الأربعينات في مسيرة هذا الحزب.
كان الحزب منذ بدايات نشوئه يؤيد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولذلك لا عجب أن تفتح روسيا وسائر الدول الشيوعية الباب على مصراعيه في الاربعينات ثم في مطلع التسعينات لتدفق ملايين اليهود باسم الهجرة إلى أرض الآباء، بغية دوام تفوق نسبة الوجود السكاني لليهود في مقابل نسبة الوجود السكاني الفلسطيني. وهذا يعني في نهاية الأمر تفوق الطابع اليهودي والحفاظ على قاعدة سكانية يهودية يمكن الاستناد إليها -في حسابات المؤسسة الإسرائيلية-والإعلان عن يهودية الدولة ثم قانون القومية سيء الصيت.
كان الحزب منذ نشوئه يدعم الوطن القومي لليهود ويدعم تطوير مؤسسات الحكم القومي الذاتي لهذا الوطن، لذلك لا عجب أن ظل هذا الحزب لصيقا بالكنيست الإسرائيلي منذ اليوم الأول الذي قامت فيه وحتى هذه اللحظات، ولا يزال يدعو إلى دوام الانخراط في لعبة الكنيست رغم أن السبعين عام التي مرت على وجود أعضاء كنيست عرب في الكنيست أثبتت أن ثمرة وجودهم كل هذه السنوات الطوال ظلت صفرا بل دونه.
دعا هذا الحزب في بدايات نشوئه إلى إقامة (دولة ثنائية القومية في فلسطين)، ثم تنازل عن هذه الفكرة فيما بعد ودعا إلى قيام (دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل) !! وقد يبدو هذا الشعار جميلا في الظاهر ولكنه في حقيقة الأمر دعوة إلى إسقاط حق العودة، لأن هذا الحزب إذا أقر سلفا وعلانية بدولة إسرائيل، فهذا يعني أنه أقرّ لها بسيادتها واستقلال إرادتها وقراراتها، ولا يمكن لأحد أن يلغي لها كل ذلك، وهذا تفويض صريح للمؤسسة الإسرائيلية أن تلغي حق العودة، ثم أن هذا الشعار الجميل ملغوم من باب أخر، فهو طوال الوقت كان يدعو كل العالم بما في ذلك الشعب الفلسطيني والعالم العربي والأمة الإسلامية إلى الاعتراف بإسرائيل، وأنها باتت حقيقة كما ذكر ذلك د. محمود محارب بادعاء أن الحزب يطالب مقابل ذلك بقيام دولة فلسطين!! فماذا كانت المحصلة على مدار السبعين عاما الماضية! رسّخ الحزب من وجود إسرائيل، وظل وجود فلسطين مجرد مطلب لم يتحقق حتى الآن!! وكأن الدعوة إلى قيام دولة فلسطين كان طعما لجرّ العالم للاعتراف بإسرائيل مقابل لا شيء لشعبنا الفلسطيني كما يؤكد ذلك واقع الحال المأساوي اليوم.
بناء على ما ورد أعلاه فهذا يؤكد أن هذا الحزب كان له الدور الأساس في قيام وطن قومي لليهود على حساب نكبة فلسطين، وسنفصل في هذا النقطة تحديدا في الحلقات القادمة. يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى