معركة الوعي (4)…فلسطين في العهد العثماني (3)

معركة الوعي (4)…فلسطين في العهد العثماني (3)

حامد اغبارية
سأحاول في عجالة أن أستعرض جانبا من “الجرائم التي ارتكبها الاحتلال العثماني لفلسطين”، تلك الكذبة التاريخية التي ما يفتأ المتطاولون على التاريخ وعلى أحداثه يكررونها ويجترّونها حتى أصبحت دينهم وديْدنهم، متّبعين الطريق الذي شقه المستشرقون الغربيون لتشويه تاريخ الدولة العثمانية انتقاما وكراهية للدولة التي ما زال صوت سنابك خيول جيشها الذي وصل حدود فيينا يصمّ آذانهم، ويقض مضاجعهم.
لقد أوجعت الفتوحات التي حققها العثمانيون في أوروبا، وخاصة في بلاد البلقان، الأوروبيين وما تزال توجعهم، فراحوا يزوِّرون التاريخ ويشوهون الأحداث ويضربون بالحقائق عرض الحائط، حتى نشأت لديهم أجيال لا تعرف إلا الزور والبهتان. فقد أوجعهم أن تكون تلك الفتوحات إسلامية، تحت راية {لا إله إلا الله}، وسادت في الغرب كراهية للإسلام، الأمر الذي دفعهم أن يبذلوا جهدهم في تشويه تاريخ الدولة العثمانية والافتراء عليها ورميها بكل منقصة بأقلام علمانية تكره الإسلام، فدوَّنوا ذلك في مؤلفاتهم ودرّسوه في المدارس والجامعات؛ ثم نقلوا هذا الوباء الخطير إلى مجتمعاتنا في العالم العربي، بمدد من الاستعمار وبواسطة أعوانه من العرب ذوي النزعات العلمانية والرغبات الانفصالية والنعرات القومية، ثم لاحقا من الحركة الصهيونية، فعملوا على إقناع الأجيال بأن جهود العثمانيين في توحيد بلاد المسلمين تحت راية واحدة وحكم واحد في مواجهة أعداء الأمة وأطماع الغرب في بلاد العرب خاصة، كانت احتلالا، وأن هذا الاحتلال نجم عنه تخلف العالم العربي وتراجعه، بما في ذلك فلسطين!!
في العام 1458 توجه بطريرك الروم في القدس مع وفد من الرهبان إلى اسطنبول للتهنئة بفتحها، والتقوا السلطان محمد الفاتح، ثم طلبوا منه السماح لهم باستخدام معابدهم وكنائسهم، كما طلبوا إعفاءهم من الضرائب، استنادا إلى عهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى العهدة العمرية الشهيرة، ثم عهود السلاطين العثمانيين، فما كان من السلطان الفاتح إلا أن كتب لهم عهدا يجدد فيه تلك العهود، قال فيه: استنادا إلى العهود التي تفضل بها حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وسيدنا عمر رضي الله عنه، ثم جلالة السلاطين السابقين، فإنهم (أي النصارى) يتمتعون بنفس الحرية في أمور عبادتهم ودور العبادة الخاصة بهم، وسيُعفوْن من الضرائب، وهم آمنون على أرواحهم وأموالهم. ثم أكد السلطان سليم الأول على هذا العهد عام 1517، بعد فتحه القدس، ودخولها تحت الحكم العثماني، ختمه بقوله: “اللهم أنزل غضبك على كل من يخلّ بهذا الأمر، وبناء على ذلك أترك الأمر الهمايوني في أيدي السابق ذكرهم (البطريرك والرهبان) ليستند إليه كل واحد منهم”. فكان هذا نموذجا رائعا للتسامح والتعايش مع أهل الأديان من غير المسلمين في فلسطين”.
ويؤكد المؤرخ والباحث اليهودي أمنون كوهين (القرن الـ 17) معاني التسامح التي حظي بها غير المسلمين تحت الحكم العثماني في قوله: “لقد توحدت الجماعات اليهودية والمسيحية في القدس في ظل نظام اقتصادي كما هو الحال في المقاطعات الأخرى في الدولة العثمانية. ولم تختلف معاملة الدولة العثمانية لهذه الأقليات كثيرا عن سلوكها مع السكان المسلمين. ومن مؤشرات ذلك رغبة المسيحيين واليهود في المثول بين يدي قاضي المحكمة الشرعية، التي أسست حديثا، ثقة منهم بها، على الرغم من أنهم لم يكونوا مضطرين لذلك”. بل إن “الاحتلال العثماني”!! حظر على أي جهة من غير أهل الذمة إقامة مبان قريبا من أماكنهم التاريخية المقدسة عندهم، وضرب عليها الحماية، كما أرسى حقوقهم الاجتماعية والثقافية. ولعلك تجد ذلك على سبيل المثال ما جاء في الأمر الصادر إلى والي بيروت سنة 1898 ميلادية، والذي جاء فيه ضرورة الاهتمام بالأماكن المقدسة عند هؤلاء مثل المعابد والقلاع القديمة، وبوجوب منع التحايل والخداع الذي تمارسه أطراف أجنبية (من دول أوروبا الصليبية) للعبث في هذه الأماكن بهدف الحصول على موطئ قدم في أرض المسلمين من خلال زعم ترميم تلك الأماكن، كما منع الأمر السلطاني التصريح ببناء مبان أخرى حول تلك الأماكن تنفيذا لأمر (قانون) الحفاظ على الآثار القديمة. وما تعكّر صفو هذا التسامح وتلاك الأجواء إلا في أواخر العهد العثماني عندما بدأت دول الاستعمار الغربية تحيك المؤامرات على الدولة العثمانية، وتتدخل في شؤونها الداخلية، تارة عن تحت ذريعة حماية الأماكن المقدسة للمسيحيين، وتارة بواسطة عملائها من العرب والأتراك الذي خانوا دينهم ودولتهم مقابل وعود وهمية قدمتها لهم بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وغيرها من تلك الدول التي ما تزال إلى هذه اللحظة تحتل بلاد المسلمين، وإن زعم من زعم من العرب، أن دويلات سايكس- بيكو قد حصلت على استقلالها، وأصبحت شعوبها حرّة.. تلك “الحرية” التي تتجرع شعوبنا العربية تحديدا لذائذ مرارتها ليل نهار!!
وإنه من الجدير بهؤلاء الذين يسوّقون تلك الروايات الممجوجة التي لفظها التاريخ وفضحها المنصفون من المؤرخين والباحثين، أن ينظروا حولهم ليروا من هو الذي احتل بلادنا؟ ومن هو الذي ارتكب المجازر بحقنا على مر التاريخ؟ هل هم العثمانيون أم الرومان الذين أسالوا الدماء أنهارا في أرض العرب عامة وفي فلسطين على وجه الخصوص؟ هل هم العثمانيون أم الصليبيون الذين عاثوا في أرض العرب عامة وفلسطين والشام خاصة الفساد، وارتكبوا المجازر، واستعبدوا أهل البلاد وأذلوهم؟ هل هم العثمانيون أم بريطانيا وفرنسا اللتان ما تركتا بقعة في بلاد العرب إلا وأراقتا فيها دماء الأبرياء، وهتكتا فيها الأعراض، واعتديتا على الحرمات وعلى المقدسات؟ هل هم العثمانيون أم روسيا التي ولغت في دمائنا وما تزال حتى هذه اللحظة؟ هل هم العثمانيون أم أميركا التي ما تركت سلاحا تقليديا ولا سلاحا غير تقليدي إلا وجربته على أطفالنا ونسائنا وشيوخنا؟ هل هم العثمانيون أم الحركة الصهيونية التي طردتنا من أرضنا وهدمت قرانا، وارتكبت ضدنا أفظع المجازر وما تزال، بمدد من قوى الاستخراب الغربية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وروسيا، ثم أمريكا؟ هل هم العثمانيون أم أحجار الشطرنج التي فرضتها قوى الاستخراب الغربية على الشعوب العربية في جزيرة العرب وفي مصر وسائر شمال أفريقيا والعراق وأرض الشام وغيرها؟ أنظمة العار تلك التي ما هي إلا عبيد برتبة ملك أو رئيس أو أمير، مهمتهم قمع الناس وكبت الحريات وتسليم رقاب الشعوب وخيرات بلادهم لأسيادهم في دول الاستخراب الغربية والشرقية! لينظروا حولهم وسيجدون أن أضاليلهم وأكاذيبهم وخداعهم وكل محاولاتهم لتشويه التاريخ وتزوير الحقائق لا يمكن أن تنطلي على هذه الأمة الحية، التي ترفض الخضوع إلا لربها. (يتبع).