عبد الناصر كما لا تعرفونه (5)

عبد الناصر كما لا تعرفونه (5)

أحمد هاني كيوان
(في ذكرى وفاة الزعيم)
في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول سنة 1970 مات عبد النّاصر عن عمر ناهز الثانية والخمسين سنة، وما زال أهل الطّرق الناصريّة يبكون زعيمهم الذي لم “تُنجب” الأمّة زعيمًا مثله.
ومن أجل إحقاق الحقيقة، نؤكّد لكم ولهم، أنّهم صادقون فيما يزعمون ويعتقدون! فمثل هذا الرئيس لم تشهد البشريّة قائدًا هدّامًا للنّفس الإنسانيّة، سافحًا للدّماء، مضيّعًا البلاد والعباد.
والحقّ أنّي قد اخترتُ لفظة “سنة” بدلًا من لفظة “العام”؛ وذلك لما تحمله لفظة السّنة من إيحاءات سلبيّة تجسّد الضّيقَ والهمّ والغمَّ وعدم الانفراج، فكان هذا الزعيم مثالًا لكلّ ظاهرة هدّامة يمرّ بها مشرقنا العربي، وعالمنا الإسلاميّ.
(رومولوس الأمّة العربيّة)
كانت حرب اليمن الخاسرة، وكانت حرب يونيو 1967 الأكثر خسرانًا، وكان ما هو أبشع من مسرح “الرعب الأكبر” مائة ألف شهيد، ومائة ألف مليون جنيه أهدرت بلا قضيّة؛ وإنّما كان الدافع لها الثّأر الشخصيّ والشمشونيّة الجديدة التي رفعت شعارها التقليديّ: أنا ومن بعدي الطوفان…فكان الطّوفان معه وبعده أيضًا. ويسجّل أنيس منصور في كتابة “عبد الناصر المفترى عليه، والمفتري علينا” قائلًا: “ويوم أنْ أعلن الزّعيم، أن لا تفريطَ في حبّة رمل واحدة، أعطى كلّ حبّات الرّمال”. (ص153).
نحن لا نعرف، ولا نستطيع أن نستوعب كيف استطاع الذين كتبوا عن الهزيمة النّكراء المخزية في سنة 1967، والتي أطلقوا عليها تدليلًا وتحبّبًا وترويحًا للقلوب والنّفوس لقب: “النّكسة”، كيف استطاع هؤلاء أن يمسكوا أقلامهم، وأن يقيّدوا أعصابهم وهم يكتبون ويسجّلون عن أعمق مأساة في تاريخنا العربيّ والإسلاميّ؛ مأساة توقّف التاريخ عندها حائرًا مشدوهًا نازفًا باكيًا، ولا نستطيع أن نستوعب هاضمين، كيف أنّ عبد الناصر استطاع أن يخدع شعبًا ويضلّل أمّة، وكيف أنّنا لا نزال نهزّ آذاننا، ونفرك أعيننا لنسمع ونرى الموّال المهترئ الذي لا ينتهي: “كلّنا بنحبّك يا ناصر”، رغم المآسي والطّامات التي جلبها هذا الزعيم!!!
يرى أنيس منصور أنّ احتيال هؤلاء الدّجالين؛ أصحاب الطرق الناصريّة، وخيبة هذا الشعب هي التي أطالت عمر هذا الزّعيم؛ رغم أنّه قد تجاوز عمره الافتراضيّ في مايو 1967، يوم أعلن أنّه لن يحارب… لن يهاجم… لن يبدأ، ثمّ حشد مئات الألوف من الجنود بلا استعداد وبلا خطّة، وجعلهم عراة في الصحراء، وكأنّه “رومولوس” العظيم؛ آخر الأباطرة الرومان، عندما قرّر أن يصفّي الإمبراطوريّة، لأنّها كبرت وشاخت، فقبل أن تحاكمه وتحكم عليه؛ حاكمها وحكم عليها وأدانها، ونفّذ حكم الإعدام في صبيحة الخامس من يونيو 1967.
ويعلّق أنيس منصور-وهو ليس إخوانيًّا-على هزيمة الخامس من يونيو قائلًا: ” إنّ العسكريّين والمدنيّين لا يجمعون؛ فقد كنّا جميعًا ضحايا التخدير والبنج اليوميّ، والكذبة الإعلاميّة من طّبّالين والزّمّارين والدّجّالين، ولذلك جاء الموت والدّمار والخراب كأنّها أعزّ أماني الشّعب-حرام!” ويتابع مستطردًا باكيًا: “ولم يحدث في تاريخ الحروب أنْ دخل جيش معركة مُهانًا مفضوحًا، كما حدث لجيشنا”. (ص154).
وكانت النّكتة المريرة في ذلك الوقت، أنّ المشير عبد الحكيم عامر، طلب من أسرته أن يعدّوا حقائبهم فورًا للاصطياف في تل أبيب، ولكنّه عاد بعد ساعات وجيزة من عمر هذه الحرب الكارثيّة، مُخبرًا إيّاهم بأن لا داعي لذلك؛ فالنّاس الذين كنّا سنذهب إليهم، قرّروا أن يأتوا إلينا…
(أزمة النّاصريّين النّفسيّة والإمام الغائب)
يسجّل أنيس منصور في كتابه مفارقة عجيبة، وملاحظة فريدة قائلًا: “ولمــّا خرج عدد كبير من الشيوعيّين من السجون، لم يشكروا السّادات الذي أفرج عنهم؛ وإنّما شكروا عبد الناصر الذي أدخلهم السّجون، لأنّهم عندما دخلوا السّجون في زمن عبد النّاصر، كانت القوّت السوفياتيّة في مصر، فالذي أدخلهم السجون، ولم يطرد الروس، يستحقّ الشكر والامتنان العظيم؛ بينما الذي أمر بالإفراج عنهم لا يستحقّ الشكر والامتنان، لأنّه أخرج الرّوس”.
إنّها عقدة وأزمة نفسيّة تلازم الناصريّين أنّى ذهبوا وأقاموا. فعندما “انتصر” السّادات في حرب 1973 قالوا: لقد كانت الخطّة من وضع عبد النّاصر، كما أنّ السّلاح كان سوفياتيًّا. وعندما انهزم الزعيم في حرب 1967، قالوا: إنّ التدريبَ كان سيّئًا، والأسلحة كانت أمريكيّة؟!!!، مع أنّ الأسلحة السوفياتيّة في حرب 1973 كانت قديمة جدًّا، والتدريب كان متفوّقًا؛ وبهذا يصبح الزّعيم الملهمُ مُنتصرًا غائبًا، ومنهزمًا حاضرًا.
وعليه؛ فإنّ النّاصريّين يرون أنّهم الشيعة الجدد، وأنّ عبد الناصر هو الإمام الثاني عشر الغائب، والذي يستتر في سامرّاء المصريّة العربيّة؛ ولذلك فهم يعتقدون أنّهم أولى بخلافة المصريّين بعد غياب إمامهم الـــمُــلهَم، وهم اليوم تراهم تارّة تحت عباءة الشيوعيّة والقوميّة العربيّة، وغدًا تحت العباءة الشيعيّة، وبعد غد تحت العباءة النّاصريّة التي تتربّص بمصر والأمّة العربيّة، لتدفعها إلى “نكسة” عسكريّة وسياسيّة واقتصاديّة جديدة نهائيّة؛ وبذلك يتحقّق أعز آمال إسرائيل في الامتداد إلى النّيل، ثمّ ترتدّ إلى الفرات.
هذا؛ وقد حقّقت هزيمة الخامس من يونيو نصف هذا الأمل لإسرائيل، فلم يتبقّ إلّا نكسةٌ واحدةٌ في مصر وَوَكْـسَـةٌ أخرى في سوريّا، وبعدهما يتوجّب علينا إقامة تمثالين عظيمين لعبد النّاصر، وآل الأسد أمام مقرّ رؤساء إسرائيل.
(هوامش على دفاتر الهزيمة)
تركت فاجعة وصاعقة حزيران 1967، جرحًا عميقًا لا يبرأ ولا يندمل في شرايين أمّتنا ومشرقنا العربيّ؛ كيف لا؟! والجيوش العربيّة أبيدت في ساعات قليلة من بدء هذه الحرب الضروس، التي ضيّعت الجولان وفرّطت في سيناء، وسلّمت ما تبقّى من أرض فلسطين؛ الضّفّة الغربيّة وشرقيّ القدس.
فجادت قرائح الشّعر والشّعراء واصفة وضع الأمّة، راسمةً زعماءها الذين جنوا عليها.
يسجّل نزار قبّاني في هوامش على دفاتر هزيمة حزيران 1967، فيقول:
أنعى لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة
والكتبَ القديمة
أنعى لكم..
كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..
ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة
أنعى لكم.. أنعى لكم
نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

مالحةٌ في فمِنا القصائد
مالحةٌ ضفائرُ النساء
والليلُ، والأستارُ، والمقاعد
مالحةٌ أمامنا الأشياء

يا وطني الحزين
حوّلتَني بلحظةٍ
من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين
لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا
لا بدَّ أن نخجلَ من أشعارنا

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ
لأننا ندخُلها..
بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ
بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ
لأننا ندخلها..
بمنطقِ الطبلةِ والربابهْ
(هل عاد ذو الوجه الكئيب؟!)
يسجّل أنيس منصور ملاحظة في كتابه: “هذه القصيدة كتبها صديقي الشاعر صلاح عبد الصبور، وقال لي وللآخرين أيضًا: إنّها عن الرئيس جمال عبد النّاصر”. (ص340-342).
هل عاد ذو الوجه الكئيب؟
ذو النظرة البكماء والأنفِ المقوّس والندوب
هل عاد ذو الظفر الخضيب
ذو المشيةِ التياهةِ الخيلاء تنقُرُ في الدروب
لحناً من الإذلالِ والكذِبِ المرقّشِ والنعيب
ومدينتي معقودةُ الزّنارِ
عمياءَ ترقص في الظلام
ويصفر الدجالُ والقواد والقرّاد والحاوي الطروب
في عرس ذي الوجه الكئيب
***
من أين جاء؟
ويقول سادتُنا الأماجد حين يزوون الجبين
شأنَ الثِّقاةِ العارفين
من السماء
من أين جاء؟
ويظلّ أهلُ الفضل فينا حائرين
ويتمتمون على مسابحهم وهم يتلاغطون
هذا ابتلاء الله! هذا من تدابير القضاء
***
من أين جاء؟
ويقول أصحابي وهم كالزّعزع النكباءِ قوة
العزمُ يلمع في عيونهم وتجري في عروقهمُ الفتوّة
من الجحيم
وكيف جاء؟
هذا أبو الهول المخيف
نصب السرادق عند باب مدينتي للقادمين
والعائدين
والهاربين إلى الفضاء
والوالجين إلى البناء
لا، لم يدَعْ أحداً
إلاّ وألقى دونه هذا السؤال
من خالق الدنيا؟
الملتحون تهلّلوا، وأجاب رائدُهم بصوتٍ مستفيض
الله خالقُها.. وهذا لا يصحّ به سؤال
وعوى أبو الهول المخيف، وقلَب الوجهَ الكئيب إلى اليسار
ورمى بجمع الملتحين إلى الدمار
والأمْرَدُونَ تأمّلوا، وأجاب رائدُهم بصوتٍ مستفيض
لا نستطيع، بل نحن نعرف، إنه قِدَمُ الطبيعة
وعوى أبو الهول المخيفُ، وقلب الوجهَ الكئيبَ إلى اليسار
ورمى بجمعِ الأمردين إلى الدمار
***
وتقدّم الدجالُ والقوادُ والقرّادُ والحاوي الطروب
وتضعضعوا، قالوا معاذك، أنت خالقها، أجل
أنت الزمان
أنت المكان
أنت الذي كان
أنت الذي سيكون في آتي الأوان
وعوى أبو الهول المخيفُ وقلب الوجهَ الكئيبَ إلى اليمين
وأشار، ثمّ تواثبوا فوق الأرائكِ جالسين
***
سيظلّ ذو الوجهِ الكئيبِ وأنفُه ونيوبُه
وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب
إلا إذا
إلاّ إذا مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفنٍ على وجهِ السماء
في ذلك اليوم الحبيب
ومدينتي معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء
في موت ذي الوجه الكئيب

تمَّ بحمد الله