ملاحظات رمضانية

ملاحظات رمضانية

الدكتور مهدي ممدوح زحالقة

توافد المصلّين في المساجد وتدافع المُشترين في الأسواق

شهرُ رمضان هو شهر صيام وقيام لا شهر أكل وطعام. استهلك حاجتك دون إسراف ولا تبذير ولا مبالغة.
يستوقفُني ذاك المنظر مع بدايةِ كل عام، كأنّ مَجاعة قد ضربت بُلدانَنا، أو أنّ حربا ضروسا قادمةٌ علينا، وأنّنا لا بد من تخزين كميات الأكل هذه بحيث لو قامت الحرب العالمية الثالثة، ضَمِن كلُّ مسلم أن عنده من المخزون ما يمكنه أن يطمئن معدته لعدة أعوام. منظر يجعلكَ تشعر بالأسى والحسرة حين تقارن حال أسلافنا من الصحابة والسلف الصالح وبين الخلف الذين حوّلوا الطعام إلى هدف وغاية!
فما أجمل توافد المصلين إلى المساجد في رمضان، حين تتزين المساجد وقِبابها بحضورهم البهيج، وقيامهم الطويل فترتوي لظمأٍ أصابها باقي العام.
أيها الأحبة، إن المسجد ليحزن لفراقكم بعد انتهاء شهر رمضان. لا تحرموا أنفسكم الأجر، فالفرض في جماعة وفي المسجد خير لك من الدنيا وما فيها. ولقد جاء في الحديث الشريف “من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق”. فسارعوا لتطبيق هذه السُّنة على أنفسكم وفوزوا بالجنان وبالبراءة من النيران.


“نحن لا نجتمع الاّ في رمضان…خذ لك هذه الفكرة”

طرقَ مسمعي صدفة أن “العائلة لا تجتمع على مائدة الطعام إلا في رمضان”!!، وهذه الخصلة من فضائل وبركات هذا الشهر العظيم، حيث تجتمع القلوب والأجساد وتتآلف الأسرة وتتقوى أواصر العلاقات والمحبة بين الآباء والأبناء والأزواج والأخوة والأخوات.
هل تعلم أخي الكريم أن أي خلاف أسري بين أي طرف من أطراف العائلة حله بسيط؟ وهو بين يديك؟ فإنما هو وجود علاقة اتصال وتواصل سليم بينكم جميعا.
عندما تتحدّثون وفق منظومة معايير وضعتها الأسرة فحتما ستُحل أغلب مشاكلها. ما عليكم سوى أن تفتحوا هذا المنبر الأسري العظيم وتجتمعوا حوله وتلتقوا لقاء حوار ودي لا لقاء أجساد.

أيتها الأم الفاضلة وأيها الأب الكريم
اجمعوا أفراد العائلة، بعد رمضان لا كل يوم بل كل أسبوع مرة على وجبة عشاء او أكلة خفيفة، واطرحوا أفكاركم وألقوا بهمومكم على سفرة المودة والمحبة، تناقشوا في فحوى كتاب أو صفحة أو آية من القرآن، أو حديث نبوي شريف، جرب وحتما أنت الرابح، سترى كيف أزهرت وأثمرت حواراتكم المفتوحة أبناء وبنات وزوجات ناجحون مخلصون يواجهون الحياة بثقة ونجاح.


سيلفي والسفرة خلفي!!

هناك من ينسى سنّة الدعاء وقت الإفطار، لكنه لا ينسى “فرض” تصوير السفرة قبل الطعام!
فكأن صيامه لن يُقبل الا إذا صور سفرة الطعام. أحبتي هل تفكرتم قليلا بأصحاب الجيوب الفارغة! أو أصحاب النفوس الحاسدة؟!
تمتع بطعامك واحمد الله على نعمه عليك واطلب أن يديمها عليك فلا فضل إلا لله عليك.

محطات…ومحطات
انتبه، لما سأقول الآن، ثلاثون يوما هو شهر الصيام، وثلاثون جزءا هو القرآن، وثلاثون حلقة هي المسلسلات!
فماذا سيستوقفك؟ هل ستستوقفك آية تجلت معانيها وخشعت لها نفسك وتضاعفت بها حسناتك؟! أم ستستوقفك فرحة فقير بصدقة تصدقت بها عليه؟ أم سيستوقفك مسلسل هابط يمحق حسناتك ويضاعف بها لك السيئات؟ والعياذ بالله.
ليس صدفة أن تكثر البرامج التي صُنعت خصيصا لتحبسك عن أورادك فتخرج من رمضان بلا زاد! انتبه لمن يريد لك الرقي ويبعد عنك السوء والهلاك، ومن يتربص بك ليبعدك عن الإيمان والراحة واليقين.

فكرة…وجربها – كيف تطمح أن تُخرق لك العوائد وانت لم تخرق من نفسك العوائد
ننتظر فرصا في حياتنا أو مواقف تبعث فينا الرغبة والقوة للتغيير. ومن منا لا يرغب قليلا أو كثيرا أن يغير شيئا او اشياء في نفسه؟!
حدد لنفسك عادة أو اثنتين أو صفة أو أي عمل تريد أن تتخلص منه، وضع هدفك وبداية التغيير في شهر رمضان…واثبت عليها بعد رمضان. ستجد نفسك بعد سنوات قد غيرت من نفسك الكثير ورسمتها كما تُحب وتريد.
فرمضان فرصة للتغيير الحقيقي لا الوهمي القائم على التمني، تقدّمْ نحو الأمام خطوة وسترتقي. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ما عليك الا أن تنوي صادقا وسيعينك الله القائل فإذا عزمت فتوكل على الله.

هل انت مستعد أن يفطر ابناؤك على كأس من الخمر؟

تخيّل معي لو أن أحد الصائمين دعا ابناءه وقت الإفطار لشرب كأس خمر! فماذا ستقول؟!
بالتأكيد ستقول إنه مجنون! وعمله مستهجن وفيه كبيرة من الكبائر.
تمهل أيها المقترض قرضا ربويا، كيف تدعو أهلك لتناول افطارهم بمال حرام؟! أليست الربا من الكبائر وأشد من الخمر؟! لحم نبت من حرام فالنار أولى به.
انتبه لما يدخل جوفك وجوفهم فاجعله حلالا طيبا يبارك لك الله به، فتهنأ به أنت وأهلك وتطيب حياتك وتسعد بها ولو كان قليلا.

الزوجة الصائمة
في كل يوم وفي الولائم خاصة لا تنس أن هناك زوجة وأم، تعبت كل النهار وهي صائمة وتحضر الطعام وأنت نائم. والأدهى والأمرّ، أنه بعدما أكل الجميع، كلهم ينفض من مائدة الطعام، وهي التي تبقى في المطبخ، لتزيل آثار العدوان حتى ساعات طويلة بعد العشاء والتراويح. هل هذا من المنطق في شيء؟ أنا لا أحرّم هذه الولائم والعزائم، لكن لا بد من الاعتدال والوسطية وعدم المبالغة وعدم الاسراف، وارحموا الزوجات والأمهات!
وأنتِ أيضا
أنصحك لأنك مسؤولة أمام الله، انتبهي لصحتك ووقتك وقدّري حاجة أسرتك ولا تبالغي في بذل طاقاتك ومواهبك في صناعة أفخر وأشهى أنواع الطعام والذي يكفي عددا مضاعفا وقد يكون مصيره سلة المهملات.
فالناس قديما حينما عاشوا حرمانا وقلّة في كثير من الأمور، عرفوا واستطاعوا أن يقدّروا النعمة، وكان الطعام الذي من المفروض أن يكفي أربعة، يكون فعلا لأربعة ويزيد قليلا عن ذلك، وما يتبقى لا يُلقى الى سلة المهملات أبدا. أما اليوم، فالناس يحضّرون لأربعة أشخاص طعاما يكفي لعشرين، وليست المشكلة هنا فحسب، إنما المشكلة أن كل ما سيتبقّى من طعام، سيكون مآلُه الى سلة المهملات. هكذا تزول النعمة، لأننا ما حافظنا عليها ولأن هذا من أعمال الشياطين (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)؟
نحن بالغنا في كل شيء…إلا العبادة
يا إخوة يا كرام، بالغنا في ولائمنا، في أعراسنا، في مناسباتنا، في رمضاناتنا، في طعامنا، في لباسنا، وفي مشترياتنا.
أما العبادة فنثقل منها بحجة الصيام، اجعل لنفسك أورادا متنوعة حتى لا تسأم أو تمل، الأذكار والصدقات والصلوات والصدقات وصلة الأرحام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر واستكثر منها في رمضان قدر ما تستطيع، ولا تنسى الإكثار ثم الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
احرص كل الحرص ألا يزيد وزنك في رمضان وألا يكون رمضان شهر أكل وطعام، وحتما ستعاني بعضا من مشاكل التنفّس وبعض الترهلات!
بل اسعى أن يزيد وزنك الروحي إلى أقصاه ولا تنقص منه شيئا، واستكثر ولا تبخل لنفسك ولأهلك وللمسلمين كافة بالخير والسلام.

طبياً أنصحك…
حينما تريد إيقاظ معدتك النائمة أكثر من خمسة عشر ساعة في نهار رمضان، أيقظها برفق! فخذ شيئا من تمر عند أذان المغرب، وقليلا من الماء، ونصيحتي لك بل هو أفضل ما يمكنك فعله، أن تتواجد في المسجد لصلاة المغرب، تفطر على قليل من التمر أو اللبن والماء، ثم تصلي المغرب جماعة، ثم تعود الى بيتك لتأكل. هنا على الأقل، تكون قد هيّأْتَ معدتك وأيقظتها تدريجيا وبرفق، فيكون ذلك أهون عليها وعلى نشاطك بكثير.
إنو إن شاء الله تطبيق حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك. والسؤال: كيف تعرف متى وصلتَ الى الثلث؟ عليك أن تقوم من الطعام ولا زالت لديك رغبة فيه! توقّف وبك خصاصة، توقّف وأنت تستطيع أن تكمل الطعام.

اقتصاديا أنصحك
اكتب حاجاتك على ورقة ولا تتجول بمتعة في المكان لأن فيك رغبة في فتح فرع له في بيتك!
قم بشراء حاجاتك من الأطعمة من السوق بعد الإفطار، لأن الصائم قبل الإفطار إن دخل الى دكان، سيتخيّل أنه سيأكل كل ما في الدكان، وحتما سيكون هناك اسراف ومبالغة. لا تحرم نفسك من الأكل والشرب، ولا نحرم عليك ما أحلّه الله لك، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولكن، بدون إسراف ولا تبذير. وفي ذلك يكفيك حديث خير الخلق والمرسلين، سيد الخلق أجمعين، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: كُلْ واشربْ، والبسْ وتصدّقْ، من غير سرفٍ وَلَا مخيلة. لا بد من التوسط والاعتدال في كل أمور أمورنا. كل شيء بقدر. واحذر من التبذير والاسراف. الذي هو هذا من مصائب هذا العصر.

استفيقوا وافيقوا النور الذي في داخلكم
ما زال في العمر والشهر بقية، كيف لا، والعشر الأواخر قد هلّت وأقبلت، وفيها ليلة القدر. نسأله جلّ في علاه أن يبلغنا وإياكم العشر الأواخر وليلة القدر إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.