إحذروا من سياسة بلا أخلاق

إحذروا من سياسة بلا أخلاق

د. أنس سليمان أحمد

صدق من قال: “لا يستطيع الوصول من ضيّع الأصول”، وهذا يعني أنه لا يستطيع أن يتقلد منزلة الفقيه المسلم من لم يستطع أن يتفقه في الإسلام، ولا يستطيع أن يتقلد منزلة الاقتصادي المسلم من لم يُحسن الإحاطة بأصول الاقتصاد في الإسلام، ولا يستطيع أن يتقلد السياسي المسلم من لم يتبحر بدراسة أصول الحكم والسياسة الشرعية في الإسلام، فليس كل فقه يعني فقه الإسلام، ولا كل اقتصاد يعني الاقتصاد الإسلامي، ولا كل سياسة تعني السياسة الإسلامية، وكما أنه لا يجوز لمن لم يحط بأحكام الصلاة أن يفتي في مسائل الصلاة، ولا لمن لم يحط بأحكام الصيام أن يفتي في مسائل الصيام، ولا لمن لم يحط بأحكام الزكاة أن يفتي في مسائل الزكاة، كذلك لا يجوز لمن لم يحط بأصول الحكم والسياسة الشرعية ومقاصد الشريعة أن يخوض في مسائل السياسة من منظور إسلامي، لأن إصدار أية فتوى في مسائل الصلاة والصيام والزكاة لا يجوز أن يقوم على المزاج والرأي الخالص والاجتهاد الشكلي، وكذلك إصدار أية فتوى في مسائل السياسة من منظور إسلامي لا يجوز أن يقوم على المزاج والرأي الخالص والاجتهاد الشكلي، وهذا يعني أنه لا بد من فقه إسلامي أولاً يملأ عقل وقلب من يتصدّر للفتوى في الإسلام، سواء كانت هذه الفتوى في مسائل العبادات أو في مسائل الاقتصاد أو في مسائل السياسة، ولذلك لا بد لكل واحد منا أن يدرك سلفاً أن من السهل على الأنسان أن يخوض في عالم السياسة بمفهومها العام الشكلي، ولكن حتى يخوض في عالم السياسة بمفهوم إسلامي فلا بد له أن يتفقه في أحكام الفقه السياسي في الإسلام، وإلا إذا افتقد ذلك، فسيبقى سياسياً عادياً كأي سياسي في الأرض، وعندها لا يجوز له أن يدّعي أنه يُمثّل الإسلام في مواقفه السياسية!! وهذا يلزم كل سياسي مسلم أن يدرك ويتحلى بما يلي:
1) السياسة الإسلامية سياسة مبادئ وقيّم، تلتزم بها، ولا تتخلى عنها، ولو في أحلك الظروف وأحرج الساعات، سواء في العلاقة الداخلية بين أبناء المشروع الإسلامي، أو في العلاقة الخارجية بغيره من أشخاص وهيئات وحركات وأحزاب، ولا يجوز للسياسة الإسلامية أن تكون سياسة (ميكافيلية) تقوم على قاعدة: الغاية تبرر الوسيلة أياً كانت صفة هذه الوسيلة. لأن الخبيث من الوسائل كالخبيث من الغايات، كلاهما مرفوض، ولا بد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة!!
2) أداء الأمانات بمختلف أنواعها الماديّة والأدبيّة إلى مستحقيها والحكم بين الناس- كل الناس- بالعدل هو سمة أساس من سمات السياسة الإسلامية في مسيرة المشروع الإسلامي، وفي ذلك يقول تعالى: (“إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..”).
3) لا تجوز محاباة أحد الأقارب أو أحد أعضاء الحزب أو الحركة، فيتولى ما لا يستحق على حساب من يستحق!! وإلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل هذه المحاباة وفساد التولية الذي يصدر عنها إيذاناً باقتراب الساعة! فقد سأل رجل الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً عن الساعة وهو يخطب فقال: “إذا ضُيّعت الأمانة فأنتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها، قال: “إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”.
4) لا يجوز إسقاط عقوبة مستحقة عمن وقعت عليه لنسبه أو جاهه أو منصبه أو منزلته في مسيرة المشروع الإسلامي، وفي هذا جاء الحديث الشريف: “إنما أهلك من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإيّم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
5) يجب أن تقوم السياسة الإسلامية في داخل المشروع الإسلامي على أساس العدل والإنصاف والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات والعقوبات، وعلى الصدق مع أبناء المشروع الإسلامي ومصارحته بالحقيقة دون تضليل أو تدجيل أو كذب عليه .
6) يجب أن تقوم علاقة المشروع الإسلامي بغيره من أشخاص وهيئات وأحزاب وحركات على الوفاء بالعهود، وحفظ الالتزامات، واحترام الكلمة، والوفاء بالوعد، وفي ذلك يقول تعالى: “وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون”.
7) إذا كان البعض يعتقد أن السياسة لا أخلاق لها، فهذا أبعد ما يكون عن السياسة الشرعية، التي تقوم أول ما تقوم على العدل والوفاء والصدق والشرف ومكارم الأخلاق.
8) من أخذ بهذه الأصول في مسيرة المشروع الإسلامي وعمل بها فأرجو له النجاح والتوفيق وإلا من صادمها وتجاهلها سواء بجهل أو بقصد، فلا يسعني إلا أن أقول له: ما هكذا يا سعد تورد الأبل!! حنانيك!! أرجوك لا تؤذي المشروع الإسلامي.