ما هذا الفزع؟ ما هذه الفزعة؟!
حامد اغبارية
يبدو أن استطلاعات الرأي (التي لا يريدون إطلاع الجمهور عليها) اشتغلت شغلها، ما دفع رئيس تيار كبير أن يعلن الفزعة، معبرا عن فزع خفي من إمكانية نكوص غالبية أبناء شعبنا الأصيل عن التعاطي مع انتخابات الكنيست الصهيوني.
كنت أربأ بشخصية كالشيخ حماد أبو دعيبس أن يتصدى لمثل هذا الأسلوب في مخاطبة جمهور ذكي وواع ومسيّس كجمهور الأهل في الداخل الفلسطيني. ولكنه للأسف وقع في فخ الكنيست، وكان خيرا له لو ترك طرْق مثل هذه الموضوعات لغيره.
فقد أنشأ الشيخ مقالا متوترا جدا بعنوان “ما أسوأ التخاذل وسط العاصفة”، وهو عنوان يوحي بأننا في حرب دامية، لا بد من حث المجاهدين على الصمود والتقدم وعدم الإدبار، لأن النصر صبر ساعة!! لكنه في الحقيقة جاء مقالا حول انتخابات الكنيست الصهيوني.
وبداية أقول: لو لم يكن الوضع سيئا جدا بالنسبة لموقف الجمهور من التصويت، لما كان هذا المقال أساسا. وحقيقة الأمر أن الوضع بالنسبة للأحزاب العربية المشاركة في الانتخابات هو أكثر من سيء. وكلما اقترب موعد يوم الانتخابات شعرت بارتفاع درجة الحرارة عند تلك الأحزاب.
يقول الشيخ إن تخاذل الأهل في الداخل يوشك أن يعيد نتنياهو لسدة الحكم، ويمده بالأكسجين ويمنحه مع اليمين المتطرف فرصة لإتمام مشاريعه الجهنمية، وعلى رأسها صفقة القرن المشؤومة!
في الحقيقة أنا أكاد لا أصدق ما أقرأ! أإلى هذا الحد؟ إلى هذه الدرجة بلغ الأمر، حتى نوهم أنفسنا أن إسقاط نتنياهو هو الذي سيضع حدا لكل الأزمات في المنطقة، وفي مجتمعنا؟ أم أن الوصول إلى الكنيست هو الهدف، وليكن ما يكون بعد ذلك؟
وإني أتعجب كيف أن الشيخ حماد كان قبل سنوات قد قال ما معناه إذا كان الكنيست سيكون عقبة أمام وحدة شقي الحركة الإسلامية فإننا مستعدون للتنازل عن الكنيست. فما الذي حدث بعد ذلك؟ أصبح الكنيست هو الهدف، ولتحترق الأرض بعد ذلك بمن عليها! وقد احترقت أو كادت…
والسؤال: هل المشاريع التي يحذر منها الشيخ هي مشاريع خاصة بنتنياهو أم هي مشاريع خاصة بالمشروع الصهيوني؟ وهل إذا أسقط نتنياهو ستتوقف هذه المشاريع؟ هل ستتوقف اقتحامات الأقصى؟ هل سيتوقف التهويد؟ هل سيتوقف هدم البيوت؟ هل سيتوقف الاستيطان؟ هل سيفك الحصار عن غزة؟ هل ستتوقف الملاحقات السياسية والمحاكمات السياسية؟
هل نحن الذين سنسقط نتنياهو؟ وكيف سيحول تصويت 70% من الناخبين العرب دون تشكيل نتنياهو للحكومة القادمة؟ هل نفهم من هذا أن الأحزاب العربية ستشكل مع معسكر صهيوني مجرم آخر كتلة مانعة؟ ليس هناك غير هذا، وهذا ما يفهم من كلام الشيخ!! فإلى أين وصلنا؟!! وإذا لم يكن هناك منافس قوي لنتنياهو غير حزب الجنرالات الدمويين، أليس هؤلاء هم الذين ذبحوا أهلك في غزة؟ ألم يكن غانتس هو “مايسترو” سفك دماء أهلك في غزة في حرب 2014؟ ألم يكن يعلون “مايسترو” سفك دماء إخوانك وأهلك في جنين في عملية السور الواقي عام 2002؟ أليس يعلون نفسه هو الذي أصدر قرار حظر إخوانك بعد بضعة أشهر من انتخابات 2015، التي لأجلها تركتم الوحدة مع إخوانكم؟! أتريد أن تسقط نتنياهو لأجل هؤلاء يا شيخ؟ أمع الذين سيذبحوننا وهم يبتسمون في وجوهنا، ودون ضجيج كما يفعل نتنياهو؟!
ثم ألم يفز نتنياهو في الانتخابات السابقة بالذات بعدما استفز جمهور المصوتين اليمينيين بمقولة إن العرب يهرولون إلى الصناديق في الحافلات؟!
وأخبرنا- بالله عليك- يا شيخ؛ كيف سيكون دخولكم إلى الكنيست انتصارا للأقصى وباب الرحمة وغزة، وممثلوك في الكنيست تحديدا لم يجرؤ أحد منهم على تحدي قرار نتنياهو بمنع دخول أعضاء الكنيست إلى الأقصى عام 2017، عقب أحداث البوابات الإلكترونية؟ نرجوك أن تشرح لنا كيف، ففهمنا قاصر عن الوصول إلى هذا المستوى من الوعي السياسي!! كنت أتمنى لو أنك لم تُقحم قضايا شعبنا الفلسطيني وقضايا أمتنا الكبرى في مثل هذه اللعبة الملوثة التي تسمى انتخابات الكنيست! ولكن للأسف، فقد بدا الأمر وكأن كل شيء مباح من أجل الوصول إلى الكنيست.
ثم هل وصل الحد درجة أصبح الهدف الوحيد هو إسقاط نتنياهو وليكن خليفته من يكون؟! أمعقول أن يوصلكم الفزع إلى هذه الفزعة التي تصب في نهاية المطاف في صالح معسكر صهيوني قالها صراحة إنه لا يريدكم؟
ثم تقول يا شيخ إن الطاغية لا يولد من أول يوم، بل بعد طول مكث. معنى هذا أن غانتس وعصابته من الجنرالات ليسوا طغاة، ويحتاجون إلى طويل مكث كي يصبحوا طغاة؟ فكم يحتاجون من الوقت يا شيخ حتى يصبحوا طواغيت؟ أتريد أن تستبدل طاغوت نتنياهو بطاغوت غانتس وعصابته من الجنرالات؟
يا سبحان الله! أنت يا شيخ لم تكتب مقالا بهذه الحماسة والحرقة والحرارة واللهفة عندما أقدم الطاغية بوغي يعلون على جريمة حظر إخوانك عام 2015. فما كل هذه الحرقة على انتخابات في مؤسسة صهيونية هي جزء من المشروع الصهيوني الذي تعرف أنت جيدا ما هي أهدافه، وإلى ماذا يسعى، وماذا يريد؟
لسنا متخاذلين ولا متفلسفين، بل نحن أصحاب رأي وموقف ومشروع. نحن أصحاب مشروع يا شيخ.. مشروع تعرفونه جيدا. وإن اتهام المقاطعين والداعين إلى المقاطعة بهذه التهم هو عين الخذلان للمشاريع الأصيلة التي نريدها لشعبنا كي ينهض بنفسه بعيدا عن هذه اللعبة الملوَّثة والملوِّثة.
ما زالت أمامنا بضعة أيام قبل يوم الانتخابات، يمكنكم خلالها أن تشرحوا لنا بالتفصيل وبالدليل كيف يمكن لنتنياهو أن يرحل بقرار من الصوت العربي؟ أنا أعتبر هذه نكتة، وليأت من تشاؤون ويقنعني وليقنع الجمهور بعكس هذا!!
أتريدون الحق؟ المسألة وما فيها أن هناك من هو مستعد أن يفعل أي شيء من أجل الدخول إلى الكنيست، حتى لو كان هذا الشيء هو مقال من هذا النوع الصادم!
فعلا حْيانِه على كل صوت
جملة قالها صديقي حسن الغفاري جبارين، داعيا إلى التصويت في انتخابات الكنيست الصهيوني. وأنا أكررها وأقول: حقا… حْيانِه على كل صوت يوضع في صندوق انتخابات مؤسسة تشرعِن إلغاءنا وتسن القوانين العنصرية التي تستهدفنا ولا تستهدف أحدا غيرنا..
ونريد من أبي ذر أن يشرح لنا كيف أن عدم التصويت يضر بقضايانا الوطنية؟! وما هي قضايانا الوطنية؟ هل يتفضل ويشرح لنا هو أو غيره ما هي قضايانا الوطنية؟ وهل هي مرتبطة بحبل السرّة بالكنيست ولا يمكن أن نحقق منها شيئا إلا من خلال هذه المؤسسة الصهيونية التي حاربت ولا تزال تحارب قضايانا الوطنية وتريدنا مجرد حطابين وسقاة ماء؟!
ثم يتساءل أبو ذر: هل المقاطعة تضر أم تفيد مجتمعنا؟ فما هو المفيد لمجتمعنا وما هو المضرّ؟ ولنفترض أن المقاطعة مضرة بمجتمعنا، فماذا أفاد مجتمعنا وجودكم في الكنيست؟
وعلينا أن نسأل: ما الذي يريده مجتمعنا؟ لنحدد أولا ما هي الفائدة التي يريدها مجتمعنا ثم بعد ذلك نناقش كل المسائل. ومن الذي يقرر ما هو المفيد وما هو المضر لمجتمعنا؟ تعال نتفق أن الشعب هو الذي يقرر لنفسه ما يضره وما ينفعه. ثم تعال بكل جرأة وشفافية ووضوح وصراحة نسأل شعبنا ماذا يريد؟ وما هي طموحاته؟ وما هي أحلامه؟ ثم بعد ذلك: هل الوصول إلى الكنيست (حتى بتحقيق نكتة 25 عضو كنيست) يحقق لنا مصلحة وطنية؟! ما هي الوطنية إذاً؟ هل أصبح الكنيست الصهيوني طريقنا إلى تحقيق الوطنية الفلسطينية؟ إن المرء ليتعجب من الحال الذي وصلنا إليه!!
وهاكم وسمٌ جديد: #لا تصوّت_حيانِه_على _كل_صوت
افحص صوتك… فربما هناك من صوّت بدلا منك
أريد أن أنبه إلى مسألة خطيرة تتكرر مساء كل يوم انتخابات، وهي مسألة التزوير في ظلمة الليل.
وإنك تُصدم عندما تراجع عشرات التقارير والتحقيقات الصحافية حول تزوير الانتخابات في البلدات العربية، وتصدم أكثر عندما تجد أن “مراقب الدولة” كتب تقريرا خطيرا في هذا الموضوع، وأن الشرطة أعلنت أنها تحقق… ولكن شيئا لم يحدث، وكأن هناك من هو معني بهذه الأجواء..
أنصح أن يفحص كل مقاطع صوته، فربما أن هناك من صوت بدلا منه.
