أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

نحن والانتخابات (10).. الديموقـــراطية الكـــاذبة

صالح لطفي، باحث ومحلل سياسي
استفاق مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني هذا الاسبوع على أحداث كبيرة تنذر بمستقبل ومؤشر سيء في جدل العلاقة القائم مع الأغلبية الاسرائيلية اليمينية الفاشية. الحدث الاول، كان هدم ثلاثة بيوت في قرية خور صقر في وادي عارة يوم الاثنين الماضي والحدث الثاني التحريض الدموي على رئيس حزب التجمع يوم الثلاثاء الماضي، وكان الحدث الثالث هدم ستة بيوت لعائلة العتايقة في مدينة رهط، ورافق ذلك التحريض الأرعن لوزير الزراعة أوري أرئيل على أبناء عائلة العتايقة، في أعقاب بيان أصدره بعد عملية الهدم حيث اتهمهم فيه بتجاوز القانون وممارسة الإجرام، تأتي سياسات هدم البيوت التي ينتهجها نتنياهو ووزرائه في سياقات الكراهية العلنة والمبطنة من طرف هذه الحكومة اتجاهنا كأصحاب الارض واصحاب البلاد خاصة وان هذه الحكومة تغلف سياسات اتجاه داخلنا الفلسطيني مغلفا بشماعة تطبيق بنود “كيمنتس” في قانون البناء المخصص للعرب في الداخل الفلسطيني وهذه الإجراءات جزء من سياسة عامة تمضي المؤسسة الاسرائيلية في تنفيذها في الداخل الفلسطيني، والحدث الثاني كان نشر الدَعيّ من حزب الليكود آرون حزان فيديو على صفحته على اليوتيوب يقتل فيه رئيس حزب التجمع جمال زحالقة، تحت عنوان “الطيب، الشرير وزحالقة”، وهذا الدعي يذكرني بممثلة “البورنو” الايطالية التي ابتذلت جسدها كسلعة لانتخابها آنذاك. فهو فضلا عن تجاوزه كل المعايير الاخلاقية التي لا يملك حدها الادنى أساسا، يركن ظهره الى قوة قانونية ومؤسسية- شعبوية ستحميه من هذا الفعل الفاضح والمجرم، المحمل برسائل قتل لكل قيادات الداخل الفلسطيني، كما يكشف عن جوانب منحطة في هذه الانتخابات، وهي جدُّ كثيرة ُّ، وكيف تُستَغلُ أدوات التواصل الاجتماعي للتحريض الى حد القتل على اهلنا وشعبنا الفلسطيني دون حسيب ورقيب، بل وينظر اليها على أنها نوع من أنواع حرية التعبير عن الرأي، بل وذهبت هذه المؤسسة خطوة الى الامام في استباحة الدم الفلسطيني والقتل بدم بارد، من أجل بعض الكراسي مما يؤكد عمق الانحطاط الاخلاقي المتغلغل في أجهزة ومؤسسات الاحزاب المتنافسة (راجع تحريض موشيه يعلون يوم 15-3-2109 في القناة 13، وتحريض نفتالي بينيت على صفحته الخاصة في “تويتر” في نفس التاريخ المذكور، وتحريض ليبرمان على أهلنا في غزة في التاريخ المذكور على صفحته في تويتر).
كلا الحدثان لم يحظيا باهتمام في الاعلام الاسرائيلي لسبب بسيط انهما متعلقان بالفلسطينيين من جهة وأنهما يعبران عن العقلية الاسرائيلية الحاكمة وكيف تنظر الينا راهنا ووجودا، وعديد الاعلاميين الاسرائيليين يمثل وبقوة هذه العقلية اليمينية الفاشية المتعالية.
الجريمتان تمتا تحت سقف الديموقراطية الاسرائيلية الفاقدة للبعدين القيمي والاخلاقي، فالديموقراطية الاسرائيلية قائمة اساسا على عد الاصوات في الكنيست، وهي الطريقة التي يمرر فيها اليمين الشعبوي الديني والعلماني قوانينه في السنوات الأخيرة، للنيل منا كفلسطينيين والنيل من بعض المنجزات “الديموقراطية ” الخاصة في الاطارين القضائي والحقوقي، وكلنا شاهد على الحرب المعلنة على القضاء الاسرائيلي عموما والمحكمة العليا خصوصا، التي بالمناسبة عمودا من أعمدة تبرير جرائم الديموقراطية الاسرائيلية بحقنا كفلسطينيين، وقد كشفت عديد الدراسات دور العليا في تبرير سياسات الاضطهاد الاسرائيلية اتجاه الفلسطينيين.
ضحالة الديموقراطية الاسرائيلية
لتبيان ضحالة الديموقراطية الاسرائيلية وعنصريتها الجاثية في سلوكيات مروجيها، علينا ان نتنبه إلى سياسات المؤسسة الاحتلالية الاسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1967 حيث تتواجد سلطة فلسطينية، برسم قرارات دولية أفضت الى وجودها، ومن المفترض احترامها ولو من باب رفع العتب “الدولي”، بيدَّ أن سياسات هذه المؤسسة التي تُتَخذ في الحكومة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وتحظى بقبول كبير من ممثلي المجتمع الاسرائيلي في الكنيست، ومن معظم شرائع المجتمع الاسرائيلي، تكشف عمق وعقم هذه الديموقراطية المشرعنة لاحتلال شعب آخر، وتذكرنا بما فعلته الدول الغربية من سحق لشعوب المنطقة في العشريات الثلاثة الأخيرة خاصة في العراق. وفي السياق ذاته علينا أن نتنبه الى حجم القوانين التي سنّت في السنوات الاربع الاخيرة للنيل منّا نحن الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني.
الديموقراطية جزء أساس ولصيق بالحضارة الغربية ومسلمة من المسلمات التي يستند إليها الأنموذج الحداثي، وهذه الديموقراطية التي تغنى بها الغرب أمدا طويلا وحكم بها شعوبه من خلالها وشكل حكوماته التي قامت باستعمار أو/ أو الاستمرار في استعمار العالم الثالث ونهب ثرواته والاعتداء عليه وعلى مقدراته. وعمليا تكشف أذرع العلاقة “الفاسدة” بين هذه الديموقراطية وبين ممارسات تلكم الدول التي تعيق التحديث في العالم الثالث، دور هذه الديموقراطية في تبرير السيطرة على شعوب الارض وتوطين الاستبداد في تلكم الاصقاع، كما هو حاصل في عالمنا العربي لتحول دون انتقال شعوبه الى بر الامان.
في الحالة الاسرائيلية التي ترى بنفسها جزءا من الكل الحداثي الغربي، ونبتة من نبتاتها المبثوثة في أصقاع الارض خارج اوروبا بكونها- وفقا للمنظور الغربي الدارويني- النتشوي الاستعلائي- محور هذا الكون، فإنها تمارس الديموقراطية في مساقاتها الليبرالية محليا أي في السياقات الاسرائيلية ذاتها، فيما تحت ذات المظلة “أي الديموقراطية” تمارس الإحلال والاحتلال والقتل الفردي والجماعي ونهب الثروات والخيرات وتقدس القوة، وتقارب تحقيق الفصل العنصري مع مواطنيها العرب، حملة الهويات الزرقاء، بوصفهم مواطنين.
واضح أنَّ المؤسسة الاسرائيلية تعاملت معنا في سياقات الحقوق على أساس من الحقوق الفردية للعرب، فيما الحقوق جماعية للأغلبية الاسرائيلية، باعتبار أنها دولة اليهود، وكان القاضي شمغار قد صرح “إنَّ دولة إسرائيل هي دولة يهودية تعيش داخلها أقليات ومن بينها الأقلية العربية ويتمتع كل فرد من ابناء الاقليات المقيمة في اسرائيل بمساواة تامة في الحقوق (أنظر باروخ كيمرلينغ- المجتمع الاسرائيلي: مهاجرون، مستعدون، مواليد البلد/ ترجمة هاني العبد الله، المنظمة العربية لترجمة، ص722).
ويبدو لي أن شرط استمرار اسرائيل ككيان سياسي أضحى فيما يبدو، مرتبط بنهب ثروات الشعب الفلسطيني أي بلغة بسيطة باستمرار الاحتلال، وحتى يستمر في تحقيق فوقيته القسرية فهو يعمل على الشيء ونقيضه، يتحدث عن الديموقراطية وممارسة الاقلية العربية للديموقراطية، وفي الوقت ذاته يهدم بيوتهم ويصادر أرضهم تحت حجة القانون وتطبيقه والنظام العام وفرضه، بكونهما دلالة من دلالات هذه الديموقراطية، حيث يتم سن تلكم القوانين في الكنيست، وتقوم الحكومة المشكلة من الاحزاب الائتلافية بتنفيذها، فنكون نحن المتلهفون على الانتخابات ضحايا هذه الديموقراطية الخرقاء مرتين, مرة يوم تنفذ بحقنا سياسات التضييق والحصار واستمرار وجود اسرائيل على حسابنا، وثانية يوم نستغفل أنفسنا ونلعب بأدوات الجلاد ظانين أننا نحسن صنعا، وطبعا من أهم أدواته إن لم يكن الاهم، الديموقراطية المتجلية بالانتخابات للكنيست في الحالة الاسرائيلية. وبناء على ما ذكرت ومن باب المقاربات، مقاربة العام على الخاص، فكما أن تقدم الغرب الحداثي الليبرالي الديموقراطي هو في جوهره ثمرة نهب العالم الثالث، وتحطيمه وتدميره، كذلك تقدم اسرائيل وتعاظم قوتها، هو ثمرة اضطهاد الشعب الفلسطيني، واستغلاله ونهب ثرواته وخيراته ومن ضمن ذلك استمرار اضطهادنا نحن ابناء الداخل الفلسطيني.
نحن في منظور الديموقراطيات الليبرالية في العالم “الحر” نُعَرف على أننا أقلية عرقية بناء على قوميتنا المشتركة ولغتنا المشتركة، والتاريخ والحضارة المشترك فيما بيننا، ومن الطبيعي في مثل حالتنا أن نحافظ على هويتنا وشخصيتنا ونطالب بحقوقنا الجماعية والفردية، لكنَّ هذه الدولة ترفض التعامل معنا مطلقا كأقلية قومية وتتعامل معنا على أساس من الحقوق الفردية، كما بينت سابقا، فهي ترفض مطلقا تحقيق حق المصير لنا، وجاء قانون القومية وألغى العربية كلغة رسمية، وترفض هذه الدولة الديموقراطية أن نطور برامجنا التعليمية، وأن نشرف عليها بل لا زالت وصاية الشاباك قائمة وتتعزز باستمرار، كما انها صادرت أوقافنا ومقدساتنا وتمنعنا من إعادة إعمار مساجدنا المهدمة والمهجرة، وإقامة الشعائر فيها.
الرصد التحريضي والقانوني الذي يقوم بتحريره الزميل الاعلامي والباحث برهوم جرايسي في مركز مدار الفلسطيني، يكشف مدى غثائية الديموقراطية الاسرائيلية، وكم هي أفاكة كاذبة، فالراصد التحريضي لمنتصف شهر مارس/ اذار ( آذار/ مارس 2019) على سبيل المثال لا الحصر، يبين كم التحريض الهائل الممارس من قبل السياسيين الاسرائيليين الرسمين وغير الرسميين، ويفضح فاشية وشعبوية الطيف السياسي الاسرائيلي، الامر الذي يؤكد غياب المرجعية لهذه الديموقراطية، سواء كانت هذه المرجعية أخلاقية أو قيمية او حتى قانونية واضحة، ولعل إطلالة على القوانين التي سنت مؤخرا تزيد الامر وضوحا، فقانون سحب الاقامة الدائمة من أهالي القدس والجولان، وقانون سحب المواطنة من شخص دون مثوله في المحكمة، وقانون منع اهالي الضفة الغربية من رفع شكاوى الى العليا، وقانون منع أي نشاط في جهاز التعليم ضد الجيش، وقبل ذلك كله قانون كمينتس، وقانون القومية فضلا عن مئات المقترحات القانونية التي تستهدفنا بشرا وحضارة، تؤكد مجددا أنه لا مرجعية قيمية ولا اخلاقية لهذه للديموقراطية الاسرائيلية، والعجيب أنَّ من ذاق على جلده ويلات غياب المرجعية الاخلاقية والقيمية للديموقراطية واعتمادها مبدأ عد الاصوات، هم اليهود أنفسهم على يد النازيين، وما حلَّ بهم من كارثة يندى لها جبين الانسانية، بيدَّ أن المؤسسة الاسرائيلية ذاكرتها قصيرة، أو مشوهة أو مريضة، تعتمد القوة مرجعيتها في كل شيء، ومن اعتمد هذا المنطق عبر التاريخ مني بالهزيمة والخسران المبين، بل واختفى عن المشهد السياسي الكوني برمته. والأنكى من ذلك كله، من لا يزال مؤمنا أنه يمكن من خلال الكنيست والانتخابات أن يحقق الحقوق للفلسطينيين في الداخل الفلسطيني، فيما تصدعه الحقائق يوميا مما يدفع للسؤال عن سر هذا الإصرار على المشاركة في انتخابات الكنيست على قاعدة عنزة ولو طارت.

زر الذهاب إلى الأعلى