نحن والانتخابات (8).. كراهية العرب والاصرار على دخول الكنيست

نحن والانتخابات (8).. كراهية العرب والاصرار على دخول الكنيست

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي
كلما تقررت انتخابات الكنيست خرجت علينا مجموعات من الفئات الصهيونية تطالب الجهات القانونية المسؤولة عن الانتخابات بشطب بعض الشخصيات العربية او القوائم العربية وعادة ما كان التجمع الوجه الذي يلطمه هذا الصهيوني، ونحن العامة نظن أنَّ هذه العملية الصهيوينة “الذكية” لا يناسبها الا التصويت لهذه المجموعة او لغيرها ممن لا يرضى عنها “العم سام”، خاصة وأنَّ المحكمة العليا اتخذت فيما يبدو قرارا استراتيجيا بعدم شطب أي قائمة تتقدم لخوض انتخابات الكنيست، ونحن نشد على النواجذ حتى نؤكد للصهيوني أننا نراغمه بدخولنا الكنيست وكأننا نضع العصا في عينه، وفي الكنيست تتبارى الاحزاب الصهيونية العلمانية والدينية على حد سواء في ابراز مدى كراهيتها للعرب وللنواب العرب والأحزاب العربية في الكنيست، والعمل قدر المستطاع على إقصائها داخل وخارج الكنيست، وقد استحالت هذه الكراهية في السنوات الاخيرة الى اخلاقيات مبررة عند السياسيين من اليمين والمجتمع عموما، فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2017 أن اليهود الإسرائيليين قاموا بنشر 675.000رسالة عنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي في عام 2016، وكان من ضمن الناشرين رئيس الوزراء نتنياهو ووزير التربية والتعليم بينيت ووزير الامن الداخلي إردان.
هذه الاحزاب تعتبر إبراز كراهيتها للعرب المادة الاعلامية التي منها تستمد وجودها الشعبي، باعتبار ان المجتمع الاسرائيلي على اختلاف توجهاته السياسية الا قليل، كاره للعرب ويعتبرهم الخطر “بأل التعريف” الذي يتوجب الخلاص منه، فقد تربى هؤلاء على كراهية العرب سواء في البيت أو في المدرسة او في المؤسسات التوجيهية بل بنيت هويتهم أساسا على كراهية الاخر العربي الفلسطيني وتعزيز الفوقية “الصهي- يهودية” والتي وصلت ذروتها الراهنة في سن قانون القومية كتعبير وتجلي لإبراز الهوية اليهودية وتقديمها كهوية مقابلة للهوية الاسرائيلية الآخذة بالتراجع منذ اكثر من عقدين لصالح هوية يهودية متجددة تتجه نحو تأسيس وتقعيد معالم الدورة الثانية من الصراع داخل المكون اليهودي/ الاسرائيلي على هويته في هذه الدولة، ومن ثم على الدولة ذاتها في راهنها القائم، وفي هذا السياق نحن كفلسطينيين عموما من يدفع ثمن هذه التحولات.

“قوررة” الحزب السياسي
من الواضح أنَّ الاحزاب السياسية العربية التي ارتأت دخول الكنيست حَجَرَتْ عليها واسعا، وسجنت كل إمكاناتها في قارورة الحزب السياسي فحجرت على نفسها ما وسعه مجتمعها عليها فصارت رهينة البقاء في الكنيست يخاطبها العامة والخاصة على انها حجر من احجار الشطرنج في الكنيست، التي ينادي عديد الاحزاب المنتظمة تحتها بإخراجهم عن القانون تحت حجج مختلفة تكشف الابعاد العنصرية الثاوية في الهوية والنفسية الصهيونية المُحَزبة، وفي هذا السياق لا يدخر نتنياهو وفرقته المينية الشوفينية ومن معه من الاحزاب الصهيونية جهدا، بنبذ هذه الاحزاب وجعلها بيدقا يستعملونه وقت الحاجة لصالحهم، وفقا لما يريدون، وكيفما يريدون، ووقت ما يريدون فهل فقدت هذه الاحزاب نتيجة لممارساتها السياسية عموما ونتيجة لحالة الاحباط الذي يعيشه داخلنا الفلسطيني بسبب كثرة ما يعانيه من ضيق وعنت مقصودين مبرر “وجودها السياسي”، في ظل عدم تمكنها من تقديم طروحات خلاقة تفيد داخلنا الفلسطيني.
لقد استحالت هذه الاحزاب الى أرقام حسابية في السياسة الحزبية الإسرائيلية وسبل تشكيل حكومة لتنتهي وظيفتها الى هذا الحد من التعاطي البرلماني ولتتحول الثقافة السياسية لهذه الاحزاب الى ثقافة ذيلية تفيد استمرار الحزب كمؤسسة سياسية- توظيفية ووظيفية فانظر الى حجم الخطيئة التي وقعت بها هذه الاحزاب يوم استبدلت الذي هو خير “مجتمعها” بالذي هو أسوأ “الكنيست”.
من نافلة القول، الحديث عمّا دار ويدور في لجنة الانتخابات المركزية- حيث صادقت يوم الأربعاء المنصرم على شطب قائمة تحالف التجمع الوطني الديمقراطي والعربية الموحدة، بالإضافة إلى شطب ترشيح عوفر كسيف في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وأقرت في المقابل ترشح عضوي اتحاد أحزاب اليمين المتطرف ميخائيل بن آري، وإيتمار بن غفير، لانتخابات الكنيست المقبلة، على الرغم من مواقفهما العنصرية المفضوحة، التي دفعت المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى التوصية بشطب ترشيح الأول وهو ما يؤكد حالة الاستعصاء اليميني الفاشي المتغلغل في ركاب المؤسسة والمجتمع الاسرائيليين. وبدلا من أن يعلن العرب والاحزاب العربية التي تتعرض ليل نهار للتحريض عن مقاطعتهم الانتخابات، وكشف عوار وشعبوية هذه اللجنة وانحطاطها الاخلاقي-السياسي كمشتقة طبيعية لحالة التردي السياسي الاسرائيلي وانحطاط اليمين الاسرائيلي وفضح هذه الدولة وأحزابها دوليا وأمميا، ها هي تعلن توجهها الى العليا طمعا بمنع تنفيذ قرار هذه اللجنة الممثلة للحالة السياسية الاسرائيلية مصرة على انها جزء من النسيج السياسي الاسرائيلي وفي الحقيقة انها ليست كذلك ولن تكون حتى لو طبقت على ذاتها نظرية جحر الضب: (لتتبعن سنن من كان قبلكم باعا بباع وذراعا بذراع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه- متفق عليه) ، وذلك بدلا من ان تعود هذه الاحزاب الى جمهورها وحاضنتها الطبيعية أي الى الداخل الفلسطيني الذي هو ظهيرها المجتمعي والسياسي ومبرر وجودها الاخلاقي في سياقات ايمانها بالعمل السياسي عبر لافتة الكنيست، لقد تقوررت- من قارورة- الاحزاب السياسية وتصلبت شرايينها السياسية وباتت في ظل الراهن المهترئ تحتاج الى عملية قلب مفتوح لعلها تعود الى عافيتها، بدلا من إدمانها على “التقورر” الكنيستي الذي يحجمها فعلا ودورا وتنظيرا بل ويوقعها في تناقضات جد خطيرة بين نظرياتها المطروحة وكسوباتها السياسية الموجودة.
الاحزاب العربية والالتفات الى الواقع المحلي
المتوقع السياسي من احزاب تمثل اقلية صاحبة الارض والبلاد تعيش تحت منظومة استعمارية داخلية تتغول يوميا وتتفنن في اساليبها الاستعمارية أن تلتفت الى واقعنا المحلي نحو تحقيق كسوب سياسية مُؤَسَسة على خطة عمل ذات طابع مرحلي وآخر استراتيجي تصب في مصلحة الداخل الفلسطيني بناء على انها قوى سياسية حية تملك قدرا من التأثير يمكن ان يشكل أساسا حيا لتقدم مجتمعي مبني على أسس علمية مدروسة وممنهجة مرهونة بسقف زمني يأخذ بعين الاعتبار التحولات المجتمعية الجارية في الداخل الفلسطيني وتعقيدات حركة الحياة وتداخلاتها ومدافعاتها تماما كما يأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية الجارية في مجتمعنا خاصة بين اجيال الشباب وراهنه المرتبط بسياسات الاسرلة البطيئة التي تنفذ اجنداتها مجموعات باتت رهينة ومرتهنة للمستعمر الاسرائيلي بيدَّ أنَّ هذه الاحزاب ما زالت تتخبط بين “نضالها” السياسي داخل مربعات العمل السياسي الموصول بالكنيست وبين العمل السياسي الذاتي الساعي للحفاظ على وجودها الحزبي- السياسي في عصر باتت وضعية ترهل الاحزاب السياسية في النظم الديموقراطية المعاصرة محل ابحاث مخبرية-ميدانية.
لقد كان بإمكان كافة القوى السياسية الحية أن تخدم مجتمعها من خلال لجنة المتابعة وأن تصل الى افضل النتائج السياسية بدون الكنيست لو انها اشتغلت كقوة واحدة وموحدة تدفعها هموم مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، وكانت هذه القوى ستعمل بشكل أفضل لو انها آمنت بلجنة المتابعة ومنحتها قوة من لدنها ووافقت على تحويلها الى مؤسسة ناظمة للحياة السياسية والمجتمعية في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني بحيث تكون لجنة المتابعة الفضاء الواسع الجامع للكل الفلسطيني عبر تطبيق الممكن والمستطاع لصالح مجتمعنا من خلال استثمار كافة الوسائل المتاحة اعلاميا واكاديميا وبحثيا واقتصاديا ومجتمعيا، ولو اننا آمنا ان ما لا ليس بممكن اليوم سيكون ممكنا غدا لكان واقعنا السياسي مختلف ولما تجرأ هذا العنصري وذاك من قادة المؤسسة الصهيونية على النيل منا مجتمعا واحزابا.
لقد بات واضحا ان أزمات الاحزاب السياسية في داخلنا الفلسطيني انها تستثمر في الهياكل والبنى الحزبية لا في الانسان والمجتمع وهذا أحد أسباب الفصام النكد بينها وبين العامة…ومعلوم لكل ذي لب أنَّ العمل السياسي إن لم تلتزمه وصايات التربية السياسية وفكر سياسي وضَّاح، يصبح هذا العمل ضليعا في تخريج المتكلم، لكنه فاشل كل الفشل في تخريج المسيس العامل على خدمة المجتمع وتقدمه العمراني بمفهومه “الخلدوني”.