أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

جدلية الصدام بين الكنيست والحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا

عبد الإله معلواني

كان من أصول الرؤية السياسة للحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا هو الحذر كل الحذر من (لعبة الكنيست) لأن هذه الفتّانة التي تدعى الكنيست كانت ولا تزال إحدى إفرازات المشروع الصهيوني على حساب نكبة فلسطين، وكانت ولا تزال ذات مقاسات صهيونية شائكة تجعل من كينونتها أداة بناء لمسيرة المجتمع الإسرائيلي في كل مرافق حياته الفردية والأسرية والجماعية على الصعيد الداخلي والخارجي، وفي المقابل تجعل من كينونتها أداة هدم لمسيرة المجتمع الفلسطيني في الداخل الفلسطيني وأداة تدمير للقضية الفلسطينية، وأداة شرعنة لحصار قطاع غزة وابتلاع الضفة الغربية وتهويد القدس وفرض سيادة باطلة على المسجد الأقصى، وأداة إجهاز على حق العودة وملف اللاجئين أوفرصة قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة ولو على متر مربع من الأرض، وأداة إبقاء على الظلم التاريخي الذي شهد مصادرة الأرض والأوقاف وتدنيس المقدسات وهدم أكثر من خمسمائة مدينة و قرية فلسطينية وقتل بعض أهلها وتهجير من بقي منهم على قيد الحياة، وهي الكنيست التي كانت ولا تزال قائمة على قواعد لعبة خبيثة تسعى للإبقاء على أعضاء كنيست عرب فيها بهدف الحفاظ على تجميل وجهها القبيح الاحتلالي العنصري القمعي، وتفريغ جهود كل هؤلاء الأعضاء العرب في كل دورة كنيست بحيث أن جهودهم تبقى تساوي صفرا حتى لو بلغ عددهم عشرين أو ثلاثين عضوا من مجمل أعضاء الكنيست المائة وعشرين!! وهذا يعني أن دهاقنة الكنيست الذين قاموا على رسم قواعد اللعبة فيها هم من كانوا ولا يزالون يحرصون اليوم كما حرصوا بالأمس على الإبقاء على وجود أعضاء كنيست عرب في لعبة الكنيست أكثر من حرص كل القوائم العربية المختلفة على خوض انتخابات الكنيست والفوز في هذه الانتخابات، وإلا لو فرضنا جدلا أن الكنيست ظلت تقوم على أعضاء إسرائيليين دون وجود أي عضو كنيست عربي فيها لانكشفت عورة الكنيست ولبانت على حقيقتها وسقطت (طاقية الاخفاء) التي لا تزال تخفي حقيقة وجهها القبيح عن كل أهل الأرض، وفي المقابل لا تزال الكنيست تسمح لهؤلاء الأعضاء الكنيست العرب أن يقوموا بدور إعلامي من على منبرها ، ومواصلة القيام بحركات استعراضية مثيرة في بعض الأحيان، كتمزيق مسودة بعض إقتراحات قوانين الكنيست ووضعها تحت أقدامهم،. ومن ادّعى أن هناك صورة أخرى للكنيست فأنا أتحداه أن يكشف لي عن هذه الصورة الأخرى بعيدا عن لغةِ المزايدات الإعلامية والمصطلحات الجوفاء!! نعم هكذا كانت الكنيست، وهكذا ستبقى ما دامت الحركة الصهيونية تواصل مسك ثور الكنيست من قرنيه والسيطرة عليه وتسييره بما يخدم مصالحها فقط. ولأن الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا أدركت ذلك منذ مهدها فقد نأت بنفسها عن لعبة الكنيست ودعت في المقابل إلى ضرورة انتخاب لجنة المتابعة العليا -رئاسة وعضوية- من كل الأهل في الداخل الفلسطيني وفق قواعد انتخابات نزيهة وشفافة يُتفق عليها سلفا بين كل مكونات لجنة المتابعة التي لا تزال تقوم على مبدأ (الاحتكار الحزبي) مع مسحة انتخابات ضيقة جدا لرئيسها فقط!! وعلى هذا الأساس كانت العلاقة الثابتة بين الكنيست وبين الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا، وعلى هذا الأساس نمت مع الأيام جدليه صدام بين الكنيست وبين هذه الحركة، وعلى هذا الأساس تعرضت هذه الحركة لكثير من المحن التي شهدت إغلاق العشرات من مؤسساتها ومصادرة أموالها وإغلاق مكاتبها ونهب أرشيفها إلى جانب اعتقال العشرات من قادتها وأبنائها ومواصلة الزج بهم في السجون لسنوات بعد سنوات دون توقف، بهدف مواصلة إنهاك الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا ما دامت تصر على اجتناب لعبة الكنيست وعدم الإنخراط في (لعبة السيد) الصهيوني الذي أراد سلفا جر كل الأهل في الداخل الفلسطيني الى هذه اللعبة بهدف تحديد مسار تفكيرهم وطموحهم ونشاطهم وسلوكهم وخطابهم بين جدران الكنيست، وكأنه لا حل لهم إلا الكنيست وإلا فالويل ثم الويل لمن يتمرد على قواعد هذه اللعبة، (لعبة السيد) الصهيوني!! ولما أصرت الحركة الإسلامية على هذا الترفع عن لعبة الكنيست واصلت المؤسسة الإسرائيلية مطاردتها وإنهاكها من جهة، وفي نفس الوقت واصلت محاولة استدراجها إلى لعبة الكنيست من جهة أخرى، لدرجة أن المؤسسة الإسرائيلية حاولت تصفية بعض قياداتها، وعلى سبيل المثال وقعت محاولة قتل الشيخ رائد صلاح في أسطول الحرية، ولا داعي للتفصيل فالقصة معروفة للجميع. وهكذا نتج عن جدلية الصدام بين الكنيست والحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا، نتج عنها مواصلة المؤسسة الإسرائيلية مطاردة وإنهاك تلك الحركة أو محاولة استدراجها أحيانا، عساها أن توافق تحت وقع الضربات عليها أن تدخل في لعبه الكنيست (لعبة السيد الصهيوني)!! ولذلك لما قامت المؤسسة الإسرائيلية باعتقال قرابة العشرين من قيادات وأبناء تلك الحركة في عام 2003، فقد عرضت الأذرع الأمنية الإسرائيلية على تلك الحركة امكانية فتح مفاوضات معهم تفضي إلى إطلاق سراح المعتقلين وفتح أبواب مؤسساتهم التي تم إغلاقها بشرط أن تعلن تلك الحركة عن موافقتها لخوض انتخابات الكنيست، وأن تتوقف عن مسيرة إعمار وإحياء المسجد الأقصى، وأن تروج للسيادة الإسرائيلية إلى جانب التعايش العربي – الإسرائيلي في كتاباتها، فكان أن قالت تلك الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا لمن عرضوا عليها تلك العروض: لقد سمعنا عروضكم ووضعناها تحت أقدامنا. ثم لما قامت الأذرع الأمنية الإسرائيلية بالزج بالشيخ رائد صلاح في السجن لمده تسعة أشهر في بدايات عام 2016، وبعد أن أوشكت تلك المدة على الانتهاء وبعد أن أوشك الشيخ رائد صلاح على الخروج من السجن في بدايات عام 2017، قامت بعض الأذرع الأمنية الإسرائيلية بأجراء تحقيق مطول معه في مركز سالم الأمني الإسرائيلي القريب من مدينة جنين، ثم في ختام ذلك التحقيق قالت له تلك الأذرع الأمنية الإسرائيلية بعبارة واضحة: بعد أيام ستخرج من السجن، فاذا أردت القيام بأي عمل لخدمة مجتمعك، فأعلم أنه سيكون محظورا، ولذلك لا يوجد لك طريق لخدمة مجتمعك إلا طريق واحد وهو المشاركة في انتخابات الكنيست، وقد كتب الشيخ رائد صلاح عن تفصيلات ذاك التحقيق في كتاب له بعنوان: (العيش في السجن معزولا)، فمن أراد الوقوف على كل تلك التفصيلات فأنصحه العودة إلى ذلك الكتاب.
وهذا يعني أن العرض الذي عرضته المؤسسة الإسرائيلية على الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا في عام 2003 هو نفس العرض الذي عرضته عليها في عام 2017، وهذا يعني أن العرض الذي عرضته المؤسسة الإسرائيلية على الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا قبل حظرها هو نفس العرض الذي عرضته عليها بعد حظرها، وهذا يعني أن المؤسسة الإسرائيلية لا تزال تتربص بأبناء الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا، ولا تزال تطمع بمحاولة استدراجهم إلى (لعبة الكنسيت) لعبة السيد الصهيوني!! ولذلك فإن من أتفه وأرخص ما قرأت في حياتي أن يدعي نتنياهو فرخ الدجال وجوقته أمثال ليمور ليفنات وبينت أن الشيخ رائد صلاح شارك في إحدى جلسات إيهود براك الانتخابية في عام 1999، ومع أن الشيخ رائد صلاح كان في حينه رئيس بلدية أم- الفحم، ومن الطبيعي لأنه كان في ذاك المنصب أن يعقد جلسات رسمية مع أيهود براك أو غيره من رؤساء دولة أو حكومات، وهذا ليس سرا، وهذا ليس بجديد، إلا أن ما أريد أن أسجله بإيجاز وعلى عجالة ما يلي:
1- حاول السفير المصري في حينه محمد بسيوني جر الشيخ رائد صلاح لدعم مرشح “المعراخ” إيهود براك للرئاسة في مقابل أن يعترف الأزهر الشريف بكلية الدعوة والعلوم الإسلامية في أم- الفحم إلا أن الشيخ رائد صلاح رفض ذاك العرض، وقال له: نحن لنا موقفنا المعروف من الكنيست الإسرائيلي!! ولذلك لسنا مع لعبة الكنيست!! ولا مع لعبة ترشيح إيهود براك لرئاسة الحكومة!!
2- حاول السفير الأردني في حينه مروان المعشر خلال جلسة في مبنى بلدية ام – الفحم جر الشيخ رائد صلاح لدعم ذات المرشح إيهود براك لرئاسة الحكومة، ولما رأى أن الشيخ رائد صلاح كان مصرا على موقفه الرافض أصلا لكل لعبة الكنيست، قال له ذاك السفير الأردني: أرجو أن يبقى هذا اللقاء سريا.
3- حاول أحد الأثرياء الفلسطينيين قبل ذلك جر الشيخ رائد صلاح لدعم شمعون بيرس عندما كان مرشحا لرئاسة الحكومة، قبل إيهود براك، خلال جلسة في مبنى بلدية أم- الفحم، حيث جاء ذاك الثري الفلسطيني خصيصاً من مصر للقيام بتلك المهمة، ولما رأى إصرار الشيخ رائد صلاح على رفض عرضه، وضع مبلغا ماليا بقيمة أربعين ألف شيقل على طاولة الشيخ رائد صلاح، وبعد أن علم الشيخ رائد صلاح بأمر ذاك المبلغ وتعذر عليه إعادته إلى ذاك الثري الذي كان قد غادر بلدية أم- الفحم إلى غير رجعة، قام الشيخ رائد صلاح بشراء جرار (تراكتور) بذاك المبلغ لخدمة المسجد الأقصى!! وهكذا فالكرامة لها ثمن، ولم تتردد الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا أن تدفع ذاك الثمن أكثر من مرة بهدف الحفاظ على كرامتها.

زر الذهاب إلى الأعلى