أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

ليكن أدب النقد بوصلة نقدنا

د. أنس سليمان

العجب كل العجب أن الكثير منا يدّعي بصوت عال طوال الوقت أن مسيرة حركته او حزبه مسيرة شفافه مكشوفة تنتقد غيرها وترحب بكل من ينتقدها، ولكن الحقيقة في بعض الأحيان غير ذلك، وعلى سبيل المثال يوم أن انتقد الشيخ كمال خطيب لقاء الشرطة مع بعض أئمة المساجد بكلمات واضحه لا شتيمة فيها ولا تخوين ولا تفسيق ولا تكفير، استشاط البعض غضباً وخرج عن طور أدب النقد في رده على الشيخ كمال خطيب، وحمّل كلمات الشيخ كمال خطيب ما لا تحتمل، وأنا شخصيا قرأت بعض هذه الردود على الشيخ كمال فتملكتني الصدمة من بعض هذه الردود، وقلت لنفسي: من العجب ان تصدر هذه الردود من اقلام تلتزم الخطاب الاسلامي، وأكثر ما صدمني في هذه الردود ان البعض ادعى ان كلمات الشيخ كمال خطيب تحمل تكفيراً للآخر، ضمنيا وليس صريحاً، مما اضطرني ان أعود واقرأ نقد الشيخ كمال خطيب لذاك اللقاء بين الشرطة وبعض أئمة المساجد، فلم أجد فيه أي تكفير لأحد لا تصريحا ولا تلميحا، ولم أجد فيه غمزاً بأولئك الأئمة الذين شاركوا في اللقاء، ولم اجد فيه لمزاً بهم، ولم اجد فيه شتيمة ولا تجريحا لأحد، بل وجدت فيه نقداً، وكي أزيل أي ظن من داخلي عرضت ذاك النقد لذاك اللقاء على اكثر من واحد، ثم سألتهم: هل تجدون فيه تكفيراً لاحد، صريحاً او تلميحا ؟! هل تجدون فيه تجريحاً لأحد او شتيمه له ؟! هل تجدون فيه تطاولاً على أولئك الأئمة الذين شاركوا في ذاك اللقاء ؟! فقالوا لا. وانا اقول لا.
ولكن لماذا شطح البعض في ردهم على الشيخ كمال خطيب، وحمّلوا كلماته ما لم تحتمل ؟!
أنا أؤكد أن الشيخ كمال خطيب كغيره ليس فوق النقد، وقد قلت ذلك في عدة تغريدات سابقة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست كارثة أن ينتقد البعض الشيخ كمال خطيب، ولن تقع السماء على الارض، إذا قال البعض: أخطأت يا شيخ كمال في هذا الموقف، وهذا الموقف، وهذا الموقف، وكم كنت ولا زلت أتمنى على من يود انتقاد الشيخ كمال خطيب أو الشيخ حماد ابو دعابس أو الشيخ رائد صلاح أو الدكتور منصور عباس أو غيرهم أو انتقاد ما كان من الحركه الاسلاميه المحظوره اسرائليا او الحركة الاسلامية بقيادة الشيخ حماد، أن يتحلى المنتقد بأدب النقد في ألفاظه، وفي مرمى هذه الالفاظ وما تحمل من دلالات، مع تأكيدي لهذا المنتقد انه من حقك ان تنتقد، حتى لو أخطأت في نقدك، ولا ضير في ذلك ما دام نقدك محصناً بأدب النقد، وما دامت غايته النصيحة والتصحيح لا الفضيحه والتجريح.
لذلك لن أقف في هذه المقالة عند من قالوا عبر ردودهم على الشيخ كمال خطيب “جوقة” وكأنهم يدعون أن الحركة الاسلامية المحظورة اسرائليا كانت مجرد “جوقة”، وأن الشيخ كمال عندما يقوم بدور المنتقد لغيره كأنما يقوم بدور “جوقة” ليس إلا!!، ولن أقف عند من عيّروا الشيخ كمال خطيب بحظر الحركة الاسلامية اسرائيليا، وكأنهم– من حيث لا يقصدون- يلتمسون مبرراً للمؤسسة الاسرائيلية ولنتنياهو وإردان وسائر جوقتهم، بحظر الحركة الاسلامية اسرائيليا!! وكأن الحركة الاسلامية المحظورة اسرائيليا جنت على نفسها عندما قالت: الاقصى في خطر والقدس في خطر !! وعندما أكدّت أن الوجود الاسرائيلي في القدس والمسجد الاقصى المباركين وجود احتلالي احلالي، ولأنه وجود احتلالي احلالي فهو وجود باطل بلا شرعية ولا سيادة.
وعندما رفضت الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيلياً أن تتعاطى مع الشرطة الإسرائيلية في المسجد الأقصى ولو بهدف إدخال قنينة ماء إلى المسجد الأقصى، لأنها رأت بذلك إقراراً عملياً صامتاً بالسيادة الإسرائيلية في المسجد الأقصى، وعندما دعت ودفعت رجالها وشبابها ونساءها وفتياتها وأطفالها إلى دوام الرباط العبادي الديني الدائم والنفير الدائم إلى المسجد الأقصى المبارك، وعندما صنعت حاضنة شعبية إسلامية عروبية فلسطينية امتدت في قارات الدنيا وتخطت حدود الدول العربية والإسلامية، ووصلت إلى مواقع الجاليات المسلمة والعربية والفلسطينية في كل مكان على وجه الأرض بهدف رص هذا الصف الشعبي الإسلامي العروبي الفلسطيني، من أجل مواصلة إعمار وإحياء القدس والمسجد الأقصى المباركين، فنجح هذا الصف الشعبي من خلال مؤسسة الأقصى والبيارق ومسلمات من أجل الأقصى بإنجاز آلاف المشاريع في مسيرة إعمار وإحياء القدس والمسجد الأقصى، وكل عاقل منصف يقر ويعترف أن كل الدول الإسلامية والعربية لم تقم بإنجاز عُشر هذه المشاريع مع شديد الأسف.
إلى كل ما ذكر، سعت الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا إلى دفع الإعلام الإسلامي والعروبي والفلسطيني أن يحتضن قضية القدس والمسجد الأقصى بعد أن كانت شبه مغيّبة عن سلم أولوياته، فكان أن بدأت هذه القضية المباركة تتصدر نشرات أخباره وبرامجه الوثائقية وأفلامه وأغانيه، وكان أن تم إنتاج مئات الأفلام الوثائقية عن القدس والأقصى المباركين.
فهل هذه الحزمة الذهبية من الإنجازات، لائحة إتهام أم شهادات شرف لمن أنجزها؟.
هل كان المطلوب من الحركة الإسلامية المحظورة أن تعمل بعكس هذه الحزمة الذهبية من الإنجازات حتى يقال عنها: حركة واقعية ودبلوماسية وحداثية وتجديدية وعقلانية!!
لذلك أنا على يقين وقناعة أن الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيلياً لو عملت بعكس هذه الحزمة الذهبية من الإنجازات لحافظت على وجودها الرسمي الشكلي، وأبعدت عن نفسها قرار حظرها الظالم، ولكن كانت في المقابل ستتنازل عن الكثير من ثوابتها الأبدية في القدس والمسجد الأقصى المباركين التي تجسد أهم الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية، ولتحولت إلى حركة جوفاء، لها اسم بلا مسمى، ولها مظهر بلا جوهر، ولها شكل بلا مضمون، وإن كان هذا الاسم والمظهر والشكل إسلامي، ولكنها رفضت هذا الخيار المهزوم المتولي يوم الزحف، وأصرّت على خيار الوفاء للقدس والمسجد الأقصى، مدركة أنه قد يكون لها عذر إذا لم تستطع أن تنصر قضية القدس والمسجد الأقصى كل النصر، ولكن لا عذر لها ولا لغيرها إذا أضاعت ثوابت هذه القضية، ولذلك اختارت موقف الوفاء لهذه الثوابت مهما كان الثمن عالياً وغالياً.
ولن أقف في هذه المقالة عند من قالوا عبر ردودهم على الشيخ كمال خطيب متسائلين: ماذا قدّمت لخدمة مجتمعك يا شيخ كمال!؟، وكأنهم يدّعون أن الشيخ كمال خطيب انحصر دوره بالخطابة والكتابة وإلقاء المحاضرات والدروس، وكأني بهم قد نسوا أن الشيخ كمال خطيب كان نائباً لرئيس حركة إسلامية وقع عليها الحظر الإسرائيلي الظالم. وأن هذه الحركة كانت قد صنعت حاضنة شعبية في الداخل الفلسطيني، واستقطبت هذه الحاضنة الشعبية عشرات الآلاف من مجتمعنا في الداخل، الذين تعاونوا بمالهم ووقتهم وجهودهم على إسناد دور أكثر من ثلاثين مؤسسة أهلية قامت في رحاب هذه الحاضنة الشعبية وتعددت أدوارها ومهماتها وإنجازاتها، ما بين مؤسسة حملت مهمة الإغاثة، وأخرى حملت مهمة التعليم، وثالثة حملت مهمة الدفاع عن المقدسات، ورابعة حملت مهمة الاعلام، وخامسة حملت مهمة الدراسات والأبحاث، وسادسة حملت مهمة دعم الاقتصاد الأهلي، وسابعة حملت مهمة رعاية الشباب، وثامنة حملت مهمة كفالة أئمة المساجد، وتاسعة حملت مهمة الدفاع عن الحريات، وعاشرة حملت مهمة إحياء القرآن والسنة، وأخرى حملت مهمة التواصل مع العمق الإسلامي العروبي الفلسطيني، إلخ.. وهكذا قامت هذه المؤسسات، ولم تغفل عن جانب أو أساس من مسيرة مجتمعنا في الداخل، إلا وقدرت له قدره، بما في ذلك ملف الأسرى والشهداء والجرحى، وملف المدن الساحلية، وملف النقب، وملف العودة والقرى الفلسطينية المنكوبة المهجرة، وملف الأرض والمسكن، وملف الإصلاح والصلح وإرساء السلم الأهلي، وكان أن نجحت كل هذه المؤسسات أن تقدم خدماتها كل عام لأكثر من نصف مليون من أبناء مجتمعنا وشعبنا!! فيا عجبا !! أيعقل أن يقول بعضهم بعد ذلك: ماذا قدمت لخدمة مجتمعك يا شيخ كمال؟! اللهم اغفر لنا ولكل أصحاب هذه الردود الذين تعثرت أقلامهم، فتعثروا في أدب النقد.
(يتبع) …

زر الذهاب إلى الأعلى