لعبة الكراسي واللعب على الحبال

حامد اغبارية
الكذاب…
عليك أن تقرأ كتاب “مكان تحت الشمس” لبنيامين نتنياهو قبل أن تتعاطى مع هذه الشخصية المتلونة، فهناك فقط تستطيع أن تتعرف على حقيقة الرجل، وما سوى ذلك، وكل سلوك أو تصرف أو تصريح يصدر عنه خارج نطاق ذلك الكتاب فهو يندرج تحت عنوان الدجل السياسي والخداع والمراوغة واللعب على الحبال. لا تصدق نتنياهو إلا من خلال كتابه ذاك، ثم من خلال ممارسات حكومته ومشروعه الصهيوني التوراتي على أرض الواقع. وهذا أيضا شأن كافة قادة المؤسسة الإسرائيلية (انظر مذكرات بن غوريون ويتسحاك رابين ويتسحاك شامير وشمعون بيرس وغيرهم من قادة الحركة الصهيونية).
عشية انتخابات الكنيست الصهيوني 2015 خرج بنيامين نتنياهو على جمهور المصوتين اليهود، في سمفونية تحريض عنصرية مقيتة بغيضة، لا أحد مثله يتقن التعبير عنها، إلا من كان على شاكلته، قال فيها إن العرب يهرولون إلى صناديق الاقتراع بالآلاف في الحافلات، وذلك في محاولة يائسة منه لحض الشارع اليهودي على الخروج للتصويت لصالح حزبه. لم يكن نتنياهو يومها كاذبا فقط، بل كان عنصريا بغيضا، ظهر في أسوأ حالات عنصريته، كاشفا الوجه الحقيقي؛ ليس وجهه فقط، ولا وجه حزبه وحسب، وإنما وجه المؤسسة الصهيونية برمّتها، تلك التي تنضح عنصرية، من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، حتى لو جاء (منا) من يزعمون أن فيها “أبيض” كما فيها “أسود”… وقد “غضب” الشارع عندنا في الداخل الفلسطيني يومها، وكان غضبه “هادرا مزلزلا”..!! “عبّر” عنه بذهاب ما يقارب نصف أصحاب حق الاقتراع إلى الصناديق، وكأنهم بذلك يعاقبون نتنياهو على تصريحه، وذلك بدلا من أن يفرملوا ويفكروا مليّا، ثم يقررون ويقولون: يا نتنياهو، أيها العنصري البغيض، خذ صناديق اقتراعك واملأها بنفسك بأنفاس عنصريتك، فقد تركناها فارغة. ثم لم تمض سوى فترة قصيرة حتى جلست بعض قيادات شارعنا مع نتنياهو لتستجدي الميزانيات، والابتسامات العريضة والضحكات المجلجلة تزين المشهد العبثي، وكأن شيئا لم يكن.
وهذه المرة، وقبل أسبوعين تحديدا، خرج حزب نتنياهو بدعاية انتخابية كاذبة يهاجم من خلالها الجنرال بيني جانتس، منافس نتنياهو الأقوى في الانتخابات الحالية، يصور فيها الجنرالات بأنهم يستندون إلى أصوات العرب ودعم الشيخ رائد صلاح كي يفوزوا في الانتخابات!! وقد أرفقت الدعاية بصورة أرشيفية للشيخ رائد صلاح مع إيهود براك، ليبدو الأمر وكأنه دعمٌ من الشيخ لسفاح هبة القدس والأقصى، علما أن الصورة تجمع بين الشيخ كرئيس لبلدية أم الفحم وبين براك كرئيس للحكومة الإسرائيلية في جلسة عمل تقليدية…!! أرأيتم أوسخ وأسخف وأحطّ من هكذا أساليب دعائية ساقطة يستخدمها نتنياهو وحزبه كي يهاجموا خصومهم؟ إن هؤلاء القوم لا يتورعون عن أي عمل، مهما كان حقيرا ودونيّا، كي يحققوا أهدافهم. هل يمكن أن ينسى الجمهور أن نتنياهو مارس دور المحرّض الأول على مجتمعنا، وعلى الشيخ رائد صلاح الذي يعتقله الآن ويحاكمه تحديدا بسبب مواقفه التي فضحت كل الجنرالات والقادة السياسيين في المؤسسة الإسرائيلية؟ أيمكن أن ينسى الجمهور كيف أن كبار جنرالات العسكر الإسرائيلي وكبار القادة السياسيين انبطحوا أمام الشيخ رائد وأمام قادة العمل الإسلامي ذات عشية انتخابات سابقة كي لا يدعوا إلى مقاطعة الانتخابات، وكانوا على استعداد لضخ ملايين الدولارات لتحقيق هذا الهدف؟ وكان جواب الشيخ وإخوانه: خسئتم.. فلسنا من الذين يبيعون مواقفهم بجبال من الذهب!! وكان موقف الشيخ وإخوانه حاسما حازما لا يقبل التأويل. ولكن يبدو أن نتنياهو وحزبه يتعاملون مع جمهورهم الانتخابي تعامل القطيع الذي يتمتع بأدمغة الجراد وذاكرة الفَراش، من خلال خداعهم بأكاذيب انتخابية مفضوحة، معتمدين على الكم الهائل من الكراهية والبغضاء التي يكنّها الجمهور الإسرائيلي، وخاصة اليميني المتطرف، للشيخ رائد صلاح خاصة، وللداخل الفلسطيني عامة. إنها سياسة الكذب والدجل واللعب على كل الحبال من أجل تحقيق مكسب انتخابي يمكّن نتنياهو وعصابته المتطرفة من مواصلة تنفيذ مخططهم في حرق كل شيء وتدمير كل شيء في سبيل تحقيق أضغاث أحلام وسراب أوهام.
إن كافة الأحزاب الصهيونية، بيمينها ويسارها ووسطها، ترمي عن قوس واحدة عندما يتعلق الأمر بقضية الشعب الفلسطيني، وبقضايا الأمة؛ وعلى رأسها قضية القدس والمسجد الأقصى وحق العودة وتقرير المصير وسائر ثوابت شعبنا وأمتنا. وفي هذه المسألة لا ينبغي التفريق بين نتنياهو وجانتس ويعلون ولبيد وليبرمان وبنيت وشاكيد ودرعي وبراك وغباي وبن جفير ومارزل وسائر الجوقة الصهيونية.
إن هؤلاء جميعا عبارة عن لبِنات ملوثة في مشروع يسعى إلى تصفية قضية الأمة الأولى، وإلى اجتثاثنا من وطننا، وإلى إحكام القبضة على قبلة المسلمين الأولى، وعلى القدس المباركة؛ عاصمة الخلافة الإسلامية القادمة، كخطوة من خطوات كثيرة هدفها تحقيق الهدف الإستراتيجي الذي يهدف إلى إقامة مملكتهم المزعومة من النيل إلى الفرات. ولقد ذكرنا هذا في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مقال. وما كشْفُ نتنياهو لعلاقاته مع أنظمة العار العربية إلا جزءٌ من هذا المخطط الخبيث.
إن علينا أن نقرأ المشهد الإسرائيلي قراءة حقيقية. ولا يمكننا أن نقرأه على حقيقته من خلال الإعلام، ولا من خلال التصريحات التكتيكية والمواقف المتقبلة التي تتناثر من حولنا، وإنما من خلال المواقف الإيديولوجية العقائدية لقادة المؤسسة الإسرائيلية التي سطروها في مذكراتهم الشخصية. هناك فقط تكمن الحقيقة، وهي حقيقة تُسقِط الأقنعة عن الوجوه، وتزوّد بالأخبار من يبحث عنها ليعرف أين يقف وأين يسير. أما الذي اختاروا العيش في الأوهام من أبناء شعبنا وقادته، وغطّوا عيونهم بعصابة سميكة حتى لا يروْا الأمور على حقيقتها، فهؤلاء يسهل عليهم تصديق كل ما يقال من أكاذيب ودجل، لأن غرضهم ليس الحقيقة، بل التستر على الحقيقة لتحقيق أهداف مصلحية ضيقة هزيلة، ولذلك ترى الكثيرين منهم يمارسون نفس اللعبة في كل مرة تداهمهم مسألة انتخابات الكنيست على حين غِرّة. لكنّ الفرق الوحيد هو أن الغالبية العظمى من أبناء شعبنا لا يقبلون على أنفسهم أن يؤدّوا دور القطيع الذي يقاد إلى أي اتجاه يشير إليه الراعي بعصاه، ذلك أن شعبنا متقدم على قادته بمراحل واسعة من الوعي السياسي والفهم، وهو يدرك طبيعة اللعبة وحقيقتها، وهو أكبر من أن تخدعَه الأضاليل.
بصراحة ووضوح
إن هناك أسبابا كثيرة تجعل أيّ مواطن فلسطيني حرٍّ من أبناء الداخل الفلسطيني يتجنب المشاركة في انتخابات الكنيست انتخابا وترشيحا. ومن وجهة نظري الشخصية فإن مجرد التفكير بالمشاركة هي خطيئة وطنية من الدرجة الأولى، وهي كذلك مسألة عقدية لا يمكن تجاوزها، ففيها قضية ولاء وبراء. وهذه وحدها تكفيني شخصيا على الأقل، ولا بدّ أنها تكفي كلّ مسلم. وأنا كمسلم ألتزم بديني، وفقط بديني، ولا يهمني أي شيء آخر، ولا ألتفت إلى كل التخريجات والتبريرات الممجوجة التي يسوقها من يؤيدون الذهاب للكنيست لأجندات خاصة أعتقدُ أن واقع حالنا أكد أنها أجندات لا علاقة حقيقية لها بمصلحة مجتمعنا ولا بقضايانا الحارقة؛ وهي كثيرة جدا.
وإننا لو تجاوزنا مسألة الحلال والحرام والولاء والبراء في موضوع الكنيست، على فرض أن هناك من سيأتي ويقول إن هناك رأيا فقهيا يبيح ذلك، فإن 70 سنة من التجارب المريرة من المشاركة في الكنيست تقول إن الإنجازات تساوي صفرا. لم نحقق شيئا سوى أننا سلّمنا أعناقنا للمشروع الصهيوني وسِرنا في ركابه ولعبنا بأدواته. وسواء كان ذلك برغبتنا أو بغير إرادة منا، فالنتيجة واحدة. والعاقل من ينظر في النتائج ويقرأ واقع الحال، ثم يغير اتجاه البوصلة إلى حيث يجب أن تتجه. وأنت لا تستطيع أن تستهين بموقف 50% على الأقل من أبناء شعبنا يرون هذا الرأي. بمعنى آخر فإن المشاركة في الكنيست لم تحقق لنا سوى التبعية واللعب حسب أدوات اللعبة السياسية الإسرائيلية، وهذا مرفوض مبدئيا وأخلاقيا ووطنيا وعقائديا. كذلك فإن الناظر إلى واقع حال الأحزاب المشارِكة في انتخابات الكنيست يستطيع أن يقرأ المشهد بسهولة. قضيتنا ليست مجرد قضية حقوق مواطنة وحقوق مدنية، قضيتنا قضية هوية وانتماء، وهويتنا بدوائرها الثلاث فلسطينية عروبية إسلامية، وانتماؤنا هو لهذه الأرض ولهذا الشعب ولهذه الأمة، وكل ما عدا ذلك هو عامل إضعاف لهذه المسألة، والمشاركة في الكنيست من أكبر العوامل التي أحدثت خللا فظيعا في الهوية والانتماء.
نحن اليوم نقف على مفترق طرق خطير، في ظل التطورات السياسية وغير السياسية في المنطقة، وانهيار المنظومة العربية وارتمائها في أحضان الصهيونية، وعلينا أن نختار الطريق الصحيح. والمشروع الصهيوني مشروع استيطاني كولونيالي خبيث، وهو يبذل كل جهد كي يحقق أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى، فلا أكون أنا هنا في الداخل عنصرا مساهما في تحقيق أهداف هذا المشروع. وفي الحقيقة هي معركة إرادات ورواية لا معركة حقوق مواطنة ومدنية، وطريق الكنيست ليس فقط أنه لم يحقق حقوقَ مواطنة وحقوقا مدنية هي في نهاية اليوم يجب أن تكون تحصيل حاصل؛ سواء شاركنا أم لم نشارك، بل هي أضعفت إرادتنا وشوهت روايتنا وهويتنا.
ارتفاع الضغط
يرتفع الضغط عند البعض وترتفع درجة حرارتهم إلى حد تضييع البوصلة، عندما نكتب ونقول ما نؤمن به فيما يتعلق بانتخابات الكنيست وكل ما يتعلق بالاندلاق غير المبرر للوصول إلى المجد المزيف، فلا يدري ما يقول، ويشن الهجوم المنفلت إلى حدّ مجانبة الحقيقة. كل هذا من أجل كرسي الكنيست. فهل نقول واأسفاه؟! لا والله لا نقولها، لأنها لا تصلح في هذا المقام.
هل من حقّ هؤلاء الإخوة (وهم إخوة في الدين والوطن والهمّ والمصير، رغم كل شيء) أن يعبروا عن اندلاقهم وركضهم خلف سراب الكنيست، وليس من حق غيرهم أن يقول كلمته ورأيه ويعبّر عن موقفه؟!! واعَجَبًا إذًا من هكذا ديمقراطية يزعمونها، ويوهمون الناس أنهم يمارسونها في حياتهم، حتى إذا جدّ الجد وارتفعت الحرارة وضاقت عليهم صناديق الانتخابات واستطلاعات الرأي شنُّوا على إخوانهم حربا شعواء لا تُبقي ولا تذر، في هجوم خالٍ من المضمون، لا يرقى حتى إلى مستوى الحجة بالحجة والرأي بالرأي والدليل بالدليل.
نحن نقول رأينا فيما تمارسه كافة الأحزاب العربية في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل بلا مواربة، ولكن دون شخصنة، ودون إهانات شخصية، ودون أن نرمي الناس بالجفاف الأخلاقي والتكلس الشعوري!! ولو كنا نعاني من الجفاف الأخلاقي لقلنا ما يحمَدُ اللهَ كثيرون أن أخلاقنا تمنعنا أن نقوله.
نحن نقول ما نعتقد أنه الحق، ولا نخشى في الله لومة لائم، وفي ذات الوقت نقول (وما أكثر ما قلنا!) رأينا في نتنياهو وليبرمان وأمثالهما، وفي سياسات المؤسسة الإسرائيلية التي تسعى إلى إبقائنا في دائرة الضياع، وما بطولاتهم في الكنيست إلا جزء من هذه السياسات. ولا يستطيع أحدٌ أن يزاودَ علينا ولا على مواقفنا. ولنترك الجهور، الذي يسعون إلى تحويله إلى قطيع، كي يحكم بيننا.
وإن من علامات حسن أخلاقنا- ولا نزكي أنفسنا- بالذات تلك التي يرمينا بها هؤلاء البعض وكأنها دليل على التناقض، أننا (كنا) نخصص “صدر المجلس” في المهرجانات أو النشاطات لأعضاء الكنيست والأحزاب العربية. فإنه لم يسبق لأحد ممن يعنيهم هؤلاء البعض أن أخرجَ أحدا من الأحزاب أو أعضاء الكنيست عن الصف ورماه بما لا يليق، بل غاية ما في الأمر أنه اعتبر ذهابهم إلى الكنيست خطأ كبيرا، وربما خطيئة كبرى، وبين هذا وبين الإلغاء والشطب والقطيعة مسافة بعيدة. ولعل في مشاركتهم في المهرجانات والنشاطات تجعلهم يرون حقيقة الجانب الآخر للمعادلة فيفكرون في الطريق الذي يسيرون فيه، ويعيدون حساباتهم. وفي نهاية المطاف فإن وجود أكثر من خمسين بالمائة من أبناء شعبنا من الذين لا يشاركون في انتخابات الكنيست يجب أن يقول شيئا لهؤلاء الإخوة الذين يريدون إسكاتنا لأننا نقول ما لا يُعجب ولا يُرضي.
أما قصة “لجوء هؤلاء إلى نواب الكنيست والأحزاب العربية عند كل مفترق يواجهون عنده تحديا سلطويا على المستويين السياسي والقضائي”، فهذه – حقيقةً- من المُضحكات. وكنت أتمنى لو أنها لم تُقل، لأنها ببساطة تتناقض تناقضا فاضحا مع الواقع. وعند هذه النقطة بالذات تمنعني المروءة من أن أقول أمورا ضجّ بها الأرشيف (القديم والحديث) حتى لم يعد يحتمل ثقلها.
وعجبا لمن يختزل النضال والكفاح بمسألة الوقوف ضد العنصرية الإسرائيلية، وكأن قضيتنا مقتصرة على الممارسات العنصرية ضدنا!! أهذا هو غاية ما نريد؟ وماذا لو (انتصرنا) على العنصرية وأخرسناها؟ هل نكون بذلك قد وصلنا إلى نهاية الطريق؟ في أية مدرسة تعلمتم هذا؟!
نريد أن نراهم الآن وقد ضجت أجواء انتخابات الكنيست بفحيح العنصرية من خلال تحالفات فاشيّة تحتضن عصابة كهانا في رسالة شديدة الوضوح، وأخرى عسكرية تشبّه بعض أحزابنا بحزب كهانا في رسالة شديدة القبح. نريد أن نرى ما سيفعلونه، وكيف سيتعايشون مع مستنقع الكراهية الدموي في وكر الدبابير وعش الأفاعي، وأية إنجازات سيسجلونها عدا الزعيق والصراخ والعويل والعراكات التلفزيونية العبثية التي سئمها الناس!!
تهويد القدس سيستمر وأنتم تتفرجون..
استهداف الأقصى سيستمر وأنتم تُلعلعون..
الاستيطان سيتواصل وأنتم تزعقون..
هدم البيوت سيستمر وأنتم تصرخون..
الضائقة السكنية ستتفاقم وأنتم ترتشفون الاسبرسو في مقصف الكنيست..
الفقر في مجتمعنا سيزداد وأنتم تسافرون..
البطالة ستتفاقم وأنتم تحصلون على زيادات في الرواتب والامتيازات..
وضع التعليم في مدارسنا ينهار وأنتم تصدرون البيانات..
مضامين منهاج التعليم تدمر أبناءنا وأنتم تتحدثون عن التعايش والمساواة..
مقدساتنا تتحول إلى فنادق ومقاصف وخمارات ومتاحف وبيوت دعارة وأنتم تلتقطون الصور وترحلون..
أراضينا تصادر قطعة قطعة فماذا تصنعون؟؟
