بريطانيا “العظمى” وأزمتها “العظمى”!

بريطانيا “العظمى” وأزمتها “العظمى”!

الدكتور ابرهيم خطيب- باحث في العلوم السياسية في مرحلة البوست دكتوراة، جامعة أكسفورد.
قبل نحو سنتان صوّت 52 % من البريطانيين مع الانفصال عن الاتحاد (المعروف اختصاراً بالبريكست)، ووفقاً للجداول الزمنية وبروتوكلات الاتحاد التي تضبط علاقة الدول الاعضاء، فيجب أن يتم الانفصال بتاريخ 29.3.2019 ولكن الساحة الداخلية البريطانية تعج بالفوضى لكون الأمور لم تحسم حول كيفية الخروج من الاتحاد، هل باتفاق او بدونه وما الاتفاق المناسب أم هناك حاجة لتأجيل الخروج او القيام باستفتاء اخر او حتى اجراء انتخابات جديدة لتصل مطالب البعض بسحب طلب الانسحاب. فيما رفض البرلمان البريطاني مسودة الاتفاق الذي أبرمته رئيسة الوزراء تيرزا ماي مع الاتحاد الاوروبي حول الانسحاب من الاخير، بما لبريطانيا وعليها وأُسس علاقتها معه، ليعود بعد أيام مطالباً ماي بإعادة التفاوض مع الاتحاد للحصول على اتفاق أفضل.
أسباب انسحاب بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي متعددة ومنها أن قوانين الاتحاد، والتي تلزم بريطانيا، تسمح بسكن الاوروبيين وتنقلهم في أي دولة من دول الاتحاد بحرية وضمان حقوقهم وخدماتهم، ومع توسع الاتحاد لأوروبا الشرقية هاجر الكثير من سكانها لبريطانيا وضج الرأي العام من ذلك بحجة أن هؤلاء الاوروبيين يزيدون الضغط على المؤسسات البريطانية وخصوصاً في الصحة والتعليم وسوق العمل، كما أن البريطانيين شعروا أن هناك عدم توازن في دور ومساهمة دول الاتحاد بما يظلم بريطانيا، اضافة لتقييد بعد قوانين الاتحاد الاوروبي التوجهات البريطانية في عدة قضايا.
حاولت تيريزا ماي عقد اتفاق مع الاتحاد ينظّم عملية الانسحاب، لكون عدم وجود اتفاق يمكن أن يؤدي للمجهول في بريطانيا وخصوصاً اقتصادياً وسياسياً، والقضايا الاساسية الاربع التي تسعى مسودة الاتفاق لمعالجتها، والتي تُعرف بأربع حريات الاتحاد هي١. حرية التنقل ٢. حرية التجارة ورأس المال ٣. حرية تلقي الخدمات ٤. حرية تنقل البضائع.
القضية الاساسية الإشكالية من القضايا السالفة هي حرية التنقل، حيث أن بريطانيا تعاني أزمة في علاقتها مع ايرلندا وخصوصاً شقها الشمالي (المنضوي تحت حكم التاج البريطاني) والذي كانت تبطش به أعمال عنف ومقاومة للتواجد البريطاني ليكفل اتفاق الجمعة العظيمة وتواجد ايرلندا وبريطانيا حلاً لأحد مطالب الايرلنديين بفتح الحدود بين شطري ايرلندا، هذه الحرية بالتنقل هي ما يريده وأراده الايرلنديون وكان متفقاً عليه وفقاً لمعاهدة السلام الموقعة اواخر التسعينات وسهّل الاتحاد الاوروبي ذلك لكون قوانينه تزيل الحدود بين اعضائها وهذا ما كان بين بريطانيا وايرلندا وساهم في خفض التوتر هناك، واذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد فستغلق الحدود وتتأثر حرية التنقل وممكن أن يؤدي لانهيار اتفاق السلام في ايرلندا. مسودة الاتفاق والتي رفضها البرلمان البريطاني، كان قد اتفق فيها على ضمان حدود مفتوحة حالياً وأن أي تغيير مستقبلاً بهذا شأن لا يتم إلّا بموافقة الطرفين. وهذا من شأنه أن يجعل حدود بريطانيا في بحر ايرلندا الذي يفصل بين بريطانيا وجزيرة ايرلندا بشقيها الشمالي والجنوبي وبالتالي يؤصل لانفصال ايرلندا الشمالية عن بريطانيا، وبنفس الوقت فإن وضع الحدود بين شطري ايرلندا يمكن أن يعيد العنف في تلك المنطقة وهذا ما لا يريده البريطانيون. القضايا الاخرى في الاتفاق فيها بعض الاشكاليات ولكنها أقل حدة من قضية ايرلندا. والحديث هنا عن قضية السمك والحدود البحرية التي تعتبر مهمة لاسكتلندا، قضية حرية الاقامة وفيها تكفل بريطانيا الاقامة لمن دخل من الاوروبيين قبل الخروج من الاتحاد، وأخيرا قضية التجارة والسوق المشتركة.
أما اذا ما خرجت بريطانيا بدون اتفاق فسيكون عليها دفع مبالغ ضخمة وبالاتفاق قد حصرت هذه المبالغ بنحو 50 مليار دولار، كما أن ذلك ممكن أن يضعف الاقتصاد البريطاني بالإضافة الى أن الترتيبات التي تسهل خروج بريطانيا لن تكون بهذه الحالة متوفرة وسيكون انفصال تام مع ما يترافق مع ذلك من صعوبات في القضايا التي ذكرناها انفاً.
تيريزا ماي واجهت معارضة من عدد كبير من اعضاء البرلمان لكونهم يرون بالاتفاق سيئاً لبريطانيا، حاولت ماي تعديله بالتفاوض مجددا مع الاتحاد ولكن رفض الاخير ذلك، وهي تحاول الان مجدداً ذلك بعد تفويض من البرلمان بهذا الاتجاه ولكن يبدو أن الاوروبيين لن يتنازلوا أكثر مما فعلوا بمسودتهم التي قدموها مسبقاً.
خيارات بريطانيا محدودة فإما الموافقة على الاتفاق او الخروج بدونه، اجراء استفتاء جديد، سحب طلب الخروج او حل البرلمان وسحب الثقة من الحكومة والتروي لانتخابات جديدة. تحاول ماي تخويف اعضاء البرلمان بالقول أن هكذا اتفاق أفضل من خروج من دون اتفاق، كما أنها تحاول كسب الوقت بضغط المشرعين للحظة الاخيرة ولكن يبدو أن هذا الامر غير مضمون، ويمكن أن يجُر لاستقالة ماي مع أنها أمر غير مرغوب لماي وحكومتها لكون انتخابات جديدة ستجلب حزب العمال للحكم.. وبالتالي كل الامور مفتوحة. وها هي بريطانيا العظمى لا تدري أين تتوجه..!.