أخبار رئيسيةأخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

نحن والانتخابات (2)… المجتمع المأزوم

صالح لطفي، باحث ومحلل سياسي
الثقافة السياسية الاسرائيلية هي مزيج وخليط من الثقافة السياسية الديموقراطية وغير الديموقراطية، وتنبع مصادر هذه الثقافة في الراهن الاسرائيلي من الديانة اليهودية ومورثاتها الفكرية والفقهية، ومن موروث الجاليات اليهودية في الشتات بثقافاتها المتعددة، ومن الصهيونية بكل تعرجاتها التاريخية ومدارسها المختلفة المنصهرة في تلكم البوتقة، ومن العلمانية “الاوروبية” ومدارسها الايديولوجية المختلفة ، الليبرالية، الاشتراكية والقومية .
ونجم عن هذه الصيرورات الثقافية انشقاقات رافقت مسيرة هذه الدولة من لحظة ميلادها الاولى وإن نجحت حتى هذه اللحظات بفضل سياسات التوافق الديموقراطية المنتهجة حتى هذه اللحظات، لفرملة كافة التجاوزات التي وصلت ذروتها في الداخل الاسرائيلي بقتل رئيس الوزراء رابين بعد صدور فتاوى ولعنات دينية ومظاهرات غير مسبوقة، قادها شارون ورئيس الوزراء الحالي، مهدت الطريق لقتله.
المجتمع الاسرائيلي مشكل من فسيفساء بشرية لكل منها ثقافته وقيمه وعاداته وتقاليده وموروثه الخاص ونقلت هذه الجموع البشرية منطق “الجيتو” الذي عاشته في الشتات الى الداخل بعد هجرتها إلى هذه البلاد، والتقاسيم الجغرافية السكنية للمجتمع الاسرائيلي، تبين هذا الفصل الداخلي بين تلكم المكونات البشرية- المجتمعية فالجدران القائمة بين هذه المجموعات البشرية في جوهرها جدران نفسية- مادية تتعاظم مع مرور الزمن، ومع تقدم عمر هذه الدولة، وبدلا من ان تخلق هذه الدولة مجتمعا موحدا وواحدا، عمقت هذه الجدران داخل مجتمعها ومع هذا التعمق تجذرت قيم داخلية جعلت المجتمع الاسرائيلي مجتمعات، فهناك المجتمعات الحاريدية والمنقسمة داخليا، وهناك المجتمعات الدينية الصهيونية وهي كذلك منقسمة على نفسها، وهناك المجتمع العلماني وهو كذلك منقسم على نفسه، ويبدو لي ان ثلاثة محددات تلعب دورا كبيرا في هذه التشظيات ولن تختفي عن ساحة هذا المجتمع لعقود قادمة: المحدد الايديولوجي المؤسس للأحزاب والحركات داخل هذه المجموعات، المحدد السياسي- الاخلاقي المتعلق بالعلاقات مع الدولة: “ماهية الدولة والعلاقة بين يهوديتها والديموقراطية وحدود كل منهما ومن هو اليهودي على ضوء ما تقدم”، والداخل الفلسطيني والارض والوجود الفلسطيني برمته واليات العلاقة معهم، والمحدد الاجتماعي- الاقتصادي وتداخلاته الايديولوجية والسياسية، ووجود الفقر بين الحاريديم أكثر منه في مجتمعات اخرى وآثار ذلك على المجتمع ككل ومحاولات اختراق هذا المجتمع من خلال هذه الزاوية، ومدى نجاح المؤسسة الحاكمة في اختراق المجتمعين الديني والحاريدي وآثار هذا الاختراق المتبادلة بين الطرفين.
نجحت الحركة الصهيونية بإنشاء دولة اسرائيل على جزء من التراب الفلسطيني وتمَّ لها ذلك بفضل الكارثة والمحرقة التي تعرض لها يهود اوروبا على يد النازيين ومن تحالف معهم وساعدهم في مسعى هستيري للتخلص مما أسموه المسألة اليهودية، وبفضل الدور التأسيسي الذي قام به الاحتلال البريطاني تحت اسم الانتداب، وبفضل الدعم الامريكي غير المحدود، رافقه دعم عربي اقليمي ارتبطت مصالحه المنبثقة من تداعيات سايكس بيكو، وهذه الدولة ما زالت قائمة وتتقوى بقيامها هذا بقوى عربية واجنبية وعالمية وتملك هذه الدولة بفضل علاقاتها الخارجية ودعم منظوماتها الخارجية ووفرة المال الذي بين يدي الجاليات اليهودية في كل انحاء العالم، قوة هائلة تمكنها من البقاء والسيطرة على هذه الأرض مدعمة وجودها بتعاقدات وتعاضدات مع الدول الإقليمية والدولية واختراق ملحوظ للعالمين العربي والاسلامي، ويصاحب هذه المسيرة منطق ايديولوجي مشبع بخلفية عقائدية- دينية- تاريخية .
لقد استطاعت هذه الدولة بفضل عديد الوسائل التي ملكتها وبفضل قياداتها السياسية أن تتحول الى قوة إقليمية يحسب حسابها، ونجحت أن تخترق العالم العربي السني وغير السني، وأضحت يدها الاطول في الشرق الاوسط بفضل ثلاثة عوامل داخلية اجتمعت معا: قيادة جماعية قوية، ومحرك علمي دائم العمل والابداع والانتاج، وقوة أمنية- عسكرية تواصل الليل بالنهار.
مجتمع مأزوم
بيدَّ أنّ هذا المجتمع منذ لحظته الأولى التي تأسس بها على هذه الارض يعيش أزمات متتاليات لمَّا تتوقف حتى هذه اللحظات، بل كلما امتدت به الايام والسنوات تفاقمت هذه الأزمات لتتحول الى عُقَدِّ في منشار مسيرته الخاصة، فهذا المجتمع “الاسرائيلي”، مجتمع تم تجميعه من كل اصقاع الارض مُحَمَلُّ بخلفيات هوياتية ونفسية وقيمية وعادات ومنظومات بل ولغات ولهجات مختلفة، شكلت فسيفساء شديدة الالوان، ونتيجة لهذا الخليط سعت المؤسسة الاسرائيلية مباشرة بعد قيامها لخلق ما سمي “بوتقة الصهر”، على أمل ان تتجاوز هذا الخليط العجيب وتخلق الانسان الاسرائيلي الجديد، انسان ما بعد الكارثة “الشوآه”، ولذلك كان ولا يزال اشد واخطر ازماته المعقدة تتعلق بهويته الذاتية وما قانون القومية الا محايثة من محايثات الإجابة عن هذا السؤال الذي رافق وسيظل يرافق هذا المجتمع.
في هذا السياق تكون المحايثة التي نتناولها هي خلق هوية اسرائيلية مؤسسة لذاتها مفصولة عن محيطها وتستطيع هذه الهوية امتلاك الدلالات التي تُمَكِنُها من الانفصال عن أي شيء اخر بما في ذلك الداخل الفلسطيني. عمليا فشلت هذه العملية في التخلص من اليهودية والصهيونية لصالح الاسرائيلية، وعادت الهويات الدينية والصهيونية كل بمدارسها وبقوة لتطرح نفسها كبديل عن الاسرائيلية في السياق الذاتي لكنَّ هذه الاسرائيلية يتم العمل على تذويتها في الاجيال العربية الناشئة وهو موضوعنا القادم.
تتوزع هشاشة المجتمع الاسرائيلي في اربعة دوائر كبرى تتصاعد باستمرار نحو لحظة صِدام داخلي كانت مؤشراته الاولى في مقتل اسحاق رابين رئيس الوزراء عام 1995.
المجتمع الاسرائيلي اليوم منقسم على ذاته عموديا بين يمين ويسار، وافقيا بين متدين وعلماني وشرقي واشكنازي وغني وفقير، ونجم عن هذا الانقسام تصدعات داخلية عميقة دخلت الى مربعات الانقسامات ذاتها فداخل اليمين مثلا انواع من اليمين يبدأ من اليمين الليبرالي العلماني مثلا وينتهي باليمين العلماني الشعبوي المتطرف المقارب للنازية، وفي ذات التقسيم ستجد اليمين الديني المعتدل واليمين الديني المتشدد الاقصائي، وبين اليمين الشعبوي العلماني الاستئصالي المتطرف والاخر المتدين الاستئصالي، مفارقات جوهرية تتعلق بالعلاقة مع جوهرانية الدولة من حيث يهوديتها، ففي حين يتعاطى الاول اليهودية كمعطى علماني-علمنة الدين- يتعامل الآخر بالعكس تماما وهو ما يؤسس لصدامات قادمة بين من يقفون على محور اليمين وهكذا بالنسبة لكافة الانقسامات الواردة آنفا. ولقد نجم عن هذه الانقسامات العمودية والافقية تصدعات داخلية تجاوزت الصدع السياسي الى الصدع المجتمعي/ الاجتماعي/ المعاشي المُعاش ومن ذلك- مثلا- أنَّ التصدع المجتمعي في سياقاته الطبقية الاقتصادية المعيشية أدى الى تحميل الطبقة الوسطى العبء الاكبر في صيرورات الحياة الاسرائيلية اليومية مما دفعت ولا تزال عديد هذه الطبقة للهروب الى الخارج وهو ما يسمى اليريداه، فيما التصدع العلماني- الديني- الحاريدي، جاء لصالح تعزيز بطيء ولكن متصاعد للتيار الديني والحاريدي وهو ما يتخلق اليوم انتخابيا في مجموعات اليمين الشعبوي والذي يعتبر الهوية اليهودية أساسا جذريا ومركزيا مُقَدَما على الديموقراطية متجليا بالحاريدية الصهيونية متمثلة بشباب التلال التي ترى بالمؤسسة الحاكمة ظاهرة “كفرية” لها تداعياتها الاجتماعية تلزم بتغيير الوضع، وهو ما يذكرنا بقيام مجموعات متدينة متشددة في خمسينات القرن الماضي سعت لانقلاب على المؤسسة الحاكمة آنذاك. الصدع الطائفي-العرقي القائم اساسا على محور أشكنازي- سفاردي- شرقي وهذا المحور تشظى داخليا من حيث ماهياته المجتمعية المعشية- الاقتصادية الى اشكناز اوروبا الشرقية “المؤسسين” مقابل اليهود الروس الذين بفضلهم تم مدّ هذه الدولة بأنفوزيا الحياة، وقد تعزز هذا الشرخ في العقدين الاخيرين لما هو اكثر عمقا وتشتتا مع وجود نقيض مجتمعي متمثل بيهود الفلاشا- المغايرون دينيا وإن كانوا يهودا اقحاح عن اليهودية الكلاسيكية- يقابلهم يهود الروس الأشد علمانية وشعبوية وخليطا بين اعراق يهودية وغير يهودية، وهو ما دعا رئيس الدولة رؤوفين ريفلين يلقي خطابه الشهير والاكثر وضوحا في تاريخ المؤسسة الاسرائيلية منذ عام 2000، الخطاب المعروف بخطاب القبائل والذي القاه عام 2015 في مؤتمر هرتسليا حيث اشار الى تبدل الخارطة الديموغرافية الاسرائيلية من حيث العلاقات الأيدولوجية والاجتماعية، وفي هذا يقول: ” …في التسعينيات، كان المجتمع الإسرائيلي مجتمعا مكوّنا من غالبية واضحة وصلبة، وإلى جانبها أقليّات. غالبية رسمية صهيونية كبيرة،(علمانية ) وإلى جانبها ثلاث أقليّات: أقلية دينية قومية، أقلية عربية وأقلية حاريدية. هذه الصورة، ربّما تكون قد تجمّدت في ذهن غالبية الشعب الإسرائيلي، والإعلام، والمنظومة السياسية. ولكن الواقع في هذه الأثناء تغيّر جذريّا… اليوم تتألف الصفوف الأولى من نحو 38% من العلمانيين (“الرسميين”)، نحو 15% من المتديّنين القوميين، ونحو ربع من العرب “25% ” وما يقارب الربع من الحاريديم”22%” …. ترتيب لم تعد فيه غالبية ولا أقليات واضحة. ترتيب يتألف المجتمع الإسرائيلي فيه من أربعة قطاعات، وإذا أردنا: أربع “قبائل” رئيسية: العلمانيون، المتديّنون القوميّون، الحاريديم والعرب.”سواء أردنا أم لم نرد، فإنّ “بناية الملكية” للمجتمع الإسرائيلي ودولة إسرائيل تتغيّر أمام أعيننا”.
لقد سعت المؤسسة الاسرائيلية للتعاطي مع راهنها المأزوم من خلال القفازة الديموقراطية عبر ديموقراطية خاصة بالمجتمع الاسرائيلي الجديد الذي يئنّ في الوقت الراهن تحت وطأة الانفصال والاستقطاب الاجتماعي وذلك من خلال الديموقراطية التوافقية (Consensus democracy)، وهي نمط من أنماط الديموقراطية، وما يميز هذه الديموقراطية عدم الاكتفاء بالأغلبية كمعيار وحيد للحكم، وإضافة معيار آخر هو التوافق الذى يتضمن إشراك الأقليات المنتخبة في الحكم، وترتكز الديموقراطية التوافقية على أربعة مرتكزات أساسية: أولا: حكومة ائتلافية أو تحالف واسع يشمل حزب الأغلبية وسواه. ثانيا: الاعتماد على مبدأ التمثيل النسبي في الوزارات والمؤسسات والإدارات والانتخابات. ثالثا: حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات على حد سواء من أجل منع احتكار السلطة. رابعا: الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة بكل جماعة. فيما تتعاطى المؤسسة الاسرائيلية مع الداخل الفلسطيني على اساس من الديموقراطية الاثنية كما اسماها الاكاديمي الاسرائيلي سامي سموحة في ابحاثه ( الديمقراطية الإثينية هو عن نوع من نظام الحكم، أو نوع من الإطار الدستوري، يوجد فيه نوع ما من البنية التحتية لحقوق فردية متساوية، إلا أنّ السيطرة مُمَأسسَة قانونيًّا لصالح مجموعة إثنية واحدة، وهي مجموعة الأغلبية) ولذلك اعتمدت المؤسسة الاسرائيلية مع الداخل الفلسطيني منطق الديموقراطية الأثنية المبنية على تعددية غير متساوية من حيث أساس وجوهر العلاقة وتدميجها بنوع من التعددية المتساوية المحدودة.
الايديولوجيات المتشظية
في السياق التاريخي للحزبية الاسرائيلية المورثة من الصهيونية بوصفها جامع المكونات السياسية اليهودية في فترة ما قبل قيام الدولة سواء في فلسطين او في الشتات سنجد اننا امام ثلاثة أيديولوجيات ما زالت قائمة بشكل او بأخر في الحيز الحزبي الاسرائيلي ولكنها تتميز راهنا بتشظيها الداخلي فالأيديولوجية الدينية متشظية، الحزبية الدينية منقسمة على ذاتها انقساما عميقا يقع على خطوط تماس الطائفة-القبيلة/ الجغرافيا-السياسة، والايديولوجيا الاشتراكية تكاد تختفي من المشهد السياسي الاسرائيلي بل صارت اليسارية سبة في عصر الشعبوية السياسية [الشعبوية: حطاب سياسي وايديولوجي يعتمد العاطفة في الخطاب السياسي لتحييد قوى منافسة] والحزبية اليسارية- الاشتراكية تكاد تنحصر اليوم في الحزب الشيوعي-وليس الجبهة- وميرتس، والايديولوجيا اليمينية-الليبرالية-البرجوازية تتقاسمها احزاب المركز واليمين، واليمين المتطرف وبين هذه التوليفات السياسية تداخلات تفرضها الوضعيات الاسرائيلية الراهنة المرتبطة بالتطورات الحزبية لمجمل الاحزاب وخاصة الليكود برسم انه الحزب الاكبر والاكثر حظوظا في تشكيل الحكومة القادمة ويبدو انه الحزب الوحيد المستفيد حتى هذه اللحظة من هذه التحولات والتشظيات.

زر الذهاب إلى الأعلى