أخبار رئيسيةأخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

عن الفساد والإفساد والفاسدين

حامد اغبارية

“آخر الكلام…

سؤال محيّرني…

من خلال خبرتي المتواضعة في مجتمعنا، هناك سؤال عجزت عن الإجابة عليه، ولا أقول ذلك سخرية…

فإذا جالست أو استمعت لعضو كنيست أو لرئيس بلدية أو مجلس قروي، تجده يتحدث عن الفساد وضرورة محاربته… وكذلك تجد المواطنين في أفراحهم وأتراحهم وجلساتهم وسهراتهم، والمعلمين والمثقفين في ندواتهم ومؤتمراتهم وكتاباتهم، والنساء والشيوخ وطلبة الجامعات والفيسبوكيين كلهم بلا استثناء…

السؤال: من المفسد إذا!؟ لماذا لا يظهر هذا الجني ونقرأ عليه آية الكرسي، ونخرجه من مجتمعنا حتى يعود سخاء رخاء بلا فساد…؟“.

السطور أعلاه هي نص تدوينة للدكتور خالد أبو عصبة، نشرها ليلة أول من أمس؛ الأربعاء على صفحته في منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

حقا! طالما أن الجميع يتحدثون عن الفساد وينبذونه وينفونه ويتحدثون عن ضرورة محاربته، فأين مصدره؟ ومن هو الفاسد؟ وهل نحن غير فاسدين، بصورة أو بأخرى؟

سؤال شديد الأهمية وخطير، والإجابة عليه تحتاج إلى كم هائل من الصراحة ومواجهة الذات والجرأة والتجرد، خاصة وأن الفساد أصبح سمة ملازمة في حياتنا، أفرادا وجماعات، على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي.

ومن وجهة نظري المتواضعة فإن المشكلة تكمن في تعريفنا للفساد.. فعند الكثيرين تبقى المسألة نسبية وليست قاعدة واحدة وتعريفا واحدا؛ تماما مثل الأخلاق. فالأخلاق التي يجب أن تكون واحدة، أصبحت عند المجتمعات اليوم مسألة نسبية، تختلف من مجتمع إلى آخر!! وهنا تكمن القضية. ولعله يخرج من السؤال السابق سؤال آخر: هل الفساد فردي أم جماعي؟ وما تأثير الفردي على الجماعي والجماعي على الفردي؟ عندما توضع محددات وضوابط عامة لمعنى الفساد ومضامينه ربما يمكننا مواجهته.

والفساد أنواع كثيرة: مالي وأخلاقي وسياسي واجتماعي وفكري وسلوكي…

وعندما يتحدث الناس عن الفساد، كما ذكر د. أبو عصبة، في مجالسهم المختلفة، ويدعون إلى محاربته، فإنك يجب أن تفهم تلقائيا أن المتحدث ينفي الفساد عن نفسه، ويوجه رسالة مفادها أنه بعيد كل البعد عن هذا الخُلق والسلوك السلبي والخطير. وهنا نواجه مشكلة، لأن المتحدث يكون عندئذ واحدا من اثنين: إما أنه غير فاسد فعلا، وإما أنه فاسد في جانب من الجوانب، أو في أكثر من جانب، ولكنه يعتقد (أو لا يدري) أنه غير فاسد، وأن ما يمارسه هو شرعي وأخلاقي وإيجابي ولا غبار عليه.

الأصل في تعريف الفساد أنه تعريف واحد لا يتجزأ، وهو في التالي ليس نسبية، بمعنى أنه يتفاوت من شخص إلى شخص ومن مجتمع إلى مجتمع.

هكذا الأخلاق أيضا. فالأخلاق لها قاعدة واحدة حددت لها ضوابطها وحدودها، وهذه القاعدة ربانية، تضمنتها كل الشرائع السماوية، التي جاءت من لدُن عزيز حكيم. غير أن الناس لما ابتعدوا عن طريق تلك الشرائع الربانية، اخترعوا لأنفسهم قواعد جديدة، وأصبحت لكل مجتمع قواعده، التي تختلف في كثير من عناصرها وتفسلاتها عن مجتمعات أخرى، وهنا يكمن المرض.

فأنت تجد مجتمعا ما يمارس أبناؤه العلاقات الجنسية خارج الزواج – على سبيل المثال-ولا يجدون في ذلك حرجا، لأنه أصبح تقليدا وعادة وأمرا متعارفا عليه اجتماعيا، بينما تجد هذه العلاقة تعتبر جريمة أخلاقية واجتماعية ودينية في مجتمعات أخرى تستحق العقاب. هكذا أيضا بالنسبة لشرب الخمرة، والاختلاط الاختياري بين الرجال والنساء، والصداقات بين الشاب والفتاة، والقمار بأنواعه (يسمونه اليوم مراهنات وما شابه ذلك)، وشهادات الزور، والكذب بهدف تحقيق أهداف معينة، وحلف اليمين الكاذبة أمام القضاء، وغير ذلك مما لا يحصى.

كذلك الفساد! فكيف نعرّفه؟

الفساد-باجتهاد متواضع -هو سلوك غير سليم وغير نزيه وغير سوي، شاذ عن الضوابط المتعارف عليها، يمارسه الأفراد، وتمارسه المجتمعات، وتمارسه الحكومات.

فمن الذي يقرر أن هذا السلوك غير نزيه وشاذ وغير سوي؟

لو تركنا التحديد لأنفسنا لاختلفنا من أول لحظة، لأن لكل منا فهمه الخاص، والأهم أن لكل منا مصالحه ورغباته وأهدافه وطموحاته، وكذلك لكل منا نقاط ضعفه التي قد يُخترق من خلالها، فيميل-جراء ذلك-إلى تعريف الفساد بما ينفي عنه هذه الصفة أولا، ثم بما يخدم طموحاته وميوله. وهذا ما يسمى بهوى النفس. لذلك لا بد من جهة فوق هذا كله، تحدد ما هو الفساد ومن هو الفاسد؟ فمن هي هذه الجهة؟ لا بد أن تكون هذه الجهة تملك مفاتيح كل شيء، وتعلم كل شيء، وتعلم ما في النفوس، وما تخفي الأعين، وما يحيك في الصدور، وما يدور في العقول، وما يختمر في القلوب. ذلك هو الله سبحانه، عالم الغيب والشهادة، الذي لا تخفى عليه خافية.

ولقد حدد الله تعالى للإنسان شريعة فيها ضوابط وسلوكيات، وبيّن له الطريق، وأمره ونهاه، ووضع لكل طريق نهاية يصل إليها كل واحد منا، لا مناص منها. ولما أنّ المصدر واحد، فلا شك أن الشريعة واحدة، والمنطلقات واحدة، والضوابط واحدة، والحدود واحدة، والتعريف واحد، ثابت لا يتغير ولا يتبدل.

فالفساد إذًا، هو كل خروج بنيّة مبيّتة عن الضوابط التي حددها الله سبحانه وتعالى.

وقد يأتي من يقول: حسنا! فحسب أية شريعة سماوية (أو دين) نسير؟ الإسلام، أم النصرانية أم اليهودية؟

والجواب ببساطة: الإسلام! لماذا؟ لأن كل الشرائع والضوابط التي جاءت في التوراة والإنجيل، هي في الحقيقة شرائع إسلامية كما أرادها الله تعالى، في الزمن الذي نزلت فيه، ثم جاء الإسلام برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ليتمم ما نقص وما انحرف وما حُرّف مما سبقه من الشرائع، وليضيف عليها ما يصلُح به شأن الناس في دنياهم وآخرتهم. ولا يمكن لمنصف أو عاقل أو متفكّر غير متكبر وغير معاند إلا أن يقول بهذا.

وعلى ذلك فإن الموظف الذي يختلس من الأموال التي اؤتمن عليها، هو فاسد، والبيئة الوظيفية التي تعرف عنه هذا وتسكت، هي بيئة فاسدة.

والمدرّس أو المحاضر الجامعي الذي يغشّش طلابه في الامتحانات هو فاسد، والطالب الذي قبل أن يغش وأن يساعده معلمه في الغش، فاسد، والمؤسسة التربوية التي تقبل بهذا أو تسكت عنه هي فاسدة.

والذي يمارس العلاقات الجنسية المحرّمة (الزنا يعني)، والذي يغش في البضاعة التي يبيعها للناس، والذي يشرب الخمرة، والذي يروج المخدرات، والذي يتاجر بالسلاح، والذي يقتل الناس، والذي يبتز الآخرين بما يعرف بالخاوة، والذي يسرق، والذي يعتدي على حرمات البيوت، والذي يقذف الناس بالباطل، والذي يأكل حقوق العمال، هو فاسد، وكذلك المجتمع الذي يسكت عن هذا هو مجتمع فاسد.

والرئيس المنتخب (سواء كان رئيس دولة أو رئيس شركة أو رئيس سلطة محلية أو في أي منصب رفيع كوزير أو مدير الخ…) الذي يمارس علاقات نسائية مشبوهة، أو يعاقر الخمرة أو يستعمل المخدرات أو يسرق أموال الشعب، أو يقصر في أداء وظيفته متعمدا هو فاسد، حتى لو لبس بدلة وقميصا ناصع البياض وحذاءً لامعا، وتفوح رائحة عطره من مسافة بعيدة. والمجتمع الذي يوصله إلى هذا المنصب، وهو يعلم بفساده، هو مجتمع فاسد كذلك.

والذي يصلي ويحج ويصوم، ولكنه يأكل ميراث أخواته الإناث، ويبتلع في بطنه حقوق أشقائه، هو فاسد.

والذي لا يصلي جحودا فاسد، والذي لا يصلي تكاسلا، فاسد، وإن كان فساده بدرجة أقل من سابقه، والذي لا يصوم بدون عذر فاسد، ولكن الذي لا يصوم بدون عذر ثم يجاهر في إفطاره أشد فسادا. والذي لا يزكي أمواله وقد استحقت عليها الزكاة، فاسد، ولكن الذي يمتنع عن الزكاة غير معترف بحق الله فيها، هو أشد فسادا. والمجتمع الذي لا يذكّره، ولا يأمره بالمعروف ولا ينهاه عن المنكر، هو مجتمع فاسد.

والذي يدعو إلى الفاحشة وإلى الاختلاط المشبوه، فاسد، والمجتمع الذي يؤيده فاسد، والمجتمع الذي يسكت عن هذا فاسد.

والذي يقول إن الاحتكام إلى القوانين الوضعية، أفضل من الاحتكام إلى شرع الله فاسدٌ، والذي يؤيده في هذا فاسد، والمجتمع الذي يقرّه على هذا، ولا يأمره ولا ينهاه فاسد كذلك.

والقائمة طويلة لا تنتهي..

فالفساد إذًا فرديٌّ وجماعي في ذات الوقت، وهما متداخلان لا ينفصمان، فهذا يدعم هذا أو يمنعه، وذاك يدعم هذا أو يمنعه. ولو أن المجتمعات تعارفت على وحدة تعريف الفاسد والفساد والإفساد، وأقرت بأن مصدر هذا التعريف واحد لا يتغير (وهو التعريف الرباني الصريح والواضح)، ثم أخذت الأمور بجدية وبقوة وبصدق وبمسؤولية، لما فسد الأفراد، فإذا لم يفسد الأفراد وصلح حالهم، وجدت مجتمعا خاليا من الفساد، صالحا.

ولعل من أسباب انتشار الفساد في المجتمعات (مع التفاوت بينها) غياب الوازع الدين الأخلاقي. وينتج عن هذا غياب الخشية من العقاب الرباني، وغياب الأمانة، والخوف من مواجهة الفاسدين، والمصلحة الشخصية المرتبطة بالفاسدين، ووجود بيئة مجتمعية تساعد على الفساد، لأنها فاسدة بعينها، والكيل بمكيالين من جانب النظام الحاكم في التعاطي مع قضايا الفساد. ولكن أهم ما في المسألة وأخطره هو أن الفاسد لا يعترف بفساده، ويجد من يدافع عنه، ومن يزين له فساده، ومنهم من أقنع نفسه بأنه، بسلوكه هذا، لا يمارس فسادا، وإنما يمارس حقا له، أو أنه يعتبر سلوكه هذا فهلوة وشطارة وحنكة. ومنهم من يفرّق بين السلوك الشخصي وبين السلوك العام، فتجد دولة مثل أميركا مثلا يقف رئيسها أمام شاشات التلفزيون، ويعترف أنه دخن الحشيش والمخدرات، أو مارس الفاحشة مع سكرتيرته، ومع ذلك يقولون إنه هو فقط المناسب للمنصب لأنه محنك سياسيا، وقوي الشخصية، وخطيب مفوّه، ويملك كاريزما (جاذبية)، ووسيم الخلقة، وابتسامته جذابة، فينتخبونه مرة ومرتين دون حرج، بدلا من أن يضعوه على فوّهة مدفع ويرسلوه إلى الفضاء، أو على الأقل يقيلوه من المنصب، أو يقدموه للقضاء. ونحن طبعا عندنا في بلادنا (بلاد السمن والعسل!!) من هالخروب سدّة مليانة، وفي مجتمعنا الصغير كذلك.

وللحديث صلة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى