أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

شهيد الريشة وشهيد القلم

الشيخ كمال خطيب

قبل ثلاثة أيام وتحديدًا يوم 29/8 كنا على موعد مع ذكرى اغتيال وإعدام الشهيدين ناجي العلي والذي تم اغتياله في لندن يوم 22/7/1987 لكنه بقي في حالة حرجة حتى لفظ أنفاسه وفاضت روحه يوم 29/8/1987. وأما الذكرى الثانية وفي نفس اليوم، فإنها ذكرى إعدام الشهيد سيد قطب يوم 29/8/1966. أما ناجي العلي فإنه دفع ثمن ما رسمته ريشته من رسومات كاريكاتورية سياسية، وأما سيد قطب فإنه دفع ثمن ما خطه قلمه من مؤلفات وكتب فكرية. إنهما شهيدي الريشة والقلم.

# ناجي العلي، شهيد الريشة

إنه الشهيد ناجي سليم حسين العلي المولود عام 1937 في قرية الشجرة الفلسطينية التي هُجّرت عام 1948، والمتوفى اغتيالًا في لندن عام 1987. ناجي العلي ابن النكبة، ابن مخيم عين الحلوة في لبنان ثم ابن الشتات الفلسطيني من الكويت حتى انجلترا، وبينهما محطات كثيرة حطت فيها أقدام ناجي العلي ليس فقط ليبحث عن لقمه العيش، وإنما ليبحث عن حرية الريشة يعبر من خلالها عن أحاسيسه ومشاعره بل وعن غضبه على الزمن العربي الرديء.

لقد أبدعت ريشه ناجي العلي حتى جعلته من أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي بل والعالم أجمع. هذه الرسومات التي كان يوقعها ناجي العلي بلوحة “حنظلة” هذا الطفل الفلسطيني العاقد يديه خلف ظهره، لكنه القوي الصامد رغم عذاباته وكثرة مآسيه. ومثل حنظلة فإنها فاطمة في إشارة إلى المرأة الفلسطينية الصامدة القوية الملونة بلون الجبل والسهل في فلسطين، بلون الأرض والسماء فيها.

انطلقت رصاصات الغدر صباح يوم 22/7 لتصيب ناجي العلي في عنقه، لكنها لم تقتله على الفور وإنما أبقته في عذابات وآلام ومعاناة لأكثر من شهر، حيث انتقل إلى جوار ربه يوم 29/8/1987. وليس أن ناجي العلي لم يدفن في قرية الشجرة وفي فلسطين التي حلم أن يعود إليها، بل إنه لم يتحقق له أن يدفن حتى في مخيم عين الحلوة في لبنان قريبًا من قبر والده كما أوصى، وإنما دفن هناك في بلاد الغربة والشتات في لندن. وليتبين لاحقًا أن قاتل ناجي العلي فلسطيني مأجور يدعى إسماعيل حسن صوان وإنه كان يعمل عميلًا مزدوجًا لإسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كان يرأسها آنذاك ياسر عرفات.

ليس تبرئة للموساد من دماء الفلسطينيين والعرب والمسلمين الكثيرة التي أسالها، ولكن للأسف فإن فلسطينيين هم من ضاقوا ذرعًا بريشة ناجي العلي. لقد قرأت بل إنني سمعت من ألسنتهم إلى أذني من أم خالد زوجة ناجي العلي ومن ابنه خالد، حيث تربطنا بهم قرابة حيث ناجي العلي ووالده سليم حسين العلي هم أبناء عم جدتي لأبي المرحومة ندى ياسين. فخلال زيارتي لهم في بيتهم في لندن في العام 2000، وخلال زيارتهم لبيت والدي في قرية العزير ولأكثر من مرة، فإنهم قد تحدثوا عن تهديدات من جهات فلسطينية كانت تطالبه بتغيير أسلوبه وتخفيف، لا بل الامتناع عن استمرار انتقاد سياسة منظمة التحرير الفلسطينية ومن يقف على رأسها آنذاك.

لقد ترك ناجي العلي ميراثًا من اللوحات والرسومات الكاريكاتورية رسمتها ريشته بلغت أربعين ألف رسمة، لكن قلم ناجي العلي ولسانه قد كتب ونطق من العبارات ما هي أقوى من الرسومات، وهي كما يبدو كانت تشير إلى شخصية ناجي العلي الجريء الصادق مع نفسه، والذي يرفض التلون والتذبذب والارتزاق من كلمة على حساب مبادئه مهما كان الثمن، فهو القائل “اللي بده يكتب عن فلسطين واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي”. نعم لقد أصابتك رصاصات الغدر في الرقبة يا ناجي، ولم تكن قادرًا على أن تجعلك تتخلى عن مبادئك. إنهم الذين قتلوك ومشوا في جنازتك كما يقول المثل الفلسطيني “بقتلوا القتيل وبمشوا بجنازته”. أولئك الذين أتوك قبل أسابيع من اغتيالك من المسؤولين الفلسطينيين الكبار للتلويح لك بضرورة أن تغير مسار ريشتك ولهجاتها الناقدة الحادة وإلا……

ناجي العلي قتلته ريشته قبل أن تقتله رصاصات الغدر في شوارع لندن. ناجي العلي قتلته لوحاته الناقدة اللاذعة التي حاول أن يعبر من خلالها عن خيانات وانحرافات والسياسات المشبوهة لأدعياء الوطنية والقومية يومها.

إنهم لم يحتملوا التعبيرات الصامتة لريشة ناجي العلي كتلك التي رسمها وكتب تحتها “لا لكاتم الصوت” في إشارة إلى أنظمة الحكم القمعية الدموية، وإذا بهم يرسلون لها قاتلًا مأجورًا مع مسدس كاتم للصوت، به يقتلون ناجي ويخرسون ريشته بل لتشرب كثيرًا ليس من الحبر، وإنما من الدم دم ناجي العلي.

# سيد قطب، شهيد القلم

إذا كان ناجي العلي قد تم اغتياله ثم كانت وفاته يوم 29/8/1987 فإنه وفي نفس اليوم قبل 21 سنة أي في 29/8/1966 فقد تم إعدام سيد قطب شنقًا في القاهرة بأمر صدر عن جمال عبد الناصر.

سيد قطب الكاتب والمفكر ومفسر القرآن الذي دفع حياته ثمنًا لعقيدته ودعوته، وثمنًا لمصداقية وطهارة قلمه الذي رفض أن يكون صاحبه من كُتاب البلاط ومدّاحيه.

سيد قطب الذي انتمى لجماعة الإخوان المسلمين يوم كان في أمريكا مبتعثًا من وزارة المعارف المصرية للاطلاع على مناهج التعليم. وخلال وجوده هناك وقعت حادثة اغتيال الشهيد حسن البنا يوم 12/2/1948، وقد رأى بعينيه وسمع بأذنيه ابتهاج وفرحة الأمريكيين العارفين بالشرق الأوسط عندما سمعوا بمقتل الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ليكون هذا الحدث دافعًا له بالعودة إلى مصر والسؤال والبحث عن أتباع حسن البنا، ولم يكن التقاهم من قبل ليدرك بعقله الثاقب أن جماعة يقتل الإنجليز مرشدها، ويفرح الأمريكان لمقتله فلا بد أنهم يحملون رسالة خير وحق للأمة، فكانت هذه نقطة البداية في مسيرة سيد قطب في جماعة الإخوان المسلمين ليصبح أحد أفرادها بل أحد منظّريها ومفكّريها ثم ليكون بعد ذلك أحد شهدائها.

سيد قطب الذي قال كلمته المشهورة: “إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة”. سيد قطب الذي رأى انقلاب جمال عبد الناصر على محمد نجيب الرئيس المصري الأول بعد الثورة وخلع الملك فاروق ثم إشهاره سلاح البطش والاعتقال في وجه جماعة الإخوان المسلمين التي شكلت القاعدة الشعبية الأساسية التي احتضنت ثورة يوليو، وحيث كل خطوات الثورة والإطاحة بالملك فاروق كانت بالتنسيق التام مع الاستاذ حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين. من خلال ضباط الإخوان الذين كانوا ضمن قيادة الثورة.

لقد انقلب عبد الناصر على من أوصلوه تمامًا كما فعل السيسي بمن اختاروه وزيرًا للدفاع وقام عبد الناصر بإعلان حلّ جماعة الإخوان المسلمين في العام 1954 واعتقال قريبًا من أربعين ألفًا من أبنائها، وكان سيد قطب أحدهم وقد حكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، قضى منها عشر سنوات ثم أفرج عنه بسبب وضعه الصحي حيث كان يعاني من مرض السكري، وذلك بعد تدخل الرئيس العراقي عبد السلام عارف.

بعد عام واحد فقط من إطلاق سراحه تم إعادة اعتقاله يوم 9/8/1965، وبعد عام من اعتقاله الثاني وتحديدًا يوم 21/8/1966 صدر القرار بحكم الإعدام شنقًا، وتم تنفيذ الحكم يوم 29/8/1966 رغم تدخل العديد من القادة العرب والمسلمين كان في مقدمتهم المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز، والذي أرسل برقية لعبد الناصر الذي كان متواجدًا في موسكو والذي بعد تنفيذ الإعدام فقد أرسل الى الملك فيصل برقية اعتذار بأن رسالته قد وصلت متأخرة، والحقيقة أنها وصلت قبل تنفيذ الإعدام لكنه المكر واللؤم.

إن سيد قطب لم يرتكب جرمًا ولا خيانة ولم يمتلك سلاحًا يشهره في وجه أبناء مصر، وإنما هو الذي امتلك قلبًا صادقًا حرًا جريئًا كتب من خلاله ما اعتقد أنه الحق في مواجهة ما رآه من سياسات غاشمة وخاطئة كان يقوم بها عبد الناصر.

هذا القلم الذي رفض سيد قطب أن يساوم به وأن يجامل أولئك الطواغيت، وإن كان الثمن أن يُعلّق على أعواد المشانق ليكون فعلًا وحقًا شهيد القلم كما كان ناجي العلي شهيد الريشة. فقبل إعدامه أرسلت له أخته رسالة تطلب منه أن يخط بقلمه رسالة يطلب فيها العفو من عبد الناصر، فرد عليها بكلمات خطها قلمه “إن إصبعي هذه التي تشهد لله بالوحدانية لتأبى أن تكتب كلمة واحدة أُقرّ بها حكم طاغية، فإن أنا سجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق، وإن كنت مسجونًا بالباطل فأنا أكبر من أن أسترحم بباطل”.

لقد خط سيد قطب بقلمه عشرات الكتب والتي ترجمت لعشرات اللغات في العالم، وقد وصل بعضها لأن تعاد طباعتها لأكثر من خمس وعشرين مرة. سيد قطب الذي تتبع فكره ومكتبته مئات الباحثين والمتابعين، وقد صدرت أبحاثهم في عشرات بل مئات رسائل الماجستير والدكتوراه وما زالت تصدر.

لقد كتب سيد قطب بقلمه عن جرح فلسطين ونكبتها، وكتب عن هموم الأمة كلها، وكتب لجيل الدعوة وأبناء المستقبل، يوجههم بكل صدق وجرأة يقول لهم:

أخي أنت حرٌ وراء السدود أخي أنت حرٌ بتلك القيود. إذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يضيرك كيد العبيد

لقد أعدموا سيد قطب بزعم أنه أمريكي الوجهة، وهو الذي ألف كتابه الشهير “أمريكا من الداخل” فيه يظهر معايب أمريكا وحتمية سقوطها، وقد قال: “وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني بلا قوة في الأرض تُخشى ويعمل لها حساب”. وهو الذي قال كذلك “إن الإسلام الذي يريده الأمريكان وحلفاؤهم في الشرق الأوسط هو ليس الإسلام الذي يقاوم الاستعمار ويقاوم الطغيان، ولكنه الإسلام الذي يقاوم الشيوعية. إنهم لا يريدون الإسلام أن يحكم، إنهم يريدون إسلامًا أمريكيًا يستفتي في الطلاق والوضوء والحيض والنفاس. أما الإسلام الذي له رأي في حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإنه مرفوض أمريكيا. إنها لمهزلة بل إنها مأساة”.

وها نحن نرى اليوم أن أكثر الناس قربًا وتبعية لأمريكا هم أكثرهم عداء عند الإخوان المسلمين وفكرهم. هذا لسان حال السعودية والإمارات والسيسي وغيرهم من الطواغيت، فكيف للإخوان المسلمين أن يكونوا مع أمريكا وأشد الناس عداوة لهم هي أمريكا وعملائها؟

إنه سيد قطب رحمه الله أُعدم من أجل حرية قلمه ولم يساوم. وإنه ناجي العلي الذي اغتيل من أجل حرية ريشته ولم يساوم. نعم أعدم واغتيل سيد قطب وناجي العلي شهيدي القلم والريشة، لكن كلماتهم ورسوماتهم ما تزال حية كما قال سيد قطب “إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة”.

الرحمة لسيد قطب وناجي العلي، واللعنة على قاتلهم.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

زر الذهاب إلى الأعلى