أما آن أن تعودوا عن المشاركة في انتخابات الكنيست؟!

أكتب هذا المقال لا بهدف التّنظير ولا المزايدة ولا إعطاء شهادات وطنيّة لأحد، بل تأكيدًا على حقي لِحقّي في التّعبير عن رأيي وموقفي واحتجاجًا على الأقلام والأصوات التي تتطاول عليّ وعلى المقاطعين لانتخابات الكنيست.
فمن حقّي الكامل أن اتّخذ الموقف الذي أراه مناسبًا وينسجم مع قِيَمي وثوابتي الوطنيّة والاجتماعيّة الّتي ترعرعتُ عليها، وبنيت هُوِيّتي الوطنيّة على أساسها، وأيضًا استنادًا إلى تجربتي السّابقة في انتخابات الكنيست، ابتداءً من مراقب صندوق وحتى مسؤول منطقة انتخابيّة.
أكتب مقالي هذا لأردّ على كل متطاول عليّ لأنّي مقاطع الانتخابات وأدعو إلى المقاطعة تصويتًا وترشّحًا، ونعتي تارةً ب ِ”المزنبط” أو المعوّق وحتّى التّخوين، وأطلب قليلًا من الأدب والخُلُق في التّعاطي معي كجزء من هذا الشعب الأصيل، يعيش نفس الآمال والآلام.
ما يمنع الأحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست أن تعود عن قرارها وقد فشلت، مع وجودها في الكنيست عشرات السنوات من الحيلولة دون هدم بيت أو منع إصدار قانون عنصري.
ما يمنع الأحزاب المشاركة في الكنيست أن تعود عن قرارها وهي تعلم أنّ تكبير وصياح بعض أعضاء الكنيست من على منصّة الكنيست يصل إلى أروقة الكونغرس والاتحاد الأوروبي والمحافل الدوليّة كدليل قاطع على نظافة وحريّة التّعبير والدّيمقراطيّة لدى المؤسّسة الإسرائيليّة وتبييض مجّاني لصورة ونهج الحكومات الإسرائيلية المتعاقِبة، وبعد ذلك “مين سائل؟” عن هدم البيوت ومصادرة الأراضي والملاحقات السياسيّة، وقائمة الظّلم طويلة…
ما يمنع الأحزاب المشاركة في الكنيست أن تعود عن قرارها وهي مُرغَمَة أن تقرّر مشروعيّة القوانين التي تمرّر “ديمقراطيًّا” بمشاركتها، وإن اعترضت في التّصويت، مثال بارز على ذلك قانون القوميّة الذي أطاح بشعار “دولة لكل مواطنيها”، وقوانين عنصريّة تَحْرِمُ الفلسطيني من الحصول على أدنى حقوقه الوطنيّة المكفولة “أخلاقيًّا” وعلى مستوى القانون الدّولي كحق العودة، ثمّ أنت مطالب إذا كان هناك تشريع من الكنيست ينصّ أنّك العربي الفلسطيني المتواجد هنا تُعتبر “نصف إنسان” أن تُقِرّ وتعترف بذلك لكي تشارك في الكنيست التي شرّعت هذا القانون… “والشاطر يفهم”.
ما يمنع الأحزاب المشاركة في الكنيست أن تعود عن قرارها، أَهِيَ الامتيازات والاغراءات الماليّة؟ّ (معاش عضو الكنيست الشهري يزيد عن 48ألف شيكل، ومليون شيكل أو يزيد ميزانية للقائمة عن كلّ عضو، و60 ليلة مبيت في فندق بمستوى 5 نجوم للعضو، وحصانة برلمانية ومعاملة خاصّة على الحدود، 12 ألف شيكل منحة للعضو الجديد.
مستشارون وموظّفون مدفوعو الأجر لكلّ عضو، أكثر من 5 آلاف شيكل رسوم سكن لمن يستحقّ، وغيرها من الامتيازات).
ما يمنع الأحزاب المشاركة في الكنيست أن تعود وقد أثبتت من خلال جهود الدّعاية الانتخابيّة أنّ كثيرًا من القيادة والفعّالين السّياسيّين يملكون قدرات هائلة في التواصل مع الأهل، اجتماعات يوميّة، مهرجانات، زيارات للبيوت، تواصل مع الأهل ليلًا ونهارًا من شمال البلاد إلى جنوبها.
فَلَوْ أعطوا أقلّ من رُبع ذلك من الجهود خلال العام، متكاتفين، مع جهود الفعاليّات السياسيّة الأخرى، خاصّةً المقاطِعة، يجتمعون من خلالها على برامج نوعيّة مخطّطة لكلّ قطاعات شعبنا في البلاد، ويشاركون الإنسان الفلسطيني هَمَّهُ اليومي وينظّمون
مهرجانات ومظاهرات وفعاليّات توعويّة متواصلة، لكان خيرها أكبر بكثير من تأثير يرجون به الكنيست، فبالنّهاية هَمُّ شعبنا يتجاوز نقطة ضريبيّة هنا أو تسهيل ميزانيّة أو شارع أو بناء مركز ثقافي هناك، فهذه جزء من خدمات يستحقّها المواطن دافع الضّرائب عبر السّلطات المحليّة المنتخبة لخدمة الجمهور.
عندما تعودوا إلى الميدان بعيدًا عن الفنادق وأروقة الكنيست قد نكون في مكان نبدأ به إلى حيث تُسيّرنا البوصلة الأصيلة، فننعم بمشاركة الهَمّ والأمل وممارسة النّضال الحقيقي المشروع الّذي حتمًا سيوصلنا إلى ما نحب أن نصل جميعًا ككلّ فلسطيني في هذه الدّيار.
وعَوْدًا على بدء: أما آن أن تعودوا عن المشاركة في انتخابات الكنيست؟!
