أخبار وتقاريرمقالاتومضات

المطلوب صناعة الصمود في وجه صناعة الخوف

الشيخ رائد صلاح

كان ذلك ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عندما كان العامل الكادح من مجتمعنا مضطرًا أن يحمل اسمًا مزدوجًا، ففي تلك السنوات قد يكون اسمه الذي سماه والداه (محمد) أو (أحمد) أو (محمود) أو (علي) أو (عمر)، ثم إذا سافر إلى تل أبيب أو أية مدينة يهودية أخرى طلبًا للرزق في ورشة بناء أو مطعم أو مصنع أو دكان، كان يطلق على نفسه اسم (موشيه) أو (يوسي) أو (آفي) أو (شلومو) أو (عوفاديا). وهكذا كان يعيش مزدوج الاسم ما بين بلدته العربية الفلسطينية مسقط رأسه وانتمائه وهويته، والمدينة اليهودية التي يعمل فيها كادحًا طلبًا للرزق، فقد يكون اسمه في بلدته (محمد) واسمه في موقع عمله (موشيه)، وقد يكون اسمه في بيته وبين والديه وإخوته وأخواته (أحمد)، واسمه في المطعم الذي يعمل فيه لإعالة أسرته (يوسي)، وقد يكون اسمه على لسان أقاربه وجيرانه (محمود)، واسمه في المصنع الذي يعمل فيه سترًا لعياله (آفي)، وقد يكون اسمه المسجل على بطاقته الشخصية (علي)، واسمه في (سوق الكرمل) (شلومو)، وقد يكون اسمه عند عقد قرانه (عمر)، واسمه في موقع بناء عمارة شاهقة يهودية (عوفاديا).

وكان ملزمًا أن يحسن استخدام كل من اسميه في الوقت المناسب والمكان المناسب، لماذا؟ بدافع الخوف في غالب الأحيان حتى لا يتعرض لأذى إذا ما كشف عن اسمه الذي حمله يوم ميلاده، أو بدافع الحرص على بقائه في موقع عمله حتى لا يتعرض للطرد منه، أو حتى يحظى برضا السيد صاحب موقع العمل الذي يعمل فيه، طامعًا أن يتقدم في عمله مع الأيام وأن يزداد راتبه. وكان هذا الدافع الثالث دافعًا استثنائيًا شاذًا، وفي الغالب كان دافعه من تغيير اسمه اتقاء الأذى أو الطرد من موقع العمل.

وهذا يعني أن وكلاء صناعة الخوف في مسيرة حياتنا اليوم ليسوا أبناء اليوم والأمس القريب فقط، ولا أبناء الحكومة الإسرائيلية الحالية الأشد تطرفًا، كما يحلو للبعض منا أن يصفها بذلك، ولا أبناء اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يتحدث عنه البعض منا وكأنه ولد قبل بضعة أشهر.

وكل عاقل منا إذا درس سيرورة حياة مجتمعنا ما بعد نكبة فلسطين حتى الآن، سيجد أن وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي قد كانوا في يوميات نكبة فلسطين، وظل وجودهم دائمًا وناميًا ما بعد نكبة فلسطين حتى الآن، ولم يغيبوا عن المشهد الإسرائيلي اليومي في يوم من الأيام.

ولذلك أسفي على البعض منا الذي يطل علينا الآن فجأة، ظانًا ومدعيًا أن وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي قد ولدوا مع ظهور عنتريات بن غفير وسموتريتش.

بل كانوا منذ يوميات نكبة فلسطين، ثم تغلغلوا في عصب الحياة الإسرائيلية على الصعيد الرسمي والشعبي، وعلى الصعيد المخابراتي والعسكري، وعلى صعيد المحاكم والقضاء. ولا يزالون يتغلغلون حتى الآن، ولا يزالون يصبغون المجتمع الإسرائيلي بلونهم العنصري، امتدادًا لوجودهم ودورهم منذ النكبة حتى الآن.

وأنا من الشباب الذين عملوا في مواقع عمل مختلفة في تل أبيب وغيرها، حيث عملت في مطعم كسيت، ومطعم تيڤولي، وفي دكان في تل أبيب، وعملت في محددة ومصنع مخللات في الخضيرة. وكنت كغيري نستمع لروايات من كانوا أكبر سنًا منا، فحدثونا عن الأيام التي كانوا يتعرضون فيها للمضايقة والإهانة من أذرع رسمية إسرائيلية، عُرفت ما بين الخمسينيات والستينيات باسم (الهايجا)، وحدثونا عن الأذى الجسدي الذي كان يلحق ببعضهم على أثر أي عملية كانت تقوم بها بعض التنظيمات الفلسطينية، وحدثونا كيف كانوا يطاردون في مواقع نومهم من قبل بعض الأذرع الرسمية الإسرائيلية، حيث كانت تلك الأذرع الرسمية الإسرائيلية تقتحم عليهم المخازن التي كانوا ينامون فيها، ثم تقوم بتفتيشهم ومساءلتهم، وقد تقوم بضربهم.

ومع كل ذلك الأذى بكل الألوان وأساليبه، أصر الأجداد والآباء منا على مبدأ الصمود في الأرض والبيت والمقدسات، متمسكين بانتمائهم الإسلامي العروبي الفلسطيني، واختاروا ذلك الموقف الصواب بعنوان “مبدأ الصمود” على الفطرة، في وقت لم يكن فيهم إلا العدد النادر من أطباء أو محامين أو مهندسين، ولعله في تلك الأيام لم يكن فيهم محاضر جامعة ولو واحدًا، ولم يكن فيهم باحث في أي مركز دراسات، ولم يكن فيهم هيئة حقوقية، ولا أسرة إعلامية، وكان النادر من يتحدث اللغة العبرية، وكان الأندر منهم من يتحدث اللغة الإنجليزية، وبطبيعة الحال لم تكن قد تخلقت فيهم لجنة المتابعة العليا، ولا اللجنة القطرية، ولا القائمة المشتركة، ولا القائمة الموحدة، ولا أي لجنة تُعنى بشؤون الأسرى السياسيين، ولم يكونوا في تلك اللحظات قد مدوا أيديهم إلى الصناديق المانحة الملغومة سواء كانت عربية أو غربية.

ومع ذلك صمدوا في وجه وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي، وها هم معظم أجدادنا وآبائنا -رجالًا ونساءً- قد دفنّاهم بأيدينا، وأرجو ألّا ندفن معهم مبدأ الصمود الذي صنعوه في مواجهة وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي، وهكذا رسخوا تلك المعادلة بأظافرهم وأسنانهم وخفقات قلوبهم وعرق جبينهم، تلك المعادلة التي تقول قولًا حقًا، وتعمل بهذا القول الحق: صناعة مبدأ الصمود في مواجهة صناعة الخوف.

وها نحن اليوم استلمنا أمانة هذه المعادلة منهم بعد أن ماتوا موت الصامدين، فماذا نحن فاعلون اليوم، وقد استفحل عدد وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي، واستفحلت وسائل تدويرهم لصناعة هذا الخوف في الداخل الفلسطيني ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية، وفي غزة المحاصرة والضفة المطاردة والقدس والمسجد الأقصى المباركين، وها هي مفاعل صناعة الخوف لم تبق كما كانت عليه في الماضي في تل أبيب وسائر المدن اليهودية، ولم تبق محصورة في ورش العمل، بل ها هم وكلاء صناعة الخوف من المجتمع الإسرائيلي باتوا يقيمون لهم مفاعل صناعة الخوف في كافة بلداتنا في الداخل الفلسطيني، والشواهد على ذلك كثيرة.

فها هم هؤلاء الوكلاء قد اقتحموا سهرة عرس في أم الفحم، وبعثروا ما فيها من زينة وطاولات وكراسي وأدوات طعام، وأحالوا تلك السهرة إلى مفعل لصناعة الخوف، وكان عنوان ذلك الاقتحام أن وضعت موظفة إسرائيلية حذاءها على رأس رجل كبير في السن كان في تلك الفرحة. لماذا؟ وما الهدف؟ حتى نفرح ونحن خائفون؟

وها هم هؤلاء الوكلاء قد اقتحموا مجموعة من مدارسنا في أم الفحم وطوبا الزنغرية والقدس المباركة، مدعين أن هذه المدرسة تربي على الإرهاب، وتثقف على الإرهاب، وتُخرج طلابًا إرهابيين وأجيالًا إرهابية. لماذا هذا الاقتحام وما هدفه؟ حتى يعلم معلمنا وهو خائف، وحتى يدير مديرنا مدرسته وهو خائف، وحتى يدخل طالبنا إلى مدرسته وهو خائف، وحتى يتعلم فيها وهو خائف، وحتى يتخرج منها وهو خائف.

وها هم هؤلاء الوكلاء باتوا يحرضون على هدم مئات البيوت من بيوتنا التي كان بعضها قبل نكبة فلسطين، أو كان بعضها قبل أربعين عامًا أو أكثر. وها هم قد باتوا يرافقون معاول الهدم الإسرائيلية الرسمية التي كانت ولا تزال تهدم بعض بيوتنا وهم في نشوتهم فرحون. وها نحن قد بتنا نسمع عن هدم العشرات من بيوتنا في النقب وأم الفحم وكفر قاسم ومصمص وبرطعة. وها نحن قد بتنا نسمع عن صدور أوامر هدم في حق المئات من بيوتنا في النقب وطمرة والطيبة وسائر بلداتنا. لماذا كل ذلك وما الهدف؟ حتى نبني بيوتنا ونحن خائفون، وحتى نسكنها ونحن خائفون، وحتى نبني فيها أسرنا ونحن خائفون، وحتى نغادرها نهارًا وننام فيها ليلًا ونحن خائفون.

وها هم هؤلاء الوكلاء قد شرعوا لأنفسهم في الكنيست الإسرائيلي قانونًا سموه قانون المؤذن، وخلاصة هذا القانون أنه سيطارد المساجد، وسيطارد مآذن المساجد، وسيطارد أذان المساجد، ومؤذني المساجد، والمصلين في المساجد، والمعتكفين في المساجد، وقائمي الليل في المساجد، وحلقات الذكر في المساجد.

لماذا كل ذلك، وما الهدف؟ حتى ندخل المساجد ونحن خائفون، وحتى نصلي فيها ونحن خائفون، وحتى نؤذن فيها ونحن خائفون، وحتى نصلي فيها صلاة الجمعة أو صلاة العيد أو صلاة الجنازة ونحن خائفون. وها هم هؤلاء الوكلاء بدأوا يفرضون على بلداتنا في الداخل الفلسطيني عبثية حواجز التفتيش الطيارة، حيث بات الأهل يفاجأون بنصب حاجز تفتيش فجأة في أحد أحياء مدينة أم الفحم على سبيل المثال. لماذا؟ وما الهدف؟ ولماذا الآن؟ ولماذا في هذا الحي؟ ولماذا في هذا الشارع من هذا الحي؟ لا أحد يعرف. يعيش الأهل بسبب هذا الحاجز في عذاب مذل، ما بعده عذاب، حيث يتعرض المارون عن هذا الحاجز للتفتيش المذل، وتتعرض السيارات الملزمة بتجاوز هذا الحاجز للتفتيش المهين، لدرجة أن الأذرع الرسمية المشرفة على هذا الحاجز تقوم بإنزال كل ما في السيارات من أدوات وأثاث، وقد تتكسر هذه الأدوات وهذا الأثاث، ثم بعد أن تقوم بإنزالها من السيارة وبعثرتها في الشارع العام، تلزم صاحب السيارة أن يعيدها إلى السيارة بيديه، وإلا إذا رفض قد يلحق بالمعترض على هذا الحاجز الطيار الإهانة أو الضرب أو توجيه تهمة من لا شيء تقذفه في غيابات السجون.

لماذا هذه الحواجز الطيارة؟ وما الهدف؟ حتى نسير في شوارع بلداتنا ونحن خائفون، وكأنه لا يكفينا غول العنف الذي يترصد بنا في كل لحظة، وحتى نتنقل بسياراتنا بين حارات بلداتنا ونحن خائفون، وكأن المطلوب منا أن نسير على رؤوس أصابع أقدامنا حذرًا وخوفًا، وكأن المطلوب منا أن نزور الجيران والأصحاب وذوي القربى في بلداتنا ونحن نتلفت ذات اليمين وذات الشمال حذرًا وخوفًا، بل أن نتلفت إلى الأمام تارة وإلى الخلف تارة أخرى حتى نأمن ويلات هذه الحواجز الطيارة. وها هم هؤلاء الوكلاء بدأوا يطاردون طلابنا الجامعيين في جامعاتهم، وبالذات يطاردون الأخت الحرة التي تلبس جلبابًا وحجابًا في الجامعة، حيث باتت تُتهم بتهم رخيصة هابطة، وبات يُدّعى عليها أنها قد تخبئ تحت حجابها أوراقًا أو أجهزة تساعدها على معرفة أجوبة الامتحانات.

وهكذا باتت هذه الأخت الحرة تتعرض لهذه الاتهامات المهينة، ثم قد تتعرض للتفتيش المهين. لماذا كل ذلك؟ وما الهدف؟ حتى يدخل طلابنا وطالباتنا الجامعات وهم خائفون، وحتى يتقدموا لكل امتحان وهم خائفون، وحتى ينجحوا ويتقدموا في دراساتهم وهم خائفون، وحتى يبدعوا في تخصصاتهم وهم خائفون، وكأن المطلوب منهم أن يتنكروا لذواتهم وأن ينسلخوا عن جلدهم وأن يفكوا كل ارتباط لهم مع ثوابتهم الإسلامية العروبية الفلسطينية.

وها هم هؤلاء الوكلاء قد بدأوا يطاردون المبدعين من مجتمعنا في كافة مواقع إبداعهم، حيث باتوا يطاردون المبدع منا رئيس قسم في إحدى المستشفيات، لا لسبب إلا لأنه ناجح مبدع، وباتوا يطاردون المبدع منا المحاضر في إحدى الجامعات أو رئيس قسم في إحدى الجامعات، لا لسبب إلا لأنه ناجح مبدع، وكأن النجاح بات تهمة في حسابات هؤلاء الوكلاء، وكأن الإبداع تحول إلى إرهاب في موازين هؤلاء الوكلاء، وكأن المطلوب منا أن نبقى سقاة وحطابين، كما دعت إلى ذلك بعض أسفار التناخ، وكأن المطلوب منا أن نظل فاشلين حتى يمنحنا هؤلاء الوكلاء وسام المواطن الصالح. يا للهول! هل هناك تفاهة أتفه من هذه التفاهة؟ هل هناك تخلف أقبح من هذا التخلف؟ هل هناك عنصرية أردأ من هذه العنصرية؟ لماذا كل ذلك وما هو الهدف؟ هل هو حسد من عند أنفس هؤلاء الوكلاء، لأن فينا عشرات الآلاف الناجحين المبدعين، أم هي سياسة الضغط والتضييق حتى يفر هؤلاء الناجحون المبدعون منا إلى خارج وطنهم، وأن يستقر الطبيب منهم في إحدى مستشفيات أهل الأرض مهاجرًا مطاردًا، وأن يستقر محاضر الجامعة منهم في إحدى جامعات أهل الأرض أو أحد مراكز دراساتها، ليتحدث عن كل شيء وليبحث عن كل شيء إلا عن نفسه ومجتمعه وقضيته؟ وهل هي سياسة تفريغ صامتة لمجتمعنا من قدراته الخلاقة المبدعة حتى يتعمق فيه التفكك والفردانية أكثر مما هو عليه الآن؟ أم حتى يدخل الطبيب منا إلى المستشفى وهو خائف يترقب، وحتى يدخل المحاضر منا إلى الجامعة وقلبه يخفق خوفًا على مصيره، وكي لا يلحق به أذى كما لحق بذاك المحاضر أو بتلك المحاضرة من مجتمعنا.

وها هم هؤلاء الوكلاء باتوا يدسون أنوفهم في كل شيء، لدرجة أنهم باتوا يطاردون الصيدلي منا في الصيدلية التي يعمل فيها، إذا تحدث باللغة العربية، وباتوا يطاردون سائق الحافلة منا إذا تعثر لسانه وخرج عن مألوفهم وتكلم باللغة العربية، وباتوا يطاردون الطباخ والنادل والمسوق التجاري ولاعب كرة القدم والممرض، إذا تكلم أي واحد منهم باللغة العربية خلال دوامه في موقع عمله، وكأن المطلوب أن نتعرى لسانًا وقلبًا وعقلًا وجوارح، وكأن المطلوب أن نعلن حربًا على لغتنا العربية وعلى القرآن الكريم الحافظ للغة العربية، بل وكأن المطلوب لا أن نتكلم العبرية فقط، بل أن نلدغ إذا نطقنا بها وأن نلفظ الراء غينًا وهكذا مع سائر الأحرف الملدوغة في اللهجة العبرية. لماذا كل ذلك؟ وما الهدف؟ وما الهدف من وراء إقرار قانون القومية وقانون كامينتس وقانون سحب المواطنة وسائر تقليعات هذه القوانين التي تدور في فلك قانون يهودية الدولة وأخواته؟ هل المطلوب أن نحيا خائفين وأن نموت خائفين وأن يظل الخوف يطاردنا في لقمة طعامنا وشربة مائنا وتحت سُرُرنا وتحت وسائدنا وفي أقلامنا ومواقفنا وفي كل خطوة لأقدامنا وفي كل حركة من أيدينا وفي كل خروج لألسنتنا من أفواهنا وفي كل مظاهرة أو اعتصام أو ندوة أو لجنة شعبية أو لجنة إصلاح نقوم بها، لدرجة أن هؤلاء الوكلاء باتوا يتصلون بالبعض منا وباتوا يحدثونهم بلغة التهديد ويقولون لهم صراحة: اقطعوا علاقاتكم مع (راء) أو( صاد) حتى لا نقوم بحظر هيئتكم أو لجنتكم أو مكتبكم.

وإذا كان هذا الحال الذي نعيشه والذي يريد فيه هؤلاء الوكلاء أن نبقى أسرى لصناعة الخوف التي يسهرون عليها ليلًا ونهارًا، فنحن مطالبون بالإصرار على صناعة الصمود في مواجهة صناعة الخوف.

وأنا مطالب كما الجميع منا، أن أبقى أنا كما أنا، في امتدادي الإسلامي العروبي الفلسطيني، وأن أحافظ على هذا الأنا، وأن أفتخر بهذا الأنا، وأن أجهر بهذا الأنا، وأن أدور في كل حياتي مع هذا الأنا، هذا هو الأساس المطلوب قبل كل شيء، قبل الحديث عن انتخابات سلطة محلية عربية، أو انتخابات كنيست أو دور لجنة متابعة عليا أو لجنة قطرية أو حركات وأحزاب.

وقد قرأت مقالة المحامي خالد زبارقة “إسرائيل تغيرت إلى غير رجعة”، وهي مقالة استفدت منها، كما قرأت مقالة الدكتور مهند مصطفى “التحريض الدموي على الفلسطينيين، أين لجنة المتابعة؟”، وأريد أن أطمئنه، انطلاقًا من الثقة المتبادلة، أن كل ما اقترحه في مقالته له وزنه وهو معتبر، وقد تم إقراره في لجنة المتابعة العليا منذ أيام رئاسة الأستاذ محمد بركة على الأقل، ولعلي كنت ممن اقترح هذه الاقتراحات أو بعضها، وتم تأكيد هذه القرارات أكثر من مرة خلال رئاسة الأستاذ محمد بركة للجنة المتابعة، ثم خلال رئاسة الدكتور جمال زحالقة الحالية للمتابعة، وليس من باب الدفاع عنهما، فإنهما لم يقصرا في تنفيذ هذه القرارات، ولكن الحقيقة المرة تقول إن لجنة المتابعة لا تمتلك متفرغين من أهل الاختصاص ولا حتى سكرتيرًا يتابع تنفيذ قراراتها، لأنها لا تمتلك ميزانية بملايين الدولارات كما يمتلكها غيرها، وكل ميزانيتها السنوية هي دراهم معدودة فقط. ولذلك المطلوب أن تبقى لجنة المتابعة العليا، وهناك كل الحاجة إليها كمشروع جامع لنا مهما كان ضعفها الآن، والمطلوب ألا تمد يدها إلى صناديق مانحة ملغومة سواء كانت عربية أو أجنبية، والمطلوب أن تبني لها صندوقًا ماليًا عصاميًا من جيوب الكادحين من مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، وهذا ممكن، بهدف أن تبقى إرادتها وقراراتها وخطابها غير متلوثات، وهذا ممكن. ثم مع كل ضعفها هي مطالبة، وليست هي المطالبة الوحيدة، بل كلنا مطالبون وفق دور كل منا وإمكانياته، أن نواصل صناعة الصمود في وجه صناعة الخوف.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى