احتلال الزمان.. كم الساعة الآن وفق توقيت الحاجز؟ (شاهد)

كانت الجرافات الإسرائيلية تهدم عشرات المتاجر والمنشآت الفلسطينية عند المدخل الشرقي لبلدة العيزرية، الواقعة شرقي القدس على الطريق المؤدي نحو أريحا، بينما كانت إسرائيل تمضي قدما في مشروع يحمل اسما يوحي بعكس ما يحدث فعليا على الأرض.
“طريق نسيج الحياة” هو الاسم الرسمي للمسار المُخطط بين العيزرية وقرية الزعيم القريبة من القدس، والذي تقول الجهات الإسرائيلية إنه سيُخفِّف الازدحام ويُسهِّل حركة الفلسطينيين. وفي 11 مايو/أيار 2026، طالت الجرافات مغاسل سيارات ومحال للخردة وبسطات، ومنشآت أخرى أُخطر أصحابها بإخلائها وأخفقوا في وقف هدمها عبر المحاكم، بعدما وقعت في مسار الطريق الجديد. كان واضحا منذ البداية أن المسألة تتجاوز إضافة شارع آخر إلى شبكة قائمة، حيث يعيد المشروع ترتيب من يمر عبر هذه المنطقة ومن لا يمُر، والطريق الذي يسلكه المارون من هناك، والمساحة التي تصبح متاحة لكل شبكة من الشبكتين.
وقد خصَّص المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي 335 مليون شيكل (حوالي 120 مليون دولار) للمشروع خلال عام 2025، فيما حمل الطريق في الخطاب السياسي الإسرائيلي اسما آخر أكثر دلالة هو “طريق السيادة”، وهي تسمية استخدمها نفتالي بينيت حين كان وزيرا للأمن. ويقوم التصميم على نقل الحركة الفلسطينية إلى مسار منفصل بعيدا عن المنطقة المحيطة بمستوطنة معاليه أدوميم، وهي واحدة من أكبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة وتقع شرقي القدس.
وبين المستوطنة والمدينة المحتلة تمتد منطقة “إي 1″، حيث يكتسب كل طريق ومخطط بناء وزنا يتجاوز حدوده المباشرة، لأن المكان يقع عند واحد من أكثر المواضع حساسية للاتصال الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها، ويقع في الوقت نفسه عند المساحة التي تسعى إسرائيل إلى تعزيز الاتصال فيها بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 طرحت إسرائيل عطاءات لبناء 3401 وحدة استيطانية هناك، بينما كانت ترتيبات الطريق الجديد تتقدم لإخراج الحركة الفلسطينية من المجال نفسه.
تحكي التطورات في هذه البقعة شرقي القدس مسارا أوسع بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود. فقد قسَّم اتفاق أوسلو الثاني الضفة الغربية سنة 1995 إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج) ضمن ترتيب انتقالي كان يفترض أن يقود خلال خمس سنوات إلى وضع دائم، مع انتقال أجزاء من المنطقة (ج) تدريجيا إلى الولاية الفلسطينية. انتهت السنوات الخمس وبقيت الخريطة على حالها، وما تزال المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة، تمتد حول كثير من التجمعات الفلسطينية وبينها.
ومع الوقت تراكمت فوق تلك الحدود المستوطنات والطرق والجدار والبؤر الاستيطانية والرعوية، إلى جانب المناطق العسكرية وإعلانات “أراضي الدولة” وقيود التخطيط والبناء. وبهذا انتقل مركز الثقل تدريجيا إلى الأرض الواقعة بين المدن والبلدات، أي إلى المجال الذي يحدد قدرتها على الاتصال والنمو أكثر مما تحدده حدودها العمرانية وحدها.
ومن هذه الجغرافيا جاء وصف “الأرخبيل الفلسطيني”. والأرخبيل كما نعلم هو مجموعة جزر تفصل بينها المياه، وهي صورة انتقلت إلى فلسطين لوصف التجمُّعات السكانية المنفصلة التي تحيط بها مساحات تخضع لسيطرة إسرائيل. وقد استخدم إدوارد سعيد هذه الاستعارة في نقده لترتيبات أوسلو، ثم ظهرت بصورة أوسع في الكتابات التي درست هندسة الاحتلال، ومن بينها أعمال المعماري والباحث إيال وايزمان. وفي الضفة يحل محل الماء فضاء من الأراضي والطرق والمستوطنات ومناطق السيطرة الإسرائيلية، فيما تمثل المدن والبلدات الفلسطينية الجزر التي تحتفظ بحياتها الداخلية من دون أن تمتلك المجال الذي يصلها ببعضها.
وهذا الفارق مهم لأن المدينة لا تنتهي عند آخر مبنى داخل حدودها، إذ تحتاج نابلس في شمال الضفة، ورام الله في وسطها، والخليل وبيت لحم في الجنوب، إلى القرى المحيطة بها وإلى الأراضي التي تتوسَّع نحوها، كما تعتمد هذه المدن على حركة العمال والطلاب والبضائع وعلى الطرق التي تصل الأسواق والمستشفيات والجامعات بالمحيط الأوسع. وحين تخضع الأرض الرابطة بين هذه العناصر لسلطة الاحتلال، تستطيع المدينة أن تبقى في مكانها بينما يضيق إقليمها الفعلي من حولها. ومن ثمَّ يصبح التوسع العمراني مشروطا، والطريق قابلا للإغلاق أو إعادة التوجيه، والمسافة إلى المركز الحضري التالي مرتبطة بالحاجز والبوابة والمسار المتاح أكثر من ارتباطها بعدد الكيلومترات.
هكذا تتشكل في الضفة معادلة تتجاوز الاستيطان بوصفه تجمعات سكنية منفردة، والحواجز بوصفها قيودا على المرور. وتتولى المؤسسات الفلسطينية قسما واسعا من إدارة حياة السكان داخل المدن والبلدات، بينما تحتفظ إسرائيل باليد الأثقل على الأرض التي تربطها ببعض، وفي التخطيط والممرات ومجالات التوسع. ويقدم “طريق نسيج الحياة” صورة مكثفة لهذه المعادلة، إذ يستمر العبور الفلسطيني عبر ممر مخصص له، بالتزامن مع إعادة تنظيم المجال المحيط بما يعزز الاتصال الإسرائيلي حول القدس ومعاليه أدوميم. وهكذا يحدث الضم فعليا على الأرض دون أن يحتاج إلى إعلان قانوني، وتصبح السيطرة على المساحات بين المدن هي التي تُحدِّد فعالية هذه المدن ووظيفتها.
السيطرة على ما بين المدن
رسمت خرائط أوسلو الثانية صلاحيات السلطة بشأن التجمعات الفلسطينية أكثر مما رسمت لها أقاليم متصلة. ففي المنطقة (أ) تسلمت السلطة الفلسطينية المسؤوليات المدنية والأمن الداخلي والنظام العام، وفي المنطقة (ب) انتقلت إليها الشؤون المدنية ومسؤولية حفظ النظام للفلسطينيين، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية. أما المنطقة (ج)، التي شملت ما بقي خارج هاتيْن الرقعتيْن، فبقيت فيها الصلاحيات المدنية والعسكرية لإسرائيل، وفي مقدمتها السيطرة الأمنية والتخطيط المرتبط بالأرض.
تكمن أهمية هذا التوزيع في المسافة التي صنعها بين إدارة التجمُّع الفلسطيني والقدرة على إدارة محيطه. فالمنطقة (ج) تضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي والموارد الطبيعية، كما تمر فيها الأراضي التي تحتاج إليها المدن والقرى للتوسُّع وشق الطرق ومد شبكات المياه والكهرباء وغيرها من البنى التحتية. لذلك يستطيع مجلس محلي فلسطيني التخطيط داخل حدود معينة، حتى يصل العمران إلى خط معين تنتقل وراءه سلطة التخطيط إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، حتى إن كانت الأرض الملاصقة مملوكة لفلسطينيين أو تمثل الامتداد الطبيعي للبلدة.
وعلى الأرض الواقعة وراء هذا الخط تمدَّدت المستوطنات بمنطق يجعل أثرها أوسع كثيرا من مساحة البيوت التي تظهر في الصور الجوية. فالمستوطنة تحتاج إلى طريق يصلها بالشبكة الإسرائيلية، وإلى مخططات توسُّع وبنية تحتية وترتيبات أمنية تؤثر في استخدام الأراضي المحيطة، ولهذا أشار البنك الدولي إلى أن قياس المساحة المبنية وحدها يعطي صورة ناقصة عن المجال المرتبط بالاستيطان.
وتضاف إلى ذلك تصنيفات إسرائيلية مثل “أراضي الدولة” والمحميات، وهي أدوات تُغيِّر ما يستطيع الفلسطيني فعله بالأرض حتى عندما تبقى خارج المنطقة المبنية. وفي رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، وصفت محكمة العدل الدولية نظام التخطيط وتقسيم المناطق الذي تُطبِّقه إسرائيل على الفلسطينيين في المنطقة (ج) والقدس الشرقية بأنه تمييزي ويجعل الحصول على تراخيص البناء أمرا بالغ الصعوبة.

التسلسل الزمني للاستلاء على الضفة
أضاف الجدار العازل طبقة أخرى لا تتبع خطوط أوسلو ولا تسير بمحاذاة الخط الأخضر الذي يفصل الضفة عن إسرائيل. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، يبلغ مسار الجدار المخطط نحو 712 كيلومترا، ويمر 85% منه داخل الضفة الغربية المحتلة. لذلك لم يقتصر أثره على الفصل بين منطقتين، إذ وضع في أماكن عديدة أراضي فلسطينية بين الجدار والخط الأخضر وربط الوصول إليها بنظام من التصاريح والبوابات. وقد أحصى المكتب نحو 62 بوابة زراعية على الجدار، تظل غالبيتها مغلقة معظم أيام السنة. هنا يمكن أن تبقى الأرض مسجلة باسم صاحبها، وأن يظل يراها من قريته، بينما تصبح ممارسة ملكيته مرتبطة بموعد فتح بوابة وموافقة تسمح له بالعبور.
تكشف البوابات المقامة عند مداخل البلدات كيف تعمل آليات السيطرة الإسرائيلية على حركة الفلسطينيين. ووفق المسح الذي أجراه “أوتشا” في ديسمبر/كانون الأول 2025، أصبحت الحواجز والبوابات تُشكِّل قرابة 60% من عوائق الحركة المرصودة بعدما كان هذا النوع يمثل نحو 15% فقط قبل عقديْن، حين كانت السواتر الترابية والإغلاقات المؤقتة أكثر حضورا. وخلال عام 2025 ركبت القوات الإسرائيلية أكثر من 120 بوابة جديدة، حتى وصل عدد بوابات الطرق الموثقة إلى 232. والفارق مهم لأن البوابة تُبقي الطريق في مكانه، لكنها تجعل استخدامه قابلا للتغيير بقرار عسكري، فيمكن لقرية أن تقع على بعد دقائق من شارع رئيسي، ثم تفقد منفذها إليه بمجرد إغلاق بضعة أمتار من الحديد.
تكشف بيانات الإدارة المدنية التي حصلت عليها منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان حجم هذا القيد، إذ وافقت السلطات الإسرائيلية بين عامي 2009 و2018 على 98 طلب بناء فلسطيني فقط من أصل 4422 طلبا قُدمت في المنطقة (ج). بهذه الطريقة يستطيع خط إداري لا يكاد يراه السكان أن يحدد الاتجاه الذي يمكن لبلدتهم أن تكبر نحوه بعد سنوات.
وفي المساحات التي لا توجد عندها مدينة أو طريق رئيسي، تؤدي البؤر الرعوية وظيفة مشابهة بأدوات مختلفة. فقد تبدأ البؤرة بعائلة أو عدد محدود من المستوطنين وحظيرة وقطيع، ثم يمتد أثرها مع حركة المواشي والطرق الترابية والاعتداءات ومنع الرعاة الفلسطينيين من استخدام التلال والينابيع والمراعي. وقدَّرت منظمتا “السلام الآن” و”كيرم نافوت” الإسرائيليتان، في تقرير صدر في يوليو/تموز 2026، أن المزارع والبؤر الرعوية باتت تفرض سيطرة فعلية على أكثر من 1.1 مليون دونم (262 ألف فدان). وتظهر قيمة هذا الرقم عند مقارنته بالمساحة المبنية الصغيرة للبؤر نفسها، إذ تستطيع نقطة استيطانية محدودة أن تغير علاقة قرى كاملة بالأرض المحيطة بها، وتدفع سكان تجمعات فلسطينية إلى النزوح حين يصبح الوصول إلى الماء أو المرعى أو الطريق أكثر خطرا.
ومن تراكم هذه الطبقات تتشكل الحدود الفعلية للتجمُّع الفلسطيني، إذ يحدد التخطيط أين يستطيع العمران أن يمتد، وتُوسِّع المستوطنة نطاق السيطرة عبر الطرق والمُخططات، ويضع الجدار شروطا للوصول إلى الأرض، بينما تجعل البوابة الطريق قابلا للإغلاق، وتمتد البؤرة الرعوية إلى المراعي والمساحات المفتوحة. وحين تجتمع هذه الأدوات حول المدينة، لا تحتاج إلى سور كامل كي تنفصل عن محيطها، بل يكفي أن تصبح الأرض التي تحيط بها، والطريق إلى قراها، والممر المؤدي إلى المدينة التالية؛ خاضعة جميعها لشبكة لا يملك سكانها قرارها، وعندها تبدأ المسافة المكتوبة بالكيلومترات في التحوُّل إلى وقت ومسار وكلفة تحددها الخريطة الجديدة.
الحياة وفق توقيت الحاجز
في الخامس من يوليو/تموز 2026، ظلت البوابة الإسرائيلية عند المدخل الجنوبي لدير عمار، غرب رام الله، مغلقة نحو 25 دقيقة، بينما كانت عائلة تحمل رضيعا في شهره الرابع تنتظر العبور إلى سيارة إسعاف تقف في الجهة الأخرى. وحين فُتحت البوابة ونُقل الطفل، بقي الطريق الأقرب إلى رام الله مغلقا أمام المركبات الفلسطينية، فاضطرت سيارة الإسعاف إلى الالتفاف عبر مسار يقترب من 40 كيلومترا. وصل الرضيع إلى المستشفى، حيث أعلن الأطباء لاحقا وفاته. وكانت دير عمار وثلاثة تجمعات مجاورة، هي بيتللو وجمالا ومخيم دير عمار، تعيش منذ أشهر مع الإغلاقات نفسها، بعدما امتدت رحلتها المعتادة إلى رام الله من نحو 18 كيلومترا إلى قرابة 38 كيلومترا، يمر جزء منها عبر طريق ترابي.
تكشف الرحلة كيف يُعاش الواقع فعليا بعيدا عن الخرائط. في الظروف العادية، يستطيع العامل ترتيب يومه حول رحلة طويلة يعرف زمنها، ويستطيع صاحب المصنع حساب تكلفة نقل المواد إذا عرف موعد وصول الشاحنة وطول الطريق الذي تقطعه. ولكن حين تُغلق بوابة فجأة، ويعمل حاجز لساعات ثم يتوقف، ويُستبدل مسار مُعبَّد بطريق ترابي؛ عندها يعجز الناس حتى عن التحكم في الوقت الفعلي، وتصبح المسافات أبعد بكثير مما تبدو على الخريطة. وقد وثَّق “أوتشا” عام 2025 نحو ألفي حادثة مرتبطة بقيود الوصول، شمَّلت حواجز مُتنقِّلة وإغلاقات وتأخيرات وتشغيل حواجز جزئية. ولذلك يضيف الفلسطيني إلى كل رحلة زمنا احتياطيا لعارض لا يعرف إن كان سيقع، ولا كم سيستمر.
سرعان ما تتحول هذه الدقائق إلى كلفة اقتصادية. ففي مسح أجرته منظمة العمل الدولية بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 وشمل 700 صاحب عمل في محافظات الضفة، قالت أكثر من أربعة أخماس المنشآت إن تكاليف نقل المواد والمنتجات ارتفعت بصورة كبيرة. وأفاد نحو ثلثي المشاركين بأن تعطُّل وصول العمال أضرَّ بالإنتاج والعمليات. وتتجاوز الكلفة الوقود وأجرة السيارة، إذ إن المصنع الذي يعجز عن توقُّع موعد وصول مواده يحتاج إلى مخزون أكبر، والتاجر يتجه إلى مورد يمكن الاعتماد على وصوله حتى إذا كان أغلى، وصاحب العمل يتردَّد في تشغيل عامل يمر يوميا عبر نقطة قابلة للإغلاق.
تمتد الخسارة بهذه الطريقة عبر الاقتصاد كله. فقد وجد الباحثان ماسيميليانو كالي وسامي ميعاري، في دراسة اعتمدت بيانات الحواجز داخل الضفة، أن الإغلاقات خفضت التشغيل والأجور وأيام العمل. وشكَّل تعذُّر وصول العمال مباشرة إلى وظائفهم جزءا محدودا من الأثر، فيما انتشرت الخسارة الأوسع عبر تعطل التجارة والتوريد وانكماش السوق التي تستطيع المنشأة خدمتها. وتصبح المسافة بين مدينتين حاجزا أمام انتقال البضائع ورأس المال حتى حين تبقى الطرق موجودة. ولهذا وصف البنك الدولي الاقتصاد الفلسطيني بأنه شديد التجزؤ، إذ ترفع أزمنة الرحلات غير القابلة للتوقُّع تكاليف المعاملات، وتُضعِف تدفُّق العمل والسلع بين المحافظات.
جاء تشديد القيود ليعمق آثار صدمة اقتصادية أثقل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد انكمش اقتصاد الضفة بنحو 17% خلال عام 2024، ثم سجَّل نموا محدودا في العام التالي أبقاه دون مستواه السابق، فيما بلغت البطالة 27.5% في الربع الأخير من عام 2025. وتعكس هذه الأرقام عوامل متداخلة، من تقلُّص عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل إلى الأزمة المالية الفلسطينية وآثار اتساع الحرب.
تظهر هذه العملية بوضوح في العلاقة بين القرية والمدينة. على سبيل المثال، تُمثِّل رام الله لسكان دير عمار وبيتللو مركزا للوظائف والأسواق والمستشفيات والجامعات والدوائر الحكومية التي تخدم مجالا أوسع من حدود المدينة. وحين تضاعفت مسافة الوصول إليها تقريبا، وثق “أوتشا” تعطُّل انتقال السكان إلى العمل والمدارس والأسواق والخدمات الصحية. بقيت رام الله في مكانها، لكن مجالها الإقليمي انكمش بالنسبة إلى القرى التي ارتفعت كلفة الوصول منها. ومع تكرار الإغلاق، تبدأ الأسرة في تأجيل موعد طبي، ويختار المستهلك متجرا أقرب، ويبحث الطالب عن وسيلة نقل بديلة، ويتخلى العامل أحيانا عن فرصة يصبح الوصول إليها أكثر كلفة من أن يحتمل.
وفي التعليم، يصبح انتظام الطريق جزءا من انتظام الدراسة. ففي الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة من مدينة الخليل، أدت إغلاقات إسرائيلية متفرقة خلال فبراير/شباط 2025 إلى منع أكثر من 170 طالبا ومعلما من الوصول إلى مدرسة الإبراهيمية الأساسية، واضطرت المدرسة إلى تحويل الدروس إلى الإنترنت. ويستطيع تعطل الطريق أن يترك أثرا يتجاوز أيام الغياب، فقد وجدت دراسة لسامي ميعاري وإيناس لي، اعتمدت بيانات الحواجز والأداء الدراسي لطلاب الضفة خلال الانتفاضة الثانية، أن وجود حاجز قرب المدرسة ارتبط بانخفاض فرص النجاح في امتحان الثانوية وتراجع الدرجات. وجاء ضياع الوقت والاحتكاك المتكرر بالحواجز ضمن العوامل التي فسَّرت هذه النتيجة.
تصبح حساسية الطريق أشد حين يقود إلى مستشفى. ففي عام 2025 وثقت منظمة الصحة العالمية 233 حادثة أثرت في الرعاية الصحية بالضفة، وظهرت آثار “عرقلة الوصول” في 84% منها، بما شمل تأخير المرضى وسيارات الإسعاف وتفتيشها وتقييد حركتها. وتزداد الصعوبة مع الحاجة إلى العلاج المتخصص الموجود في القدس الشرقية أو داخل إسرائيل، حيث يحتاج حامل هوية الضفة إلى تصريح إسرائيلي. وخلال العام نفسه، رُفض أو بقي معلقا أكثر من ثلث نحو 87 ألف طلب قدمها مرضى للوصول إلى هذه المرافق. وهكذا يصبح الموعد الطبي مرتبطا بموافقة تسبق الرحلة، ثم بطريق لا يضمن صاحبه متى يصل إلى نهايته.
تتراكم هذه القيود يوما بعد يوم، جاعلة التفاعلات بين مدن الضفة أبطأ وأكثر كلفة وأقل انتظاما، فتفقد السوق الوطنية والخدمات المشتركة جزءا من فائدتها. وتبقى المدينة مركزا للعمل والتعليم والعلاج والتجارة، بينما ينكمش المجال الذي تستطيع خدمته كلما صار الوصول إليها رهنا بطريق تفتحه إسرائيل أو تغلقه أو تعيد توجيهه. وبذلك تتحول السيطرة على الحركة إلى طريقة لإعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد، وإلى حد يفصل بين مسؤولية إدارة حياة السكان والقدرة الفعلية على دمجهم في مجتمع واحد.
سلطة الأرخبيل
منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024 وخلال الأسابيع الأولى من عام 2025، شنت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية عملية داخل مدينة جنين ومخيمها أطلقت عليها اسم “حماية وطن”، فأقامت الحواجز، ولاحقت جماعات مسلحة، ونفَّذت اعتقالات، ودخلت في اشتباكات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. وقدَّمت القيادة الفلسطينية العملية باعتبارها محاولة لاستعادة القانون ومنع السلاح خارج مؤسساتها، فيما أثارت احتجاجات وانتقادات سياسية وحقوقية واسعة.
ثم ظهر في 21 يناير/كانون الثاني مستوى آخر من القوة، حين بدأ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة داخل جنين وانسحبت الأجهزة الفلسطينية من مواقعها مع بدء الاقتحام. خلال أسابيع قليلة، أثبتت السلطة قدرتها على استخدام القوة ضد الفلسطينيين وفرض نظامها داخل المدينة، ثم انكشف السقف الفعلي لهذه القدرة أمام جيش الاحتلال الذي دخل المجال نفسه وتولَّى القرار العسكري فيه.
نشأ هذا التفاوت داخل البنية التي أقامتها اتفاقات أوسلو. فقد أُنشئت السلطة بوصفها حكما ذاتيا انتقاليا لخمس سنوات، ونُقلت إليها مسؤوليات واسعة في الإدارة المدنية والنظام العام والأمن الداخلي ضمن مناطق محددة، فيما بقيت قضايا الأرض والحدود والمستوطنات والسيادة مؤجلة إلى تسوية دائمة لم تأت. وانتهى الجدول الزمني، واستمرت المؤسسة وتوسَّعت حولها الوزارات والمحاكم والأجهزة الأمنية والوظائف العامة والبلديات. ومع الزمن، تحول المؤقت إلى نظام حكم دائم تتركز صلاحياته في إدارة الفلسطينيين، فيما بقي القرار الأثقل في الإقليم والحركة والقوة العسكرية بيد إسرائيل. ومن هذه الفجوة بين إدارة المجتمع والسيطرة على المجال يتشكل الجانب السياسي من الأرخبيل.
داخل هذا التوزيع، تعاملت القيادة الفلسطينية مع الأمن بوصفه وظيفة مركزية، وبَنَت حوله أجهزة واسعة وحافظت على التنسيق الأمني مع إسرائيل بدرجات متفاوتة. وبعد عام 2007، ارتبطت برامج إصلاح الأجهزة وتدريبها بتعزيز قدرتها على حفظ النظام والوفاء بالالتزامات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاقات مع الاحتلال. ولذلك يكشف مشهد جنين حدود القوة المتاحة للسلطة، ويكشف أيضا الاتجاه الذي تستخدم فيه هذه القوة. تستطيع الأجهزة ملاحقة جماعة فلسطينية مُسلَّحة أو اعتقال فلسطيني وفرض النظام داخل نطاق عملها، لكنها لا تملك قرار منع عملية عسكرية إسرائيلية في المكان نفسه. ومن هنا تستمد الانتقادات الفلسطينية للتنسيق الأمني ثقلها، لأنها تتعلق بالجهة التي تُستخدم ضدها القوة التي تمتلكها السلطة، وبقدر القوة التي تُبقى فوق حدود اختصاصها.
تكشف تجربة تعليق التنسيق وجود هامش للاختيار السياسي الفلسطيني، وإن كان محكوما بميزان قوة شديد الاختلال. ففي عام 2020، علَّقت القيادة الفلسطينية التنسيق مع إسرائيل لنحو 6 أشهر، ثم استأنفته بالتزامن مع عودة تحويل إيرادات ضريبية كانت إسرائيل تحتجزها. وأظهرت تلك الواقعة أن بعض ترتيبات أوسلو قابلة للتعطيل بقرار فلسطيني، لكنه قرار يحمل كلفة مالية وأمنية ومؤسسية مرتفعة. وتزداد هذه الكلفة كلما اتسعت البيروقراطية والأجهزة، وصار انتظام الرواتب والتمويل وحركة المسؤولين وشبكات الاتصال مرتبطا باستمرار العلاقة التي يفترض تعليقها مع الاحتلال.
وتجمع إسرائيل، بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، جانبا كبيرا من الضرائب والجمارك المستحقة للفلسطينيين ثم تحولها إلى السلطة، حتى أصبحت هذه الإيرادات المصدر الأكبر للدخل العام الفلسطيني. وعندما أوقفت إسرائيل تحويلها بالكامل منذ مايو/أيار 2025، توسَّعت الحكومة في الاقتراض، وراكمت متأخرات للمُورِّدين والبنوك، وتأخرت في دفع رواتب موظفيها.
لكن استمرار المؤسسة لا يزال يكتسب قوة من داخل المجتمع والنظام السياسي. يعتمد ملايين الفلسطينيين على المدارس والمستشفيات والبلديات والخدمات التي تديرها السلطة، وتعيش أسر كثيرة من رواتب موظفيها. وفي المقابل، تمنح الوزارات والأجهزة والموارد العامة القيادة قدرة على التعيين وتوزيع المناصب وإدارة القرار، وتنشئ داخل البيروقراطية والأمن مصالح مؤسسية مرتبطة ببقاء الجهاز الذي يحملها. لذلك تحولت المحافظة على السلطة إلى حاجة يومية للفلسطينيين ومصلحة سياسية لمن يديرها. وسيصيب انهيارها المجتمع وخدماته قبل أن يصيب الاحتلال، فيما يحمي استمرارها بنية حكم فقدت منذ زمن المسار السياسي الذي كان يفترض أن يمنحها غايتها.
وتُعمِّق أزمة التفويض هذه المفارقة. فقد جرت آخر انتخابات رئاسية عامة سنة 2005، وآخر انتخابات للمجلس التشريعي في يناير/كانون الثاني 2006، ثم بقيت القيادة والأجهزة والبيروقراطية في مواقعها طوال عقدين تقريبا من دون تجديد شامل للشرعية عبر صناديق الاقتراع. وحين حُدِّدَت انتخابات عامة في عام 2021، ألغتها القيادة بعد أن قالت إن إسرائيل لم تضمن مشاركة القدس، وواجه القرار انتقادات رأت فيه هروبا من منافسة غير مضمونة النتائج. لم تُعوِّض الانتخابات المحلية المتفرقة غياب التفويض الوطني، وبقيت خيارات الأمن والتنسيق والإدارة المالية بعيدة عن محاسبة انتخابية منتظمة. وهكذا أصبح تقييم السلطة متعلقا أيضا بطريقة حُكمها داخل المجال المحدود المتاح لها، وبالقرارات التي اتخذتها بعد تآكل أفق أوسلو.
وبهذا يكتمل معنى “سلطة الأرخبيل”. فقد فرض الاحتلال جغرافيا تفصل التجمعات الفلسطينية وتتحكم في الأرض الواقعة بينها، ثم نمت داخل تلك الجغرافيا مؤسسة فلسطينية تمارس صلاحياتها ضمن حدود ضيقة. وأمضت هذه المؤسسة ثلاثة عقود في التكيُّف مع المؤقت حتى أصبح استمرارها ضروريا لتقديم الخدمات، ومفيدا لبنية القيادة، وأقل كلفة على إسرائيل من تحمل الإدارة المدنية المباشرة. وبذلك ارتفعت كلفة بقائها وكلفة انهيارها في آن واحد. وهكذا يبقى للفلسطينيين جهاز حكم يدير المدن، فيما يتراجع إمكان وصلها هذه المدن ضمن واحد يملك أهله أرضه وحدوده ويتحكمون في قراره.
