أخبار عاجلةشؤون إسرائيليةومضات

في قضيَّة التأثير من الداخل

توفيق محمد

ينقسم المؤيِّدون للمشاركة في انتخابات الكنيست من الأحزاب العربيَّة إلى فريقين: فريق مع المشاركة في الانتخابات كي تمنحهم الحصول على عدد من مقاعد المعارضة في الكنيست، وفريق يرى أنَّ المشاركة في اللعبة يجب أن تكون حتى النهاية، بمعنى المشاركة في انتخابات الكنيست، والمشاركة في أيِّ ائتلاف حكوميٍّ إسرائيليٍّ يرضى بهم، حتى ولو كان من أقصى ما يطلق عليه اليمين الإسرائيليِّ (وإن كنت على يقين أنَّ اليسار الإسرائيليَّ هو يسار بالمعنى الاجتماعيِّ فقط وليس بالمعنى السياسيِّ) وحجَّة هذا الفريق هي التأثير، وتبريرهم أنَّ القوانين تُغَيَّر في الكنيست والسياسات تُغَيَّر في الحكومة والحكومات تتغيَّر بإرادة الناس، وصرنا نسمع أصواتًا تدعو إلى المشاركة في انتخابات الكنيست بحجَّة أنَّه يمكن أن يحصل العربُ على مقاعد فيصبح لهم تأثير مثل تأثير سموترطرش وبن غَفير (كما يسمُّونه) فيوقفون هدم البيوت في النقب والجليل وتكون لهم كلمة يستطيعون من خلالها فرض إرادتهم تحت التهديد بإسقاط الحكومة.

وفي الحقيقة فإنَّ كلا المشاركتين لا يُرجى منهما خير لأهلنا في الداخل، وعلى المستوى الوطني برمَّته، فالأولى ليست سوى مقاعد في المعارضة تصطدم بحائط من الإجماع الصهيونيِّ في كلِّ ما يتعلَّق بقضايانا الكبرى سواء في الداخل أو على المستوى الوطنيِّ العامِّ فلا هم قادرون على تغيّير سياسات الهدم والمصادرة والتخطيط ومكافحة العنف والجريمة ولا هم بقادرين على التأثير عليها. أمَّا الثانية وهي: ادِّعاء التأثير على الحكومات الإسرائيليَّة أيًّا كانت فإنَّ هذا التأثير مقتصر على من يتبنَّى الرواية الصهيونيّة من الأحزاب الصهيونيَّة، والشرعية في ذلك محصورة بهذه النوعيَّة من الأحزاب فقط، ولا علاقة لها بالأحزاب العربية حتى ولو تبنَّت الرواية الصهيونيَّة، أو تعاطت معها بـ”إيجابيَّة”.

خلال حكومة رابين الثانية (1992-1995) التي حظيت بشبكة أمان من الحزبين العربيَّين في الكنيست آنئذ، الجبهة الديموقراطية للسَّلام والمساواة، والحزب العربيُّ الديموقراطيُّ، إذ تشكلت الحكومة في حينه من حزب العمل وميرتس بعد انسحاب حزب شاس منها في نهاية 1993، وأصبح مجموع أعضاء حزب العمل وميرتس في الكنيست 56 عضوًا الأمر الذي لا يمنحهم إمكانية تشكيل الحكومة، فقدم الحزبان العربيَّان أعلاه اللَّذان كان لهما خمسة مقاعد (3 للجبهة واثنان للديموقراطيِّ العربيِّ) شبكة أمان بمعنى دعم الحكومة من الخارج دون أن يكونا أعضاء في الائتلاف الحكوميِّ، خلال هذه الحكومة تمَّت أكبر عملية تهجير للفلسطينيّين من أرضهم وطردهم منذ النكبة ولاحقًا “النكسة” (412) شخصًا (17/12/1992)، وخلال ولاية هذه الحكومة أيضًا تمَّ المباشرة بتخطيط وتطوير الحيِّ الاستيطانيِّ في جبل أبو غنيم الذي يضمن تواصل الاستيطان اليهوديِّ في القدس ويضمن إقامة ما تسمِّيه الحكومات الإسرائيليَّة القدس الموحَّدة، هذا المشروع وإن تمَّ تجميده -وليس إلغاؤه- في عهد هذه الحكومة بسبب الضغوط الدوليَّة والعربيَّة في حينه، إلّا أنَّ مباشرة العمل به بدأ خلال ولايتها واستكمل خلال ولاية حكومة نتنياهو الأولى (1996-1999) وتحديدًا بوشر العمل به بشكل فعليٍّ في العام 1997، ما أُريد قوله هو أنَّ شبكة الأمان الممنوحة حينئذ لحكومة رابين الثانية من الأحزاب العربيَّة لم تمنع تلك السياسات والمخططات التي تعتبر وفق المفهوم الاستيطانيِّ والسياسيِّ الإسرائيليِّ، أو وفق الرؤية الإسرائيليَّة للأحداث ضرورات أمنيَّة، ولم تتمكن شبكة الأمان، ولا سياسة التأثير من الداخل لا عبر تغيِّير القوانين في الكنيست، ولا عبر تغيِّير القرارات من داخل الحكومة أن تمنع ذلك.

نحن نتحدث عن الحكومة التي وُصفت إسرائيليًّا وعربيًّا وعالميًّا في حينه بأنَّها الحكومة الأكثر يسارًا التي شكلها حزبا العمل وميرتس (وهما في مصطلحات اليوم حزب الديموقراطيين بزعامة يائير غولان)، وفي هذه السنوات لم يكن الخطاب العنصريُّ والتحريض القاتل كما هو اليوم، لم تكن قد تشكلت في حينه قوَّة إعلاميَّة وسياسيَّة لها ممثلون في كل مواقع اتخاذ القرارات على مختلف الميادين -سياسيّها وإعلاميّها- كما هو حاصل اليوم، ولم يكن الخطاب الإسرائيليُّ اليمينيُّ المتطرف يحظى بمثل القاعدة الجماهيريَّة العريضة التي يحظى بها اليوم في أوساط المجتمع الإسرائيليِّ، وحتى لو كانت له مثل هذه القاعدة -وربما كانت- لكنَّه لم يكن يحظى بالشرعيَّة السياسيَّة التي يحظى بها اليوم، التي يمكنها أن تعبر عن نفسها إعلاميًّا ووجودًا، فاليوم هناك ماكينة إعلاميَّة ضخمة تحرض على كل ما هو عربيٍّ، لا لشيء إلّا لكونه عربيًّا، فبات الأطباء والكوادر الطبيّة من صيادلة وممرِّضين وموظَّفين إداريِّين من العرب يشكلون في عرفهم تهديدًا أمنيًّا لأنَّهم عرب، وتُكال بحقهم الأكاذيب المهولة، وبات تخطيط الأحياء السكنية في البلدات العربيَّة في عرفهم يشكل تهديدًا وجوديَّا، وبات رفع الأذان من مآذن المساجد يشكل تهديدًا للرواية الإسرائيليّة التي تريد أن تمحو الوجود العربيِّ المسلم من الحيز العامِّ في البلاد، وبات سائق الحافلة العربيِّ -في عرفهم- قنبلة موقوتة، فهو يقود حافلة تقل المسافرين اليهود، وبات المظهر العربيٍّ بكل ما يحمل في عرف هذه المجموعة مظهرًا غير شرعي، وأصبح لديهم ماكينة تحريض تسعى لنزع الشرعية عن الوجود العربي وتعمل على تهيئة الأجواء للتخلص منه.

إنَّ الإجماع الإسرائيليَّ فيما يتعلق بقضايا شعبنا الحارقة في المثلث والجليل والنقب والمدن التاريخية ناهيك عن قضيَّة شعبنا الأساسيَّة في الضفة الغربيَّة وقطاع غزَّة لا علاقة له بيسار إسرائيليٍّ أو يمين، فهذه القضايا قضايا إجماع صهيونيٍّ إسرائيليٍّ غير خاضع للنقاش، ولذلك فإنَّ ادِّعاء التأثير والتغيّير، تغيّير القوانين عبر المشاركة في انتخابات الكنيست، وتغيِّير السياسات عبر المشاركة في الحكومة وتغيّير الحكومة عبر المشاركة في الانتخابات هو ادِّعاء غير صحيح، لأنَّ أيَّ مشاركة في كل ما ذكر أعلاه يُشترط له أولًا حزمة من التنازلات المبدئية في قضايا الهُويَّة الدينيَّة والوطنيَّة التي يترتَّب عليها التنازل سلفًا عن حزمة من الحقوق الأساسيَّة المشروعة دينًا وعرفًا وقانونًا، خاصَّة وأنَّ النِّقاش الإسرائيليِّ المطروح هو بين اليمين واليمين الإسرائيليِّ، وليس بين تيَّارين مختلفين، إذ العائق للمِّ شمل هذا اليمين هو شخص رئيس الحكومة الإسرائيليَّة الذي لا يريده اليمين الإسرائيليُّ المعارض، بينما يمكنه التعايش بأريحيَّة مع أي شخص غيره.

إنَّ الادِّعاء الثابت للأحزاب العربيَّة المشاركة في انتخابات الكنيست يتلخص بجملة: “هذه الانتخابات مصيريَّة” في كل انتخابات كنيست، فيا ليتهم يخبرونا ما هي مصيرية الانتخابات؟ ولمن هي مصيريَّة إذا علمنا أن الإجماع الصهيونيِّ الإسرائيليِّ في كلِّ ما يهمُّنا متفق عليه بين كلِّ الأحزاب الصهيونيَّة واليهوديَّة، وإذا علمنا أنَّ قضيَّة العنف والجريمة التي تقض مضاجع كلِّ مجتمعنا بدأت منذ العام 2000 وهي في دالَّة تصاعديَّة منذ ذلك الوقت، تزداد عنفًا واستشراسًا في كلِّ سنة عن التي سبقتها، وإذا علمنا أنَّ قضايا المصادرة والهدم والتخطيط هي قضايا جوهريَّة لأيِّ حكومة إسرائيليَّة يمينيَّة أو يمينيَّة أكثر، وكذلك كلُّ قضايانا.

إنَّ الادِّعاء بضرورة تكثيف التصويت في هذه الانتخابات “المصيريَّة”! من أجل تغيِّير هذه الحكومة هو ادِّعاء ليس بالضرورة صحيح، فوفق كلِّ التحليلات فإنَّ حصول الأحزاب العربيَّة على مقاعد أكثر في الكنيست القادمة يقلِّل من احتمالات تغيّير هذه الحكومة، ويزيد من احتمالات نتنياهو بإعادة تشكيل الحكومة القادمة- أي أنَّ تصويت عربيٍّ أكثر ومقاعد أكثر للأحزاب العربيّة يصبُّ في صالح نتنياهو وحكومته الحالية- وتبرير ذلك أنَّ قاعدة ما يطلق عليه أصوات كتلة التغيّير ثابتة، وإن حصل فيها تغيّيرات فستحصل داخل الكتلة ذاتها، وليس من كتلة الحكومة الحالية، وبالتالي فإنَّ هذه المقاعد ستنقص من الكتلة المدعوَّة بكتلة التغيّير، ولما كانت الأحزاب العربية حسب وجهة نظر غالبية الأحزاب الصهيونيَّة واليهودية هي أحزاب غير شرعية للمشاركة في الائتلاف الحكومي، لأنَّ شرعيَّتها مقتصرة على مساحيق التجميل التي باتت باهتة أيضًا، فإنَّ هذه الكتلة لن تتمكن من الحصول على عدد مقاعد كافٍ لتشكيل حكومة التغيِّير، وإذا حدث و”سوَّلت” لقائد كتلة التغيِّير نفسه قبول حزب عربي في ائتلافه -بعد إذ يقدم ذاك الحزب الولاءات المطلوبة- فإن جوقة اليمين التي تحدثنا عنها آنفًا كفيلة بسحب عدد من أعضاء الكنيست من كتلة التغيِّير -والأرض خصبة لذلك- إلى الاتجاه الآخر، وهو سيناريو حدث مع حكومة بينت- لابيد، لكن أعتقد أنَّ ظرف اليوم مختلف عن ظرف بينت- لابيد، نقول هذا الكلام مع كلِّ الأسى والأسف، فبينما كان النقاش حول المشاركة في انتخابات الكنيست من عدمها، فقد أضحى اليوم حول المشاركة في الحكومة من عدمها، إن قبلت الأحزاب الصهيونيَّة واليهوديَّة بذلك!!!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى