أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزةومضات

الصيف في غزة.. قطعة من جهنم ومعارك يومية لا ترحم

ما عاد الصيف في قطاع غزة مجرد فصل ترتفع فيه درجات الحرارة، بل أضحى اختبارا يوميا لقدرة الناس على التكيف مع واقع قاسي لا يرحم.

ففي الوقت الذي يرتبط فيه الصيف في أماكن كثيرة بالإجازات والبحر والأنشطة العائلية كما كان سائدا أيضا في غزة قبل حرب الإبادة، يكتسب هذا الفصل في غزة اليوم معنى مختلفا، إذ تتداخل الحرارة الشديدة مع تحديات الحصول على المياه، وصعوبة توفير الكهرباء، والاكتظاظ في أماكن النزوح، لتصبح أبسط تفاصيل الحياة أكثر تعقيدا.

معركة يومية
فمع شروق الشمس، يبدأ يوم طويل في ظل حرارة مرتفعة. تبحث الأسر عن بقعة ظل، أو نسمة هواء تخفف من وطأة الطقس، بينما يزداد العبء على الأطفال وكبار السن والمرضى، وهم الفئات الأكثر تأثرًا بحر الصيف اللاهب.

ولا تقتصر معاناة الصيف على ارتفاع درجات الحرارة. فالحصول على مياه كافية للشرب والاستخدام اليومي يشكل تحديا قاسيا، ما يدفع كثيرين إلى ترشيد استهلاك كل لتر متاح، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على النظافة الشخصية والبيئة المحيطة أكثر صعوبة، وهو ما يزيد المخاوف من انتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال.

أما في أماكن الإيواء ومخيمات النزوح المكتظة، فإن الحرارة تكتسب بعدًا آخر، فالخيام أو الملاجئ المؤقتة لا توفر عزلًا من أشعة الشمس، ويؤدي الاكتظاظ إلى زيادة الإحساس بالحر، بينما تصبح ساعات النهار طويلة وثقيلة على السكان الذين يحاولون التكيف مع ظروف استثنائية.

ولا يقل العبء عن كاهل الأمهات، اللواتي يتحملن مسؤولية توفير احتياجات الأسرة اليومية في ظل الإمكانات المحدودة. فالحفاظ على الطعام، وتأمين مياه الشرب، ورعاية الأطفال في الأجواء الحارة، كلها مهام تصبح أكثر تعقيدًا خلال الصيف.

قطعة من جهنم
الحاجة الستينية “أم جمال” والتي تعيش في خيمة في أحد مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، تؤكد أن الصيف بالنسبة لها ليس سوى قطعة من جهنم، في ظل حياة الخيام التي وصفتها بـ”غير الآدمية”.

تقول “أم جمال”، في حديث للإعلام: “نحن نعيش حياة ليست سوى موت متكرر بشكل يومي، فحرارة الخيمة التي ترتفع مع بدء شروق الشمس والرطوبة العالية، تجعلنا في حالة صعبة، “نحن نستوي داخل هذه الخيام كما تستوي فاكهة التين في هذا الفصل بفعل الرطوبة والحرارة”.

وتشير إلى أن الحرارة ليست المشكلة الوحيدة، فانتشار الحشرات وأبرزها البعوض، يعد كارثة أخرى تحرمهم النوم والراحة وخاصة في ساعات الليل، وتقول “يتعاقب علينا الذباب في النهار والبعوض وحشرات أخرى في ساعات الليل”.

أما “أبو سالم”، وهو يسكن في خيمة بمخيم نزوح في غرب مدينة غزة، فيرى أن الحياة في غزة بالعموم وفي فصل الصيف على وجه الخصوص ثمثل كل ساعة فيها معركة حياة أو موت مختلفة الأشكال والأنواع.

ويقول في حديث صحفي أن النوم يمثل معركة في ظل الحشرات والبعوض والقوارض، والحصول على قطرة ماء معركة أخرى في ظل شح المياه العذبة الصالحة للشرب التي تصل مراكز النزوح، وبات الحصول أيضاً على المياه الصالحة للاستخدام للنظافة والاستحمام أمرا صعب المنال في ظل تزابد الطلب عليها بسبب دخول فصل الصيف.

ويكشف، أن عددا من أطفاله أصيبوا بأمراض جلدية مختلفة بسبب نقص المياه وعدم توفرها بشكل كافي يسمح لهم بالاستحمام والنظافة بشكل جيد في ظل الازدحام داخل مخيم النزوح وارتفاع درجات الحرارة.

صيف وكوارث وأزمات
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، قال في تقريره الصادر في 12 يونيو/حزيران 2026 إن العائلات النازحة في المواقع المكتظة والخيام تواجه حرارة الصيف الشديدة، بينما تتواصل زيادة الأمراض الجلدية والالتهابات بسبب محدودية الوصول إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي والعلاج.

وأشار إلى أن تراكم النفايات وصعوبة الوصول إلى المكبات يسهمان في زيادة انتشار الحشرات والقوارض.

وأكد تقرير آخر لـ OCHA نُشر في 26 يونيو/حزيران 2026 استمرار انتشار الأمراض الجلدية والإسهال المائي الحاد، مرجعًا ذلك إلى الاكتظاظ وسوء أوضاع المياه والصرف الصحي.

وفي أحدث تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، أفادت الوكالة بأن أكثر من نصف الأسر أبلغت عن افتقارها لمستلزمات النظافة الشخصية، بينما ذكرت نسبة كبيرة من الأسر انتشار مشكلات صحية، من بينها الأمراض الجلدية والجرب.

من جانبها، حذرت منظمة الصحة العالمية في خطتها الإنسانية لعام 2026 من أن خطر تفشي الأمراض لا يزال مرتفعًا نتيجة الاكتظاظ، وضعف خدمات المياه والصرف الصحي، ورداءة ظروف الإيواء، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية.

وفي تقرير متخصص نشرته منظمة أطباء بلا حدود في أبريل/نيسان 2026، خلصت المنظمة إلى أن انهيار خدمات المياه والصرف الصحي أدى إلى تدهور كبير في الصحة العامة، مع انتشار مشكلات مرتبطة بنقص النظافة، وتراكم النفايات، وتلوث البيئة المحيطة في أماكن النزوح.

وبات من الواضح يقينا أن العيش في غزة خلال فصل الصيف يعني أن تتحول التفاصيل الصغيرة إلى تحديات يومية، وأن يصبح البحث عن الماء والظل والراحة جزء من روتين الحياة، لكنه يعني أيضا استمرار محاولات التكيف والحفاظ على الأمل، رغم الظروف الإنسانية المعقدة التي يواجهها السكان.

ويبقى الصيف في غزة أكثر من مجرد فصل من فصول السنة، إنه مرآة تعكس حجم التحديات التي يعيشها الناس، وتذكر بأن الاحتياجات الأساسية التي قد تبدو بديهية في أماكن أخرى، تتحول هنا إلى هدف يسعى إليه الفلسطينيون في غزة كل يوم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى