معركة الوعي (292) من أول غزواتُه كشَفْ شِيّاتُه
حامد اغبارية
1) باروخ مارزل وميخائيل بن آري في الطريق إليكم!
هذا الأسبوع، وبشكل غير مفاجئ، طلب رئيس جهاز “الشاباك” الجديد، دافيد زيني، من المستشارة القضائية للحكومة إعادة النظر في موقف الجهاز من منع حزب كهاني متطرف من المشاركة في انتخابات الكنيست القادمة، بعد أن كان سابقه في رئاسة الجهاز (دافيد بار) قد أوصى أمام مسجلة الأحزاب بعدم السماح لذلك الحزب بخوض الانتخابات بسبب “احتمال ارتكابه أعمالًا غير قانونية”!!
يحمل الحزب الكهاني اسم “إسرائيل يهودية كاملة وقوية”، ومُؤسساه هما المتطرفان باروخ مارزل وميخائيل بن آري اللذان رضعا من حليب بقرة مئير كهانا “الحمراء”!
إن طلب إعادة النظر في قرار سابق لجهاز الشاباك بشأن ذلك الحزب، الذي يعدّ أكثر تطرفًا من حزبي بن غفير وسموطرتش، يعكس حقيقة المشهد الإيديولوجي والسياسي العام في الشارع الإسرائيلي الذي يشهد حالة من الانحدار الشديد نحو التطرف والفاشية، خاصة منذ أحداث السابع من تشرين الأول 2023.
2) رجُل نتنياهو!!
كان نتنياهو قد نجح في فرض تعيين زيني رئيسًا لجهاز الشاباك رغم كل الاعتراضات القانونية، ورغم العوار الذي أحاط بطريقة التعيين، خاصة وأن نتنياهو كان، قبل ذلك، قد رفض تعيينه سكرتيرًا عسكريًا له بحجة أنه “خلاصيّ” أكثر مما ينبغي!!
من هنا يمكن أن نستنتج أن نتنياهو وجد في زيني الشخصية التي يمكن لها أن تفتح له الطريق للبقاء في سدة الحكم. ومن المحتمل أن السبب الحقيقي لرفضه تعيين الرجل سكرتيرًا عسكريًا له ليس كونه “خلاصيًّا أكثر مما ينبغي”، بل لأنه أراده لمهمة أكبر!
وإن قراءة سريعة في سيرة زيني تعطي مؤشرًا على الاختيار!! فزيني “الخلاصيّ أكثر مما ينبغي” كان قد أبلغ الحكومة بعد وقت قصير من تسلمه منصب رئيس “الشاباك” بأن الجهاز يدعم قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين، وهذا لم يكن مفاجئًا. وهو الذي كان قبل ذلك قد أعلن معارضته لعقد صفقات تبادل مع حركة حماس (أثناء الحرب الحالية)، معتبرًا أن هذه الحرب هي حرب أبدية وجودية!!
ثم جاء زيني ليؤكد “حسن اختيار” نتنياهو له، حين أعلنها صراحة يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع، وبعد يومين فقط من طلبه إعادة النظر في منع حزب مارزل- بن آري الكهاني من خوض الانتخابات، إذ قال إن السبب الرئيس لقبوله وظيفة رئيس الشاباك هو قدرته على أن يكون مخلصًا للمستوى السياسي المنتخب. ما يعني أنه يقدم الولاء لنتنياهو على الولاء لنظام الجهاز وللقانون. وهذا يعطي احتمالًا قويًا بأن المسألة دُبِّرت ونُسجت خيوطها في عتمة مكتب نتنياهو!!
3) طوق النجاة؟!
فهل يمكن أن يكون تعيين زيني لرئاسة الشاباك، ثم الوصول إلى النقطة الأهم، وهي إضافة حزب جديد، أكثر تطرفًا، إلى المشهد السياسي الإسرائيلي، هو طوق النجاة لنتنياهو، في ظل وجود احتمال كبير بأنه في وضعه الحالي سوف يفشل في البقاء في الحكم؟!
يبدو أن هذه إحدى الوسائل لبقاء نتنياهو في الحكم والنجاة بجلده من حكم قضائي محتمل ضده في الملفات التي ما تزال تُنظر أمام القضاء، تكمن في إعادة النظر في قرار منع حزب مارزل – بن آري من خوض الانتخابات، إذ بات واضحًا أن اليمين المتطرف هو طوق النجاة الوحيد له، بعد أن بدأ يفقد الكثير من مؤيديه وداعميه التقليديين داخل معسكر اليمين التاريخي، حتى داخل حزبه (الليكود). فهل تشهد الخارطة السياسية- الحزبية دخول حزب مارزل- بن آري ليكتمل المشهد؟
يبدو أن الظروف التي أوصلت بن غفير وسموطرتش إلى سدّة الحكم ومكّنت نتنياهو من تشكيل الحكومة الحالية، متوفرة الآن أكثر من ذي قبل لاستيعاب حزب أكثر تطرفًا وفاشية!
وقد يقول قائل: هناك احتمال أن ترفض الجهات القانونية المعنية طلب زيني بإعادة النظر في الحزب. وهو قول يبدو في ظاهره منطقيًا. غير أن الحديث يجري عن الشاباك!! وتوصية الشاباك تُعدّ من أهمّ، إن لم تكن أهمّ التوصيات تأثيرًا على المشهد السياسي. فالشاباك الذي يوصي بالمنع ثم تتعاطى الجهات المختصة مع التوصية بالإيجاب، يستطيع أن يوصي بالسماح، ويوفّر كل ذريعة، ويمارس كل وسيلة لتحقيق الغرض! ولعلّ ما يؤكد هذا التوجه (فيما يبدو أنه اتفاق مسبق) أن مارزل وبن آري نأيا بنفسيهما عن إدراج اسميهما في قائمة الحزب الجديد، حتى لا يشكل سجلّهما الأسود عائقًا (قانونيًا) أمام الخروج بقرار يسمح للحزب بخوض الانتخابات. وتستطيع أن تربط بين هذا وبين التمرد الحكومي على قرارات المحكمة الإسرائيلية العليا ورفض إنفاذ قراراتها، الأمر الذي يحمل في طياته مؤشرات لما سيحدث في قادم الأيام.
4) الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني!
من الضروري والواجب الأخلاقي والوطني، ومن المنطق الذي أنتجته تجارب ثمانية عقود عجاف، أن يفهم مؤيدو السادرين في طريق الكنيست- أو أن نُفهِمَهم- أن مشكلة مجتمعنا، ومن ثمّ شعبنا، ليست مع حكومة يمينية هنا ويمينية متطرفة هناك، أو مع حكومة “يسارية” تدغدغ أحلامهم وتلطمهم على قفاهم، وإنما المشكلة مع المؤسسة الإسرائيلية من حيث كونها نواة المشروع الصهيوني الذي يتمدد الآن في الجهات الأربع، بينما يشغلنا هؤلاء بمعارك انتخابية لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن أمثال بن غفير وسموطرتش، وأمثال باروخ مارزل وبن آري هم الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني، وهو الوجه الذي حاولت المؤسسة الإسرائيلية (ونجحت..) عبر عقود إخفاءَه، وقدّمت للرأي العام وجهًا آخر يتقمص دور الضحية تارة، والديمقراطية تارة أخرى، والعدل والحرية واحترام القانون تارة ثالثة!
لنراجع – مثلًا- سلوك الاحتلال تجاه شعبنا في الوقت الحالي، خاصة منذ واقعة السابع من تشرين الأول 2023، ثم لنراجع بعض مواقف وتصريحات مارزل وبن آري، ثم نُسقطها على ما وقع على أهلنا عام النكبة، وسنجد أن الإطار واحد، والنموذج واحد، والسلوك واحد، والاستراتيجية واحدة.
يقول باروخ مارزل إنه هو الذي ربّى بن غفير (الذي طعنه في ظهره). فتخيّل وأنت تراجع سجل بن غفير كيف يكون المربي الذي أرضعه! ويتفاخر بأنه أثناء الحرب على الفلسطينيين في لبنان عام 1982 حظي بفرصة قتل الكثير من الأغيار، إذ انتظر طوال حياته ليحظى بهذا الواجب (الديني). وهو الذي أقام حفلاً تنكريًا (في عيد المساخر) عام 2000 عند قبر سفاح المسجد الإبراهيمي باروخ غولدشطاين، تمجيدًا له، وهو الناشط في منظمة “لهافا” المتطرفة، وهو الذي نظم مسيرة في القدس أثناء الحرب الحالية (عام 2023) للمطالبة بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك. وهذا غيض من فيض سجل مارزل، الذي كان شريكًا لبن آري وبن غفير وسائر العصابة في الاقتحامات التي نفذوها في البلدات العربية مثل أم الفحم والناصرة وغيرهما.
أما بن آري فسجلّه مليء بالدموية. وهو الذي قال ذات يوم واصفًا إيانا، نحن فلسطينيي الداخل: يجب أن تسمي الكلب باسمه.. إنهم أعداؤنا. وإن العرب في حيفا لا يختلفون عن العرب في غزة، وإنه يجب تغيير المعادلة بحيث تكون أن من يجرؤ على الكلام ضد يهودي يجب ألا يعيش.. لا يُطرد، ولا تُسحب جنسيته، بل تأتي كتيبة إعدام وتطلق عليه النار وتصفّيه.. هذه اللغة التي يفهمها العرب!!
فهل يفهم العرب حقيقة المشهد؟!
5) تسويق الوهم وتغييب الوعي
بعد ذلك يأتي السائرون في نفق الكنيست ليبرروا حالة السقوط المريع الذي وصلوا إليه، والذي أوصلوا مجتمعنا إليه. فتجد منهم من يتحدث عن ضرورة تحقيق 17 عضو كنيست كي يتمكنوا من إسقاط نتنياهو واليمين المتطرف!! وتجد منهم من يقول إنه يريد أن يصبح “كتلة مكملة” لتشكيل الائتلاف القادم، موهمًا نفسه وجمهوره أنه سيجد في الشارع اليهودي دعمًا وتأييدًا ومددًا، ويحلم بسبعة أعضاء لتحقيق كتلته، التي هي نسخة أسوأ من “الكتلة المانعة” التي شكلها أعضاء الكنيست العرب (من كل الأطياف) لحماية حكومة رابين؛ تلك الحكومة التي مارست أشد أنواع القتل والتنكيل بإخوتنا في الضفة وغزة أثناء الانتفاضة الأولى، وهي الحكومة التي نجحت في تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها باتفاقية “أوسلو” التي يرى الأعمى ثمارها ونتائجها!!
6) السؤال المهم
حتى نفهم حجم الوهم وتغييب الوعي الذي تمارسه الأحزاب العربية الإسرائيلية على الجمهور، وحتى يعلم كل من يقع في الفخ ويصدّق أن هؤلاء يمكنهم تحقيق شيء مما يوهمون الناس به، لنسأل السؤال المهم: هل الدولة الإسرائيلية دولة عادلة أم دولة ظالمة؟!
فإن كانت دولة عادلة، فإن من المفهوم ضمنًا والمتوقع تلقائيًا أن كل مواطن يحصل على حقوقه دون عناء، فالدولة تضمن له حقوقه، وتوفر له كل أسباب العيش الكريم. عندها لا حاجة لأن تُهدر كل هذه الجهود والأموال والأوقات من أجل تحصيل حقوق مدنية ويومية تضمنها الدولة العادلة!
وإن كانت دولة ظالمة، فإنه لو صوّت جميع أصحاب حق التصويت في مجتمعنا دون استثناء، ثم حققتَ أكبر عدد ممكن من أعضاء الكنيست، بحيث تصبح أكبر “بيضة قبان” في العالم، أو أكبر “كتلة مكملة” فوق الأرض، أو شريكًا في الائتلاف، فإن الدولة لن تعطيك أكثر مما ترى أنه يخدم مصلحتها ومشروعها. فالدولة الظالمة لا يمكن أن يخرج منها خير أو عدل، وفي التالي فإن أي جهد أو محاولة بائسة لتغيير الواقع مصيره الفشل، وهو مضيعة للوقت، وخداع للجمهور، واستنزاف لقدراته، وحرف لبوصلته، واستغلال عاطفي له. وقد سبق ورأى الناس وعاشوا التجربة قبل ذلك، فكيف تسير في نفس الطريق وترتكب نفس الأخطاء وتستخدم نفس الأدوات في كل مرة، ثم تتوقع نتائج مختلفة؟
