أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتمرئياتومضات

“أرامل غزة” ينهضن من بين الركام بـ”خيوط الأمل” ومشاريع الإرادة (شاهد)

في قطاع غزة، حيث الحرب لا تترك بيتاً إلا وتطرق أبوابه بالفقد والتدمير، تعيش الأرامل معاناة مضاعفة، من فقد الزوج، وقسوة النزوح، وانعدام مصادر الرزق، لكنهن ينتفضن من وسط الألم وأكوام الركام والذكريات، ويتحدين الواقع وبؤس الحياة، لتنتصر لديهن إرادة الحياة.

رشا ونجوى وإخلاص وعبير، لكل منهن حكاية أرملة خطفت حرب الإبادة الإسرائيلية زوجها، لكنهن خلعن ثوب الحزن واليأس، وامتلكن إرادة تتحدى الموت، ونجحن في تحويل الفاجعة إلى قوة، والفقد إلى دافع، وخيمة النزوح إلى مساحة للابتكار والعمل.

وفي اليوم العالمي للأرامل، الذي أقرته الأمم المتحدة ويوافق سنوياً 23 يونيو/حزيران، لمواجهة الفقر والظلم الذي يطال ملايين الأرامل وعائلاتهن حول العالم، تبدو غزة شاهداً صارخاً على حجم المأساة، حيث خلفت الحرب أكثر من 26 ألف أرملة، بحسب أحدث إحصائية صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية.

رشا أبو شاويش اقتطعت جزءاً من مساحة خيمتها لعمل بسطة صغيرة تعتاش من عائدها وتعيل أطفالها الخمسة

لا خيارات أمام الفقد
آلاف من هؤلاء الأرامل أمهات يعشن مع أطفالهن حياة قاسية في الخيام ومراكز الإيواء، ومع ذلك، فإن كثيرات منهن لم يستسلمن لليأس أو البقاء رهائن للمساعدات الإغاثية الشحيحة، بل اخترن التحدي، وانخرطن في أنشطة إنتاجية صغيرة لإعالة أسرهن، مثبتات أن الإرادة قادرة على تحدي الفقد والموت.

ومثل غيرها، فقدت رشا أبو شاويش زوجها شهيداً، ووسط ظروف معيشية قاسية ناجمة عن الحرب والحصار وجدت نفسها مطالبة بتحمل مسؤولية الأب والأم معاً وإعالة 5 أطفال، استشهد أحدهم بنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي، كمئات غيره فقدوا أرواحهم على أعتاب مراكز توزيع المساعدات الأمريكية.

ولم تستسلم رشا (42 عاماً) لمرارة الفقد ومأساة النزوح والتنقل مع أطفالها، حتى استقرت في خيمة بـ”مخيم البركة للأيتام” غرب مدينة خان يونس جنوب القطاع. ثم اقتطعت جزءاً من مساحة خيمتها الصغيرة، وافتتحت فيه بسطة صغيرة تبيع فيها السكاكر والبسكويت لأطفال المخيم، في محاولة منها لكسب قوت يومها.

وتقول: “الحياة صعبة وليس لدينا أي مصدر رزق بعد استشهاد زوجي، ومن بعده أكبر أبنائي. المساعدات الإغاثية التي تصلنا شحيحة جداً مقارنة بحجم احتياجاتنا في غزة”.

وطوال ساعات النهار تجلس رشا على الأرض بجوار بسطتها، تستقبل الأطفال بوجه بشوش وبابتسامة تخفي وراءها مسؤولية تصفها بالعظيمة، فهي وإن فقدت زوجها وابنها “لكنني لم أفقد إرادتي”، تضيف بنبرة جادة عن عملها اليومي من أجل تلبية احتياجات أطفالها، كي لا يشعروا بالنقص والحاجة بعد غياب والدهم.

نجوى الشمالي: أرامل الشهداء لديهن صبر وصمود وقدرة على النهوض من جديد رغم مرارة الفقد

“خيوط الأمل”
حين استشهد زوج نجوى الشمالي شعرت أن الأرض قد انهارت من تحت أقدامها، لكنها أمسكت بخيوط التطريز لتحيك بها آمالاً جديدة لأطفالها الخمسة: “رغم مرارة الفقد وقسوة الحياة في غزة، أردت أن أثبت قدرتي والكثير من أرامل الشهداء في هذا المشروع على النهوض من جديد”.

وافتتحت الشمالي (44 عاماً) مع 50 أرملة أخرى مشروعاً للتطريز والمشغولات اليدوية أطلقن عليه “خيوط الأمل”، في مسعى لنسج حياة جديدة لهن ولأطفالهن بعد فقد الزوج والمعيل.

وهي تتقن “فن الكروشيه” (الحياكة والغزل)، ووجدت في السنارة وخيوط الصوف نافذة أمل وسبيلاً لمهنة توفر لها ولأطفالها قوت اليوم واحتياجات الحياة الأساسية.

ولم تستسلم الشمالي لحالة التيه التي أصابتها بعد استشهاد زوجها، وأيقنت أن الطريق أمامها لا يزال طويلاً لتربية أطفالها ورعايتهم، واهتدت مع أرامل أخريات لفكرة التطريز وحياكة مشغولات يدوية، كالقطع الفنية بطابع تراثي، والملابس، والحقائب والمفارش.

تدر إخلاص نعنع دخلاً محدوداً من عملها الشاق لكنها تشعر بالرضا لمواصلة الحياة من أجل طفلتها اليتيمة

عمل شاق لمواصلة الحياة
وفي زاوية من “مخيم البركة للأيتام”، ترافق الثلاثينية إخلاص نعنع أشعة الشمس في شروقها، وتقضي يومها من الصباح الباكر وحتى قبيل المغيب أمام فرن من الطين، كمشروع صغير افتتحته من أجل رعاية طفلتها الوحيدة، التي ذاقت لوعة الفقد واليتم مبكراً إثر استشهاد والدها.

وجدت نعنع نفسها فجأة وحيدة في مواجهة تحديات الحياة، لكنها رفضت الركون لحزنها الكبير على فقد زوجها شهيداً بنيران الاحتلال.

“كان زوجي كل شيء في حياتي، أعتمد عليه في كل التفاصيل اليومية، وفجأة وجدت نفسي وحيدة مع طفلتي، وكغيري من أرامل الشهداء أمامنا تحديات كبيرة ومعقدة، ولكننا نرفض أن نبقى رهينات للأحزان واليأس والاستسلام للواقع الصعب، والأغلبية منا ينهضن من جديد لمواصلة الحياة من أجل أطفالنا”، تقول نعنع.

وبالرغم من أنها لا تجني سوى بضعة شواكل (أقل من 3 دولارات يومياً) من وراء الجلوس لساعات طويلة أمام اللهب المنبعث من نيران الفرن، لكنها تشعر بسعادة كبيرة أنها تعيل طفلتها من عمل يديها، وتضيف: “أريدها أن تكبر، وأن ترى أن أمها قوية وكانت قادرة على مواجهة قسوة الحياة من أجلها”.

محاولة لاستنهاض الهمم
وفي المخيم ذاته تتجسد معاني الصمود والنهوض من جديد لدى أرامل تقطعت بهن السبل بعد فقد أزواجهن وبيوتهن، ووجدن أنفسهن بلا معيل ولا مأوى، لكن نظرة نحو أطفالهن منحتهن القوة لمواصلة الحياة.

تقول مديرة مخيم البركة عبير الصوالحة، وهي ذاتها أرملة شهيد: “تصل الأرامل إلى المخيم محطمات، بلا بيت ولا معيل، لكنني أؤمن أن في داخل كل واحدة منهن قوة كامنة، ومع المشاريع الصغيرة نعيد بناء حياتنا من جديد”.

عبير الصوالحة: المشاريع الصغيرة تدعم الأرامل نفسياً وتساعدهن على النهوض من جديد

ويؤوي “مخيم البركة 4” وهو أحد مجموعة مخيمات مختصة بإيواء الأرامل وأيتامهن، 200 أرملة شهيد مع أطفالهن، وتشير الصوالحة إلى أن كثيرات منهن مؤهلات ويحملن شهادات جامعية، وهو ما ساعد على افتتاح روضة أطفال ومدرسة ابتدائية، بالاعتماد كلياً على طاقم تدريس من الأرامل.

طالت الحرب واشتد الحصار ووجدت الأرامل أنفسهن في مواجهة واقع بائس، حيث المساعدات الإغاثية غير كافية ولا تسد كافة احتياجات الأسرة، فكان هذا دافعاً بالنسبة لهن لتأسيس مشاريع صغيرة، أثبتت إرادة المرأة الفلسطينية وقدرتها على النهوض، بحسب الصوالحة.

ووظفت كل أرملة ما تجيده من مهارة أو موهبة، فكانت النتيجة مشاريع منتجة، وتتابع الصوالحة “رغم بساطة تلك المشاريع فإنها ساعدت أرامل الشهداء على الاندماج في المجتمع وإعالة أطفالهن”، وتؤكد أن جدوى هذه المشاريع لا تقتصر على العائد المادي، ولكنها تمنحهن شعوراً بالرضا عن الذات رغم قسوة الظروف.

دعم نفسي ومادي
قبل اندلاع حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، بلغ عدد أرامل القطاع 20 ألفاً و649، يضاف إليه 26 ألفاً و500 أرملة شهيد فقدن أزواجهن خلال الحرب. وبحسب المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة الدكتورة عزيزة الكحلوت، فإن جميع الأرامل المسجلات على قاعدة بيانات الوزارة معيلات لأسر، وأعدادهن مرشحة للارتفاع مع استمرار جرائم القتل.

وتقول الكحلوت إن الأرامل بحاجة ماسة لكافة أنواع المساعدات والبرامج من تدخلات عاجلة، ولمشاريع صغيرة ودعم نقدي شهري وسلة غذائية شهرية، علاوة على حاجتهن إلى برامج دعم نفسي اجتماعي وقانوني، وإنشاء مراكز تعليمية وبرامج دعم تعليمي متكاملة.

وتواجه الأرامل في غزة تحديات كبيرة في ظل الظروف القاسية، وشح المساعدات الإغاثية. ووفقاً للكحلوت، فإن وزارة التنمية الاجتماعية تبذل جهوداً كبيرة من أجل توفير بعض البرامج المالية والعينية من أجل خدمة هذه الشريحة الأكثر تضرراً بفعل الحرب والحصار.

وحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حتى أبريل/نيسان الماضي، يوجد في قطاع غزة 58 ألف يتيم فقدوا أحد الأبوين أو كليهما.

عبير الصوالحة (يمين وقوف) مديرة مخيم البركة 4 للأيتام تتابع سير العمل في مشغل خيوط الأمل
نجوى الشمالي تعمل مع 50 من أرامل شهداء في مشروع للتطريز والمشغولات اليدوية
حقيبة يدوية نسجت عليها خارطة فلسطين التاريخية من إنتاج أرامل شهداء في جنوب قطاع غزة
نجوى الشمالي تعرض تذكاراً من نسج أرامل شهداء
هدايا تذكارية من صنع أرامل في مشغل خيوط الأمل بمخيم البركة للأيتام جنوب قطاع غزة
إخلاص نعنع أرملة شهيد افتتحت فرناً من الطين كمشروع بسيط لتوفير احتياجاتها وطفلتها اليتيمة
تقضي إخلاص نعنع نهارها يوميا أمام فرن من الطين لإعالة طفلتها اليتيمة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى