أخبار عاجلةمقالات

ويبقى للعمل الجماهيري رونقه المميز

أحمد سليمان

“الكبار يموتون، والصغار ينسون”. بهذه العبارة أراد قادة المشروع الصهيوني هدم الذاكرة الجمعية التي بناها آباؤنا وأجدادنا بالطين والعرق والدم. فالذاكرة الجمعية هي ما يحفظ للشعوب أصلها وكيانها واستمراريتها.

تُمثل الذاكرة الجمعية الخزان الروحي والمعرفي الذي تستمد منه الشعوب كيانها ووجدانها ومبرر وجودها. فإذا كانت الذاكرة الجمعية هي العقل الباطن والوجدان الذي يوجهان حركة المجتمع ويمنحانه معناها، فإن العمل الجماهيري هو العضلة التي يتحرك بها، والأداة التي تتحول بها الذاكرة إلى فعل، والهوية إلى ممارسة.

ومن أهم ركائز الذاكرة الجمعية العمل الجماهيري، من التظاهر، والوقفات الاحتجاجية، والإضرابات العامة على اختلاف أشكالها، فهي ليست أحداثًا عابرة، بل محطات تتوارثها الأجيال وتصبح جزءًا من الوعي الجمعي. فعلى الصعيد المحلي، بدأت هذه المسيرة بمظاهرة الطحين التي قادتها نساء عكا عام 1951، عندما خرجن في ظل الحكم العسكري للمطالبة بـ”الخبز والعمل”. ثم جاءت مظاهرات يوم الأرض عام 1976 في سخنين وعرابة ودير حنا دفاعًا عن الأرض، تلتها احتجاجات أرض الزبود في بيت جن عام 1987، واحتجاجات أراضي الروحة في أم الفحم وأم السحالي في شفاعمرو عام 1998، ثم احتجاجات أراضي المنصورة في الدالية وعسفيا عام 2008، وصولًا إلى الاعتصامات في شوارع القدس ضد البوابات الإلكترونية عام 2017، وما نشهده اليوم من احتجاجات في المكر والجديدة وكفر ياسيف رفضًا لمشروع شارع 6 الذي يجتزئ أراضي أهلنا. وهذا التسلسل التاريخي يؤكد أن الحقوق لم تُصن يومًا بالمسار القضائي وحده، وإنما كانت دائمًا بحاجة إلى شارع حي، منظم، ومبادر.

ولا يمكن الحديث عن العمل الجماهيري دون التوقف عند تجارب إنسانية تركت أثرًا في التاريخ، فقد رفضت روزا باركس التخلي عن مقعدها في الحافلة عام 1955، فأطلقت شرارة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وقاد المهاتما غاندي مقاومة شعبية واقتصادية ضد الاستعمار البريطاني، بينما أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن الديمومة أهم من العدد، إذ اقتصر بعض الاحتجاجات في بداياتها على أربعة متظاهرين فقط. ونشهد اليوم اتساع الاحتجاجات الشعبية في أنحاء العالم لنصرة غزة، من إضرابات عمال الموانئ إلى المسيرات الشعبية في عشرات الدول. كما شهد العالم العربي موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بالحرية والكرامة، وأثبتت، رغم تفاوت نتائجها، أن الشارع المنظم يبقى أحد أهم أدوات التأثير والتغيير.

لقد علمنا التاريخ أن العمل الجماهيري هو عصب الشعوب؛ فبه انتزعت حقوقها، وصانت كرامتها، ورسخت ذاكرتها. لذلك فإن النضال القانوني لا غنى عنه، لكنه لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى سند شعبي منظم ومستمر.

إذا كانت هذه الشعوب قد حققت كثيرًا من غاياتها بالعمل الشعبي، فما حالنا اليوم؟ وكيف تتعامل أحزابنا مع هذا الإرث؟

إن الأحزاب، والحركات، والنقابات، واللجان الشعبية هي أدوات التغيير في المجتمعات الحية، لأنها الأقرب إلى الناس، والأقدر على تنظيمهم وتعبئتهم. فهي تستمد قوتها وشرعيتها من الشعب، وأكبر خطأ تقع فيه هو أن تحصر عملها في مضمار واحد، حتى رضيت كثير من أحزابنا في الداخل الفلسطيني أن تكون مجرد قوائم انتخابية تنشط في موسم الانتخابات ثم تغيب بقية الوقت.

فلم نرَ حزبًا “كنيستيًا” أطلق مشروعًا شعبيًا مستمرًا لمناهضة الجريمة، أو مبادرة حقيقية للحد من هدم البيوت، أو برنامجًا لمعالجة تفاقم الطلاق، أو رؤية لتعزيز التواصل مع أبناء شعبنا في الشتات. بل يتكرر الخطاب نفسه: انتظروا الانتخابات، ثم تشكيل الحكومة، ثم نتائجها. لكن المجتمع لا يستطيع أن ينتظر، فيما تتفاقم أزماته يومًا بعد يوم.

لقد عرف مجتمعنا زمنًا كان فيه الحزب بيتًا ثانيًا للشباب، والعمل التطوعي جزءًا من الحياة اليومية، فمن حماية المقدسات، ومحو الأمية، وإحياء القرى المهجرة، إلى الندوات السياسية، والمحاضرات التوعوية، وحلقات مناقشة الكتب، وإطلاق المبادرات المجتمعية، كان الحزب حاضرًا في تفاصيل المجتمع، يصنع الوعي قبل أن يبحث عن الأصوات، ويقود الناس قبل أن يطلب أصواتهم.

في الطبيعة لا يوجد فراغ، وما نعيشه اليوم ليس إلا ثمرة تراجع هذا الدور. لذلك فإن استعادة مكانة الأحزاب لا تبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل بالعودة إلى وظيفتها الأصلية: قيادة المجتمع، وصناعة المبادرات، وتنظيم العمل الجماهيري، بحيث يعود الحزب مؤسسة مجتمعية حية لا مجرد قائمة انتخابية موسمية. فيبقى للعمل الجماهيري رونقه المميز، لأنه الميدان الذي تُبنى فيه الشعوب، وتُصان فيه ذاكرتها، وتُنتزع به الحقوق.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى