أخبار وتقاريردين ودنياومضات

هل صرنا عبيدًا للشاشات حتى في أقدس مقدساتنا

ليلى غليون

في رحاب بيت الله الحرام، تقف الكلمات خاشعة، والعبارات عاجزة عن حمل ما يفيض به القلب من مشاعر لا تشبه شيئًا من مشاعر الدنيا، وما أن تقع العين على الكعبة المشرفة، حتى ترتجف الروح رهبة وإجلالًا، هناك يرى المسلم مهوى أفئدة المؤمنين، ومكانًا تتنزل فيه السكينة على القلوب كما يتنزل الغيث على الأرض العطشى.

هناك تتجلى العبودية بأسمى معانيها، فلا مال ولا جاه ولا منصب، بل عبد ضعيف يرجو رحمة ربه ويطمع في مغفرته، وحين يبدأ الطواف يشعر المسلم أن روحه تطوف مع جسده في فلك المحبة والإيمان، وأنه جزء من هذا المشهد العظيم الذي يجمع المسلمين من كل لون ولسان، تحت راية واحدة، وقبلة واحدة، ورب واحد، تتعالى الأصوات بالحمد والدعاء والتهليل والتكبير، فيمتلئ المكان بجلال لا يمكن وصفه إلا بأنه نفحة من نفحات الرحمة الإلهية.

يرحم الله سيد الزهاد إبراهيم بن أدهم حينما مر على صديق له فقال: هل لك في صحبتي إلى الحج؟ قال: نعم. قال إبراهيم: بشرط. قال: اشترط. قال إبراهيم: ألا نلتفت لغير الله. قال: أفعل.

وبينما يطوفان بالبيت، إذا بإبراهيم بن أدهم يدقق في غلام يافع يطوف حول الكعبة، قال له صديقه: أنسيت شرطنا يا إبراهيم؟ قال: والله ما فعلت إلا أن هذا الغلام ولدي، فلما تذكرت الشرط منعت نفسي عنه حتى أحقق في هذه الحجة ألا ألتفت لغير الله، فاذهب إليه وأقرئه مني السلام، ولا تعلمه بوجودي هنا، فإني لا أريد أن أنشغل عن الله وأنا في بيته لا بمال ولا بولد. فذهب إليه وأبلغه سلامه، فالتفت إبراهيم بن أدهم إلى الكعبة يناجي ربه قائلًا:

هجرت الخلق طرًا في هواك

وأيتمت الوليد لكي أراك

فلو قطعتني في الحب إربًا

لما حن الفؤاد إلى سواك

أسوق هذه القصة وأنا كلي غرابة وحيرة، بل ربما هو الاستهجان، كيف أن الشاشات لم تسرق منا فقط معظم أوقاتنا ومحور اهتماماتنا وتفكيرنا، ولم تؤثر فقط على علاقاتنا على أنواعها الاجتماعية والأسرية والزوجية، ولم تبنِ فقط جدرانًا فاصلة بين الناس، بل غزت، وبلطف وبكل نعومة، وسلبت منا أقدس اللحظات وأجملها، واستولت على انتباهنا، وأصبح لها الحضور الأقوى حتى في أطهر بقاع الأرض، بيت الله الحرام، الكعبة المشرفة، زادها الله تعظيمًا وتشريفًا، في أوقات هي للخشوع والإنابة، في لحظات من المفترض أن يكون فيها حضور للقلب، واستشعار عظمة الله، وهيبة المكان، وخشوع الجوارح، والتي هي انعكاس وترجمة لخشوع القلب والروح… في لحظات يتمنى فيها المسلم أن تمتلئ روحه وتأنس بالقرب من الله، وأن يذوب قلبه خشوعًا وإنابة إليه، في بيت الله الحرام، قبلة المسلمين، ترفع الأكف بالدعاء، وتسكب فيه الدموع، وتغفر فيه الذنوب بإذن الله.

ولكنه مشهد يثير التأمل، حيث الملايين تطوف حول الكعبة المشرفة، وألسنة المؤمنين تلهج بالدعاء والذكر، لكن وسط هذا المشهد الإيماني المهيب، ترى هواتف مرفوعة أكثر من أكف مرفوعة، وعدسات تبحث عن لقطات مثالية هنا وهناك، بينما الأولى أن تبحث القلوب عن لحظة صفاء مع الله تعالى.

ففي زحام الطائفين حول الكعبة، حيث تتلاقى القلوب قبل الأجساد، في مشهد تهتز له المشاعر والأرواح، هناك تتنزل السكينة، وتنساب الدموع، وتذوب الفوارق بين الناس، ولا يبقى للمسلم سوى قلبه بين يدي الله.

في هذا الزحام المهيب، في هذا المشهد الإيماني، ترى من جعل هاتفه رفيقًا له يطوف معه إذا طاف، ويسعى معه إذا سعى، وليس في ذلك أي مشكلة، ولكنه جعل من عدسته شغله الشاغل، يرفع بيمينه هاتفه للأعلى محاولًا ألا تفوته لقطة أو مشهد أثناء تصوير الحشود، ويرفع اليد الأخرى متضرعًا إلى الله بالدعاء، أي مشهد، وأي قلب سيخشع والفكر والبصر مشغول بالتقاط الصور وتصوير المقاطع، وإعادة التصوير مرة بعد أخرى، وهو في حيرة من أمره، من أية زاوية يكون التصوير أجمل وأوضح، بينما يفوته من معاني الطواف أو السعي ما لا تعوضه آلاف الصور.

فهل وصل بنا التعلق بالشاشات إلى درجة جعلتنا نعجز أن نعيش حتى لحظات العبادة دون تصوير؟ وهل أصبحت رغبتنا في توثيق كل شيء أقوى من رغبتنا في تذوق حلاوة القرب من الله في بيت الله؟ إن الطواف عبادة، وأي عبادة، وليس استعراضًا، إنه لقاء بين العبد وربه، لا بين العبد ومتابعيه أو معجبيه. والكعبة ليست مسرحًا لالتقاط الصور، ولا الطواف مناسبة لصناعة المحتوى.

ففي كل شوط فرصة للدعاء، وفي كل خطوة رجاء بالمغفرة، وفي كل التفاتة إلى الكعبة المشرفة حياة للقلب والروح، فكيف تفرط أيها الطائف، يا من جعلت عدستك شغلك الشاغل، كيف تفرط بهذه الكنوز لتنشغل بصورة قد لا تنظر إليها إلا بعد أيام؟

هل قطعت كل المسافات، وتكلفت المبالغ الكبيرة، وودعت الأهل والأحباب والأصحاب، وتحملت مشاق السفر ومتاعبه، لجمع الصور أم لجمع الحسنات؟

هل تبحث عن كثرة متابعة الناس لك وإعجابهم بصفحتك، أم تراك تبحث عن رضا رب العالمين؟ هل عدد المقاطع التي قمت بنشرها وأشغلتك عن العبادة هي التي ستثقل ميزانك يوم القيامة، أم أن مقدار الإخلاص الذي تحمله في قلبك هو من سيثقل موازينك؟

قد يعترض معترض على هذا الطرح ويقول: “إنها مجرد صور لذكرى جميلة”، ولا شك أن الاحتفاظ بذكرى رحلة إلى بيت الله الحرام مفهوم، ولا حرج في أصل التصوير إذا خلا من المحاذير الشرعية ولم يُشغل عن العبادة، وليست المشكلة في أن نلتقط صورة أو صورًا، ولكن أن تصبح الصورة والتصوير هي المحور والشغل الشاغل، وأن يقضي الطائف معظم وقته يبحث عن أفضل زاوية، ويكرر التصوير إذا لم يستحسن ما قام بتصويره، ويؤخر الدعاء، أو يزاحم الطائفين وهو يبحث عن مكان أفضل للتصوير، أو ينشغل بما سينشره من مقاطع وصور وعدد الإعجابات التي سينالها بعد نشرها، أكثر من انشغاله بما سيجنيه من أجر.

ليس المقصود في هذه المقالة أن نحرم أنفسنا من هذه الذكرى الجميلة بصور توثقها، ولكن أن تبقى العبادة هي الأصل، والتصوير أمرًا عارضًا لا يطغى على روح الطواف ولا على خشوع القلب، وأن نراجع أنفسنا ونحن ضيوف الرحمن وفي رحابه، ونسألها: من سيد هذه اللحظة؟ هل هو القلب أم هو الهاتف؟ فإذا صار الهاتف يزاحم القلب ويشغله عن الذكر والدعاء ويصرف الإنسان عن مقصود العبادة، هنا تكمن المشكلة.

فبعض الناس من يقيس قيمة رحلته بعدد الصور والمقاطع التي التقطها ثم نشرها، وكأن هذه الذكرى لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون، وضغطوا عليها بالإعجاب والمشاركة، مع أن أجمل الذكريات تلك التي تبقى محفورة في القلب وتشهد عليها الأعمال الصالحة، لا الألبومات والصور.

إن الذكرى الحقيقية لزيارة بيت الله الحرام ليست صورًا مخزنة في ذاكرة الهاتف، وإنما هي قلب تغير، ونفس تابت، وعين دمعت، ودعوة صادقة استجاب لها المولى عز وجل.

ولأن الله تعالى اصطفانا لنكون في أطهر بقاع الأرض، فلنجعل هواتفنا صامتة، وقلوبنا ناطقة، وألسنتنا ذاكرة، ولنتذكر دائمًا أن هناك لحظات في الحياة لا ينبغي أن نعيشها خلف الشاشات، بل نعيشها بكل جوارحنا، لأنها قد لا تتكرر مرة أخرى. وما أجمل أن نخرج من بيت الله بقلوب وأرواح امتلأت إيمانًا وحبًا لله، لا بمعرض صور امتلأ بالذكريات، فهناك لحظات أعظم من أن تسكن الذاكرة الرقمية، لأن محل سكناها هو القلب. رزقكم الله زيارة بيته، وأنعم عليكم بالهدى والإيمان والسلامة والأمان.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى