كيف يكون موقفك يكون موقعك، وإن مقامك حيث أقامك

الشيخ كمال خطيب
خلق الله الإنسان على الفطرة، ثم إنه سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب من أجل أن يقودوا الناس إلى صراط الله المستقيم. فمن الناس من صدّق وآمن، ومنهم من كذّب وكفر، فكان الناس في الدنيا فريقين، مؤمنين وكافرين. وفي هذا قال الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [2 سورة التغابن] أي أن منكم من اختار الكفر ومنكم من اختار الإيمان، وبناءً على اختيار الإنسان طريقه ومنهجه ومعتقده في الدنيا واحدًا من الخيارين، فكذلك تكون العاقبة والنتيجة يوم القيامة، حيث يكون الناس على صنفين، أهل الجنة وأصحابها وأهل النار وأصحابها {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [7 سورة الشورى].
ثناء الناس وثواب ربّ الناس
وإنها آيات القرآن الكريم الكثيرة، فيها يبيّن الله سبحانه تفضيله للإنسان المؤمن على الكافر، وأنه لا مساواة في عين وميزان الله سبحانه بين من اختار طريق الإيمان ومن اختار طريق الكفر، حتى وإن عمل الذي اختار الكفر أعمالًا نافعة للناس، فإن هذه الأعمال مهما عظمت فإنها لا تقوى على أن تمحو جريمة كفره وتمرّده على الله وطاعته وعبوديته له سبحانه. صحيح أنه يكون قد نال ثناء الناس والإعجاب به، لكنه الفارق الكبير بين ثناء الناس وبين ثواب ربّ الناس سبحانه.
قال الله سبحانه: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [19 سورة التوبة].
فلقد أنزل الله تعالى هذه الآية لتكون الردّ الواضح على كفار قريش الذين كانوا يناكفون أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم هم من كانوا يعمرون المسجد الحرام ويسقون الوافدين ويطعمونهم، ومن يقومون على شؤون البيت الحرام، وبذلك فإنهم أفضل من الذين آمنوا بمحمد ﷺ، فنزلت الآية الكريمة لتبدّد أوهامهم، ولتقول لهم إن سقاية الزائرين وإطعامهم، وإن عمارة المسجد الحرام لا تعدل الإيمان بالله تعالى ونصرة دينه والدعوة إليه {لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} [19 سورة التوبة] لأن الإيمان هو أصل الدين وبه تقبل الأعمال وتزكو الخصال.
ولعلّ نفس مضمون الآية الكريمة يصلح ليكون ردًا على حكام بلاد الحرمين هذه الأيام ممن يظنون أن عمارتهم وبناءهم وتشييدهم للمسجد الحرام يغطي ويستر عوراتهم ومشاريعهم السوداء، ليس فقط في إفساد أهل بلاد الحرمين، بل وانحيازهم إلى جانب الظالمين الذين يحاربون الإسلام، بل وتآمرهم على من يحملون راية الإسلام، وسجنهم وإهانتهم للعلماء وحفظة القرآن والدعاة إلى الله والمصلحين، وأن ما ينفق على إعمار وخدمة الحرمين الشريفين لا يساوي إلا القليل مقارنة بما ينفق على مشاريع الإفساد والانحلال وهيئة الترفيه وبناء دور السينما وفرق كرة القدم، واستقدام المصارعين والمطربين والرقّاصات طوال العام والإغداق عليهم بمبالغ خيالية.
قال سبحانه: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [35 سورة القلم]. إنه تبجح وغرور الكافرين يومها واليوم ممن يمنّون أنفسهم أنهم أقرب إلى الله تعالى، وأنهم سينالون جنّته بأمنيات أو حتى بأعمال صالحة من غير إيمان بربّ العالمين، فكان الردّ والجواب من الله تعالى لهم بالنفي والإنكار {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [35 سورة القلم]. أي لكأن الله تعالى يقول لهم: أين عقولكم، ومن أين لكم هذا الحلم وهذه المساواة بين من آمن بالله ومن كفر به سبحانه؟ في إشارة ودلالة واضحة على تفضيل الله للمسلمين والمؤمنين على الكافرين والمشركين.
وقال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [28 سورة ص]. إنه لا تشابه ولا تساوي في ميزان الله بين المتقين وبين الفجّار، بين المؤمنين وبين المفسدين، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [21 سورة الجاثية]. إنه الله سبحانه الذي يضع الموازين القسط، فإنه ينفي ولا يقبل أن يكون في نفس الميزان ونفس المكان عنده من ارتكبوا المعاصي واجترحوا السيئات مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا في دنياهم ولا في آخرتهم. ولأن من عملوا الصالحات يكون جزاؤهم الجنّة يوم القيامة، ولأن الذين اجترحوا السيئات ولم يتوبوا عنها يكون جزاؤهم النار يوم القيامة، فإنه سبحانه قد أكّد على عدم التساوي بين مصير هؤلاء وأولئك، فقال سبحانه: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [20 سورة الحشر].
ولأن أصحاب الإيمان الصادق والحسّ المرهف والمشاعر الجيّاشة، يعلمون الفارق بين من عمل الصالحات ومن اجترح السيئات، فإن كثيرين من العباد كانوا يبكون عند تلاوة هذه الآية {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}، حتى إن هذه الآية وصفت بأنها مبكاة العابدين، فقد صلّى بها تميم الداري بعد أن أسلم وكان نصرانيًا صلاة قيام الليل، وظلّ يرددها ويبكي حتى أذن المؤذن لصلاة الفجر.
وكيف يستوي ويكون في ميزان الله سواء من قضى عمره في طاعته ومن قضاه في معصيته، ومن قضى عمره يقول سمعنا وأطعنا، ومن قضى عمره يقول سمعنا وعصينا؟ وكيف يستوي من سخّر نفسه وماله ووقته لطاعة الله ورضاه، ومن كان كلّ همّه أن يبارز الله بالمعاصي والحرام؟
أولئك أعظم درجة
ولأن الله سبحانه هو العدل، وهو الذي ميّز وفاضل بين المؤمن والكافر، بين المطيع وبين العاصي في الدنيا وفي الآخرة، فإنه سبحانه قد فاضل بين أعمال البرّ التي يقوم بها المؤمن والمطيع، فلم يجعلها كلّها في نفس الميزان من الأجر والثواب.
فقد قال ﷺ: “الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.
وفاضل ﷺ في الأجر والثواب بين الصلاة في المسجد والصلاة في البيت، فقال: “صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا”، “صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة”.
وفاضل ﷺ بين صلاتي الفجر والعشاء في المسجد وبين غيرها، فقال: “ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لآتوهما ولو حبوًا”، “من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كلّه”، “بشّر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة”.
وفاضل ﷺ بالأجر والثواب بين الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وهي المساجد التي فضّلها على غيرها لما قال: “لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا”. فقال ﷺ: “الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة”، “صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام”.
ولقد فاضل الله عز وجل بين المؤمنين أنفسهم بسبب أعمالهم وإن كانت كلّها مباركة عند الله، فقال تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [95 سورة النساء]. ومع أن الله سبحانه قد أوجب لجميعهم الجنّة، إلا أنه سبحانه فاضل في الأجر والثواب بين من أسلموا قبل فتح مكة وأنفقوا أموالهم في سبيل الله وبين من أسلموا بعدها، {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [10 سورة الحديد]. نعم كلّهم في الجنّة، لكن من أسلموا قبل الفتح وقاتلوا في درجات أعلى في الجنّة من تلك التي فيها من أسلموا بعد فتح مكّة.
يا سلعة الرحمن لست رخيصة
وإذا كانت غاية كل مسلم دخول الجنة، وهو ما كان يدعونا ويحبّب لنا ﷺ أن ندعو الله به، قوله: “نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار”، لكن الله سبحانه وتعالى قد فاضل كذلك بين أصحاب الجنة في المنزلة والمكانة والمرتبة، وفي أي جنة من الجنّات يكونون، قال سبحانه مبينًا التفاضل بين أهل الجنّة حيث وصف بعضهم بقوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ * عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [10-26 سورة الواقعة]، بينما وصف آخرين من أهل الجنة بأنهم من أصحاب اليمين: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} [24-40 سورة الواقعة].
وقال ﷺ: “إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما يتراءون الكوكب الدريّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل بينهم”. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: “بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين”.
وقال ﷺ: “إن في الجنّة مائة درجة، ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم”. قال سبحانه: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [21 سورة الحديد].
وقال ﷺ: “في الجنّة مائة درجة بين كلّ درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، منها تفجّر أنهار الجنّة الأربعة، ومنها ومن فوقها يكون العرش، وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس”.
وما أجمل ما وصف به ابن القيّم الجنّة في قصيدته النونية المشهورة:
يا سلعة الرحمن لست رخيصة
بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها
في الألف إلا واحد لا اثنان
يا سلعة الرحمن أين المشتري
فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب
فالمهر قبل الموت ذو إمكان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر آل
خطاب عنك وهم ذوو إيمان
أين موقعك يومها
ولقد فضّل الله سبحانه ورسوله ﷺ الصحابة من المهاجرين والأنصار على غيرهم؛ لأنهم هم من سبقوا إلى الإسلام واحتملوا في سبيل نصرته ونشره أكثر من غيرهم، فقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [100 سورة التوبة]. قال ﷺ: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.
وفضّل الله الصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكّة على الصحابة الذين أسلموا بعد فتح مكّة، وقد أصبح للإسلام عز ومجد وعزوة وهيبة: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [10 سورة الحديد].
وها نحن نعيش في زمن غربة الإسلام وتكالب أعدائه عليه، وخذلان أبنائه له، بل محاربة بعض أبناء الإسلام له خدمة لأعدائه. وإن من المروءة والوفاء أن ينحاز أبناء الإسلام لدينهم ويُعلوا صوته ويرفعوا رايته. فإذا لم نكن نحن أبناء الإسلام عدّته وعتاده، فمن يكون؟
وإذا كان الفارق بالفضل بين الصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكّة ومن أسلموا بعد الفتح، فإنه الفارق كذلك بين من ينصرون الإسلام خلال ضعفه وبين من يقفون متفرّجين، فإذا انتصر الإسلام هلّلوا وكبّروا وزعموا أنهم أبناؤه البررة.
وإذا كان الله تعالى قد جعل الصحابة الكرام في تلك المرتبة من التفضيل، وسبب ذلك أنهم شاهدوا بأمّ أعينهم رسول الله ﷺ، ولذلك فإنه لا يتقدّم على فضلهم بالصحبة أحد، لكن النبي ﷺ قد بيّن أن من أمته من سيأتون ويكون لهم الأجر والثواب مثل أجر الصحابة، بما سيبذلونه في نصرة الإسلام في أيام غربته، قال ﷺ: “فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعمل مثل عملكم”. وفي رواية: “يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم”.
وإذا كان الله تعالى قد فضّل المسجد الحرام مكانًا على كل بقاع الأرض وأماكنها، وفضّل ليلة القدر من رمضان زمانًا على كل الليالي والأيام، فإن فضل من يبذل من أجل الإسلام ويوقف نفسه على دينه ونصرته، فحتمًا ويقينًا أنه أفضل من غيره، بل وأكثر من ذلك كما قال ﷺ: “موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود”.
ليس السؤال هل سينتصر الإسلام على أعدائه أم لا، فالجواب يقينًا نعم، ولكن السؤال الذي يجب أن يسأل كل منّا نفسه: أين سيكون موقعك، وما هو الدور الذي قمت به لتحقيق تلك النتيجة؟ والخزي كل الخزي، والعار كل العار، أن يكون من بين أبناء الإسلام خلال هذه الجولة من الصراع من انحازوا إلى صف أعدائه، والعياذ بالله تعالى، سيندمون، ولكن لات حين ندامة.
وتذكّر أنه، وحسب موقفك من نصرة الإسلام، يكون موقعك من الجنّة أو من النار، والعياذ بالله، وكما قال ابن عطاء الله السكندري: “فإن مقامك حيث أقامك”. أي إن منزلتك عنده سبحانه حسب الذي أشغلك به في الدنيا.
نحن إلى الفرج أقرب، فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.