الزواج في غزة.. معادلة معقدة وسط تداعيات حرب الإبادة

لم يعد الزواج في قطاع غزة مجرد قرار شخصي أو محطة طبيعية في حياة الشباب، بل تحول إلى معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة تتحكم بها تداعيات الحرب المستمرة والانهيار الواسع الذي طال مختلف القطاعات.
وبين أزمة سكن خانقة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة والتجهيزات المنزلية، يجد آلاف الشبان أنفسهم عاجزين عن تحقيق أبسط متطلبات تكوين أسرة، ما يجعل حلم الزواج مؤجلًا إلى أجل غير معلوم لدى كثيرين.
أزمة السكن
وفي قلب هذه الأزمة، يقف الشاب حمزة البيوك أمام واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
فبعد أشهر من خطوبته، لم يعد يطمح إلى أكثر من غرفة صغيرة تجمعه بزوجته، إلا أن هذا المطلب البسيط بات صعب المنال في ظل أزمة السكن الحادة التي تعصف بالقطاع.
ويقول البيوك: “لم تعد المشكلة في قلة الإمكانات، بل في غياب كل شيء، فلا مواد بناء متوفرة ولا خيارات حقيقية للسكن”.
وتفاقمت أزمة السكن بصورة غير مسبوقة نتيجة تدمير آلاف الوحدات السكنية ومنع إدخال مواد البناء، الأمر الذي أدى إلى اختناق شديد في السوق العقارية وارتفاع قياسي في أسعار الإيجارات.
وتتراوح كلفة استئجار شقة متواضعة بين ألف و1500 شيقل شهريًا، في وقت تراجعت فيه دخول الأسر بشكل كبير أو انعدمت بالكامل.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود السكن، بل امتدت إلى سوق الأثاث والمستلزمات المنزلية، حيث شهدت أسعار الأثاث المستعمل ارتفاعات كبيرة.
ويوضح البيوك أن ثمن غرفة نوم مستعملة تجاوز 10 آلاف شيقل، ما يدفع الكثير من الشباب إلى تقليص متطلبات الزواج إلى أدنى حد ممكن أو تأجيله إلى أجل غير معلوم.
وفي محاولة للتكيف مع هذه الظروف القاسية، اضطر البيوك إلى إنشاء مأوى مؤقت من البلاستيك والشوادر فوق منزل عائلته، كما لجأ إلى شراء مستلزمات جاهزة بأسعار مرتفعة بسبب غياب المواد الخام، من بينها مجلى ألمنيوم وصل سعره إلى نحو 1200 شيقل.
ولا تقتصر الضغوط على السكن والتجهيزات المنزلية فقط، بل تمتد إلى شكل مراسم الزواج نفسها.
ويقول الشاب أشرف أبو عيسى، وهو مقبل على الزواج، إنه اضطر إلى تقليص النفقات والتخلي عن العديد من المظاهر التقليدية المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، مثل الحفلات الكبيرة والولائم.
ورغم ذلك، لم يكن بالإمكان الاستغناء عن الحد الأدنى من الاحتفال، إذ أقام أبو عيسى حفل زفاف متواضعًا في إحدى صالات الأفراح بكلفة قاربت ألفي شيقل، بهدف توفير ظروف مناسبة في ظل انقطاع الكهرباء وغياب الخدمات الأساسية.
لكن المفارقة المؤلمة تبدأ بعد انتهاء الحفل، إذ يجد كثير من الأزواج أنفسهم أمام واقع معيشي هش، قد يصل إلى الإقامة في خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، في مشهد يجسد الفجوة بين فرحة البداية وقسوة الحياة اليومية.
كما طالت التغيرات عناصر أساسية مرتبطة بالزواج، مثل المهور والذهب. ويشير أبو عيسى إلى أن قيمة المهور انخفضت في بعض الحالات إلى نحو 1500 دينار، فيما تراجع الإقبال على شراء الذهب نتيجة ارتفاع أسعاره، في انعكاس واضح للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب.
صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن ما تشهده غزة يتجاوز حدود أزمة إسكان تقليدية، ليصل إلى مستوى “صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد” تضرب المجتمع والسوق في آن واحد.
ويقول أبو عامر في تصريح صحفي إن شلل قطاع البناء بسبب منع إدخال المواد الخام أدى إلى تراجع حاد في المعروض السكني مقابل طلب متزايد، ما خلق بيئة تضخمية انعكست بشكل مباشر على أسعار الإيجارات وكلفة المعيشة بصورة عامة.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف الزواج يعكس تآكل القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل، الأمر الذي يدفع الشباب إلى خيارات قسرية تتراوح بين تأجيل الزواج أو القبول بظروف معيشية غير مستقرة.
وحذر أبو عامر من أن استمرار هذا الواقع قد يخلّف آثارًا اجتماعية بعيدة المدى، تشمل ارتفاع سن الزواج، وتزايد الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتراجع مستويات الاستقرار الأسري، مشددًا على أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة لإعادة تنشيط الاقتصاد وفتح مسارات إعادة الإعمار وتوفير مقومات الحياة الأساسية للسكان.
تداعيات اجتماعية ونفسية
بدوره، يرى المختص في علم الاجتماع الدكتور عبد الله الخطيب أن أزمة الزواج في قطاع غزة لم تعد مرتبطة بالجانب الاقتصادي فقط، بل أصبحت قضية اجتماعية ونفسية تمس بنية المجتمع الفلسطيني بشكل مباشر.
ويؤكد الخطيب أن تأجيل الزواج أو اضطرار الأزواج للعيش في ظروف غير مستقرة ينعكس سلبًا على شعور الشباب بالأمان والاستقرار، ويزيد من مستويات القلق والإحباط لديهم، خاصة في ظل غياب الأفق الواضح لتحسن الأوضاع المعيشية.
ويضيف أن الحرب وما خلفته من دمار ونزوح وفقدان لمصادر الدخل دفعت الكثير من العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها، الأمر الذي انعكس على عادات وتقاليد الزواج، سواء من حيث المهور أو حجم الاحتفالات أو متطلبات تأسيس المنزل.
ويحذر الخطيب من أن استمرار هذه الظروف لفترات طويلة قد يؤدي إلى تغيرات اجتماعية عميقة، أبرزها ارتفاع معدلات تأخر الزواج وتراجع فرص الاستقرار الأسري، ما يتطلب برامج دعم اجتماعي واقتصادي تستهدف فئة الشباب وتساعدهم على تجاوز هذه التحديات.
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر جهود إعادة الإعمار، يبقى الزواج في غزة واحدًا من أكثر الأحلام التي تصطدم بواقع اقتصادي ومعيشي قاسٍ، حيث لا يواجه الشباب تحديات بناء الأسرة فحسب، بل يخوضون معركة يومية من أجل تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة والاستقرار، في وقت تتسع فيه الفجوة بين تطلعاتهم المشروعة وإمكانات الواقع الذي فرضته الحرب.
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام
