أخبار وتقاريرمقالاتومضات

حول الخدمة المدنية: السؤال عن البديل ليس السؤال الصحيح

ساهر غزاوي

المشكلة ليست في ارتفاع الأصوات ولا في الهجوم الذي يطال أصحاب المواقف الثابتة، فذلك أمر اعتادته كل القضايا المبدئية عبر التاريخ، وإنما في التحولات التي كشفتها هذه السجالات، وفي الجرأة المتزايدة على طرح مواقف كانت حتى وقت قريب خارج دائرة المقبول وموضع إجماع وطني.

فليس مستغربًا أن يتعرض أصحاب المواقف الثابتة، المتمسكون بقيمهم وثوابتهم الدينية والوطنية والفكرية، لحملات هجوم وانتقاد على منصات التواصل الاجتماعي. فهؤلاء ينظرون إلى تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم كأمانة متوارثة جيلًا بعد جيل، لا يجوز التفريط بها أو المساومة عليها. كما لم يعد مستغربًا أن تختلط في هذه المنصات حدود النقد الموضوعي بالتشهير والمناكفات الشخصية، وأن يضيع الفرق بين نقاش الأفكار وتقويمها وبين استهداف الأشخاص والطعن في النوايا. فهذه، للأسف، إحدى آفات منصات التواصل التي يمكن أن تكون نعمة إذا أُحسن استخدامها، ونقمة إذا تحولت إلى ساحات للضجيج والاستقطاب والخصومات التي تطغى فيها الأصوات على الحجة.

غير أن ما تكشفه هذه السجالات يتجاوز أسلوب النقاش وحدوده إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ يعكس انزياحًا تدريجيًا في المفاهيم والمرجعيات، وأثرًا تراكميًا طال الوعي والانتماء، عبر مسار طويل من الخطوات الصغيرة التي بدت عابرة في حينها، لكنها أسهمت مع الزمن في إحداث تحول عميق في النظرة إلى الذات والمجتمع والعلاقة مع الدولة.

فقد جرى، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تعزيز ما يمكن تسميته بـ”نظرية الخلاص الفردي”، حيث أصبحت المصلحة الشخصية والنجاح الفردي والاندماج الفردي تتقدم على مفهوم الخلاص الجماعي والقضايا الوطنية الكبرى التي شكلت لعقود جزءًا من الوعي الجمعي لشعبنا. وتحولت العلاقة مع الدولة لدى البعض من قضية حقوق جماعية وصراع على الهوية والوجود والمكانة، إلى علاقة تُقاس بمنطق المنفعة الفردية والمكاسب الشخصية والفرص المتاحة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن الخطاب السياسي الذي روّجت له القوائم الانتخابية المشاركة في الكنيست الإسرائيلي، سواء من خلال شعاراتها أو ممارساتها أو نوعية الإنجازات التي قدمتها للجمهور باعتبارها ثمرة المشاركة السياسية، أو تلك التي وعدت بتحقيقها مستقبلًا. ومع مرور الوقت، ساهم هذا الخطاب في إعادة تشكيل سلم الأولويات لدى قطاعات من الناس، حتى باتت بعض القضايا التي كانت تُعد من المسلّمات والثوابت الوطنية محل نقاش ومراجعة وتشكيك.

ومن هنا لم يعد مستغربًا أن نسمع اليوم، وبكل جرأة ومن دون أدنى حرج، من يسأل: ما البديل عن الخدمة المدنية؟ وكأن المشكلة باتت في غياب البديل، لا في طبيعة المشروع ذاته وما يحمله من أبعاد سياسية ووطنية وهوياتية تتجاوز بكثير مجرد كونه إطارًا للتطوع أو تقديم الخدمة للمجتمع.

أما سؤال: “وما البديل؟”، فقد غدا في كثير من الأحيان أشبه بعصا تُشهر في وجه كل موقف مبدئي، أو بورقة تُستخدم لإرباك النقاش عندما تفقد الفكرة الأصلية قدرتها على الإقناع وتتعرض حججها للتفكيك والنقد. فبدل أن ينصب النقاش على جوهر القضية ومشروعيتها وأبعادها الوطنية والأخلاقية، يُدفع الحوار نحو سؤال البديل وكأنه المعيار الوحيد للحكم على صحة الموقف أو خطئه.

والحال أن البديل يُطرح عادة عندما يكون هناك اتفاق على أصل الفكرة والهدف منها، ويجري البحث عن وسائل أخرى لتحقيقه بصورة أفضل أو أنجع، لا عندما يكون الخلاف قائمًا على جوهر المشروع نفسه ومقدماته ونتائجه. فالبديل يُطرح لاستبدال وسيلة بوسيلة أو آلية بآلية، وليس لتبرير مشروع مختلف عليه من أساسه أو لإضفاء الشرعية عليه.

ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: ما البديل عن الخدمة المدنية؟ بل: ما طبيعة هذا المشروع أصلًا؟ وما أهدافه الحقيقية؟ وما موقعه من ثوابتنا الوطنية وهويتنا الجماعية؟ لأن الحكم على البديل يأتي بعد الحكم على الأصل، لا قبله، وإلا تحول سؤال البديل إلى وسيلة للالتفاف على جوهر النقاش بدل أن يكون مدخلًا لإثرائه.

ولاحظوا هنا أن السؤال لا يُطرح عن بديل لخدمة المجتمع أو للعمل التطوعي أو للعطاء لأبناء مجتمعنا، وإنما عن بديل لمشروع يُنظر إليه باعتباره إحدى أدوات تحييد فلسطينيي الداخل عن قضاياهم الوطنية، وسلخهم تدريجيًا عن امتدادهم العربي والإسلامي وعن روايتهم الجماعية. ومن هنا فإن خطورة السؤال لا تكمن في ألفاظه، بل في المسلّمة التي يمررها ضمنًا، وهي اعتبار المشروع أمرًا طبيعيًا ومشروعًا، وأن الخلاف يدور فقط حول البديل، بينما القضية الحقيقية تكمن في مساءلة المشروع نفسه، وفهم أهدافه ومآلاته وموقعه من ثوابتنا الوطنية وهويتنا الجماعية.

ولا عجب، إذا استمر هذا المنطق، أن يأتي يوم يُسأل فيه بالمنطق ذاته: ما البديل عن الانخراط في سلك الشرطة؟ وما البديل عن الخدمة العسكرية؟ وما البديل عن أن يكون شبابنا وشاباتنا جزءًا من منظومة تشارك في سياسات تستهدف أبناء شعبنا الفلسطيني، وتهدم بيوت أهلنا في النقب وسائر البلدات العربية، وتنتهك حرمة مقدساتنا، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك؟

فحين يُختزل الأمر إلى حسابات المخصصات والامتيازات الفردية، ويُفصل عن أبعاده الوطنية والأخلاقية والسياسية، يصبح من السهل تمرير أي مشروع وتسويقه مهما كانت نتائجه وتداعياته. وعندها يتحول السؤال من: هل هذا المشروع يخدم مجتمعنا ويحفظ هويتنا وحقوقنا الجماعية؟ إلى: ماذا سأحصل أنا منه؟ وكم سأربح بسببه؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالقضية ليست قضية منحة أو إعفاء أو امتيازات فردية، بل قضية وعي وبوصلة وانتماء. فالشعوب لا تُقاس بما تحققه من مكاسب آنية فحسب، وإنما بما تحافظ عليه من ثوابت وهوية وذاكرة جماعية.

ومع ذلك، وحتى لا يُقال إن الرافضين للخدمة المدنية يكتفون بالنقد دون تقديم بدائل، فإن خدمة المجتمع لم تكن يومًا حكرًا على هذا المشروع، ولم تبدأ به ولن تنتهي عنده. فقد عرف مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، على مدار عقود طويلة، نماذج مشرّفة من العمل التطوعي والمبادرات العصامية ولجان الإصلاح والمؤسسات الأهلية والحملات الإغاثية والتعليمية والصحية، التي انطلقت من حاجات المجتمع وروح الانتماء إليه، لا من مشاريع حكومية تسعى إلى إعادة صياغة الوعي والهوية والعلاقة مع الدولة.

ولذلك فإن “البديل”، بحسب وصفهم، موجود وحاضر ومتجذر في مجتمعنا منذ عقود، ويتمثل في العمل التطوعي وخدمة الناس وقضاياهم من منطلق المسؤولية والانتماء، لا من خلال أطر تُقايض الحقوق بالولاء، وتربط فرص التعليم والعمل والامتيازات بمستوى الاندماج في منظومة الدولة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى