أخبار وتقاريرمقالاتومضات

تصاعد مخيف لأرقام القتل.. من ينقذ المجتمع العربي؟

الإعلامي أحمد حازم

من قال إننا مجتمع عربي غير متطور؟ ومن قال إننا لا نقدم إنجازات اجتماعية مميزة محليًا وعربيًا ودوليًا؟ لا.. لا.. نحن عكس ذلك تمامًا.

اسمعوا الحكاية: عدد ضحايا العنف والجريمة في المجتمع العربي وصل العام الماضي إلى 267 جريمة قتل، أي بمعدل جريمة كل يوم وتسع ساعات. وفي كل المعطيات التي تُنشر مع مطلع كل سنة جديدة عن حالات القتل في العام الذي مضى، نسمع عبارة “رقم قياسي” فيما يتعلق بالقتل. وهذا يعني أننا نشهد تصاعدًا خطيرًا كل عام في حالات القتل، مما يشير إلى أننا في تطور مستمر، ولكن بصورة سلبية.

أما عن مستوى حالات القتل منذ مطلع العام الحالي ولغاية اليوم، فحدّث ولا حرج، إذ بلغ عدد قتلانا 115 قتيلًا. شرطة بن غفير، المسؤولة عن أمن وأمان المواطنين، لا تتعامل مع “عرب إسرائيل” بمسؤولية، بل بعنصرية، وعلى طريقة “فخار يكسر بعضه”. ورغم أن الشرطة مقصرة جدًا في الكشف عن القتلة، أعود وأذكّر “عرب إسرائيل” بمقابلة تلفزيونية مع المتحدث الرسمي باسم شرطة إسرائيل، العقيد أرييه دورون، قال فيها بكل وقاحة إن المجتمع العربي يتحمل المسؤولية الكاملة؛ لأنه لا يتعاون مع الشرطة، حسب قوله.

“سيادة” العقيد دورون أفهم “عرب إسرائيل” أن ما يُنشر عن أرقام ضحايا العنف هي أرقام غير صحيحة. اسمعوا ما قال: “هذه المعطيات غير صحيحة”، مع اعترافه بأن “العنف في المجتمع العربي خطير جدًا”.

غريب أمر هذا المتحدث! كيف يكذب معلومات صادرة عن مؤسسات رسمية تحدثت عن أرقام القتل؟ بل وصل به الاستهزاء بالمجتمع العربي إلى القول: “تريدون شرطيًا في كل بيت عربي؟ هذا هو الحل برأيكم؟”. بالتأكيد لا نريد ذلك، وكل ما نريده هو أن تقوم الشرطة بواجبها في توفير الأمن والأمان للمواطن العربي، كما توفره للمواطن اليهودي.

يقول دورون في المقابلة: “نعمل بكل ما أوتينا من قوة لخلق بيئة معيشية آمنة للمجتمع العربي في البلاد”. تعال يا “سيادة” العقيد، لنتحاور بصراحة: لو كان الأمر كذلك كما تدعي، لكان من المفترض أن يتراجع عدد ضحايا العنف في المجتمع العربي، لا أن يتضاعف كما نشهده في السنوات الأخيرة. فكيف يمكن خلق بيئة آمنة في ظل هذا الواقع؟

ويضيف دورون في المقابلة: “الشرطة تدرك مدى خطورة ظاهرة العنف في المجتمع العربي، ونحاول أن نغوص عميقًا وصولًا إلى الجذور، والقضاء كليًا على عائلات الإجرام في المجتمع العربي خاصة، وفي البلاد عامة”.

أنا على يقين بأنه لو كانت الشرطة تدرك فعلًا خطورة الأمر، لاتخذت إجراءات شديدة وملموسة. وهناك نقطة أخرى في غاية الأهمية يا “سيادة” العقيد: ألم تسمع أو تشاهد التقارير التلفزيونية التي تحدثت عن تورط بعض رجال الشرطة بالتواطؤ مع أشخاص في عالم الجريمة المنظمة؟ فكيف لنا، كمجتمع عربي، أن نثق بهذه الشرطة؟ وكيف يمكن تصديق قولك إن “الشرطة تقوم بواجبها على أكمل وجه”؟ فهناك فرق كبير بين القول والفعل.

ويدعي دورون أن “الشرطة تقوم بواجبها، لكنها مظلومة ولا تأخذ حقها في الصحافة العربية، وأنكم تهتمون بالأمور السلبية فقط”. ما هذا الكلام يا عقيد؟ العرب ظالمون للشرطة؟ والشرطة لا تأخذ حقها في الصحافة العربية؟ لو أننا لسنا تحت قانون الطوارئ “لألبستك البنطلون اللي بيجي على قياسك”. فهل تعطينا الشرطة حقنا حتى نعطيها حقها؟ ثم أين الأمور الإيجابية التي قدمتها الشرطة تجاه المجتمع العربي حتى نهتم بها؟

لقد أضحكني المتحدث باسم الشرطة عندما قال: “لماذا لا يقدمون شكاوى في الشرطة؟ لماذا هذا الخوف؟ ممّ تخافون؟”. أقسم بالله يا دورون أنك تعرف لماذا.

وفي النهاية، هل تعرفون ماذا يريد دورون؟ لقد قالها صراحة في المواجهة: “تعاونوا معنا للقضاء على العنف والجريمة في المجتمع العربي”. هل فهمتم يا عرب؟

العنف والتخلف الاجتماعي والفوضى وعدم الوعي في المجتمع العربي وصل إلى حد لم يعد يُطاق. لقد أصبح قتل الإنسان في مجتمعنا العربي أسهل من اصطياد الطيور والحيوانات البرية، وأسهل من “شربة مي”. شباب وفتيان، وحتى نساء، يُقتلون في وضح النهار بكل برودة دم وأعصاب. مجتمع عربي يقتل أبناؤه بعضهم بعضًا، والجميع يتفرج، ولا سيما السلطات المسؤولة.

إن حالات قتل الأشقاء بسبب خلافات عائلية تُظهر مدى التخلف المتراكم في المجتمع العربي؛ لأن الخلاف، مهما كان، يجب أن يُعالج بالعقل لا بالعضلات المفتولة أو بالسلاح. لكن عندما يفتقر الإنسان إلى العقل، يصبح مثل الحيوان، يستخدم كل شيء وأي شيء لإبادة الآخر.

تبلغ نسبة العرب في البلاد 22%، لكن نسبة العنف في المجتمع العربي تبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف من مجمل أعمال العنف في إسرائيل. معلومات “ترفع الرأس” بالفعل!

السلطات الإسرائيلية تتحمل المسؤولية الرئيسية والمباشرة عن هذا الواقع، لكن المجتمع العربي ليس بريئًا مما يعيشه، وهو يتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية عما يجري فيه؛ لأن التربية والسلوكيات هما الأساس. وأقولها بفم ملآن، ودون تردد أو اعتبار: “التلم الأعوج من الثور الكبير”، وافهموا ذلك كما يحلو لكم. فكل راعٍ مسؤول عن رعيته، ونحن مسؤولون عن مجتمعنا.

واضح أن الدولة تقول ولا تفعل فيما يتعلق بمعالجة تفشي الجريمة في المجتمع العربي. والدولة نفسها تعترف بالأسباب، لكنها لم تقدم الحلول. ومن يراجع تقرير “توصيات لجنة المدراء العامين للتعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربي – وثيقة السياسات التلخيصية، تموز 2020″، يجد فيه أن “الشباب العرب تم إهمالهم، وهؤلاء يشكلون القسم الأساسي من حالات الإجرام في المجتمع العربي، وأن الدولة لا تستخدم بشكل فعال مختلف أدوات تطبيق القانون التي بحوزتها في مواجهة العناصر الإجرامية”.

كما ورد حرفيًا في التقرير: “وبما أن الدافع الرئيسي للجريمة هو اقتصادي، فقد أصبحت السلطات المحلية العربية هدفًا مرغوبًا للاستيلاء على مصادر الميزانيات التي تتدفق من خلالها بطرق شبه مشروعة”.

الأسباب فهمناها، وإن لم تُذكر كلها، لكن ماذا عن الحلول؟

سكان أدغال إفريقيا الذين يعيشون مع القرود لا يعانون من تفشي الجريمة، وبذلك فإننا لم نصل بعد إلى مستوى من يعيش مع “السعادين”. فأي نوع من العرب نحن؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى