أخبار وتقاريردين ودنياومضات

حين يتحول الاختلاف في الرأي إلى معركة

ليلى غليون

يقول المهاتما غاندي: “الاختلاف في الرأي يجب ألّا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي ألدّ الأعداء”. كم من علاقات، على أنواعها: زوجية، وأسرية، واجتماعية، تقطعت أوصالها، وكم من صداقات تبخرت منابعها، وكم من بيوت تصدعت جدرانها، ليس لأسباب أو قضايا كبيرة، بل بسبب رأي مختلف.

يحدث ذلك غالبًا عندما نربط كرامتنا برأينا، ونرفض الاستماع للآخر معتقدين بأن الصواب حكر علينا فقط، فنحاول الانتصار لأنفسنا ورأينا بدل فهم الرأي الآخر وتفهمه وتقبله، ليصبح هدف الحوار ليس الوصول إلى الحقيقة، بل إثبات أن الآخر مخطئ وأننا نحن على صواب، ليتحول الحوار، في كثير من الأحيان، إلى معركة: من يثبت نفسه أكثر، لا من يقترب من الحقيقة أكثر.

“اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”، هذه العبارة يُقال إنها تعود للأديب المصري الراحل أحمد لطفي السيد، فغالبًا ما نستعملها ونرددها، وهي تؤكد أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي بين البشر، وصحي، بل وضروري في مسيرة المجتمعات المتقدمة والمتحضرة، ولكن من غير الطبيعي أن يصبح هذا الاختلاف بوابة للخصومات والعداوات والتراشق بالكلمات الجارحة.

فالاختلاف في الرأي من سنن الله تعالى في هذا الكون، يقول تبارك وتعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ [سورة هود: 118]، فلا يمكن جمع الناس على كلمة واحدة أو موقف واحد؛ وذلك لاختلاف عقولهم وطبائعهم، لأنها ليست نسخة واحدة. كذلك فإن تعدد الآراء ووجهات النظر في قضية ما إنما هو أمر إيجابي لصالح هذه القضية، حيث تتعدد بذلك أساليب معالجتها، وبالتالي تتعدد طرق حلّها، مما يجعل الجميع يستفيد من تلك الآراء والخبرات، هذا في حال لم يتعدَّ الاختلاف في الآراء الخطوط الحمراء، ولم يمسّ بالمسلمات الدينية والعرفية والثوابت.

ولكن الواقع يثبت أن الود يفسد، في كثير من الأحيان، حتى إذا دار حوار، أُفرغت هذه العبارة من معانيها الرائعة، ليصبح تحقيقها صعبًا في واقع صار فيه أي اختلاف في الرأي، مهما كان بسيطًا وعابرًا، يحمل في طياته المدمرات التي تنهار على إثرها العلاقات الإنسانية بأنواعها، فلا تبقي ولا تذر من ودّ ولا ملح ولا عيش، كما يقال.

حيث بتنا نشهد انعدام الود مع أي اختلاف في معظم الحوارات، وعلى كافة الأصعدة الاجتماعية، وحتى الأسرية، لنجد العلاقات الأخوية، والصداقة، والجيرة، والعلاقة بين أفراد الأسرة أو المجتمع، تتعرض لهزات حين تختلف وجهات النظر، لينحدر فيها النقاش من التحاور إلى التناحر، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات حرب إلكترونية، يتراشق فيها المختلفون رأيًا بألفاظ جارحة ولغة هجومية قطعت بينهم حبال الود، كما أفسدت بينهم كل قضية.

فهذا متشنج ومعتدّ برأيه، وغير مستعد لأن يحيد عنه أو يتنازل، حتى لو شعر في قرارة نفسه أنه مخطئ، وذاك يدافع عن موقفه من خلال تسفيه موقف غيره، وآخر يُقصي غيره ويسحقه وينعته بأقذع الألفاظ إذا لم يعجبه رأيه أو يتوافق معه، ليُبقي صوته الوحيد على الساحة الحوارية، وقد يصل الأمر إلى درجة العداء والخصومة، لتتبخر ثقافة الرأي والرأي الآخر، ويسود التعصب والتشنج، وينقلب المتحاورون إلى متناحرين.

اسمعوا لصوت الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو على رأس الهرم القيادي، يصغي بكليته إلى الرأي الآخر، بل ويتقبله ويستقبله بكل أريحية ورحابة صدر، ويدعو الرعية للجهر بالحق إذا وجدوا خطأ أو انحرافًا، ليقول: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

لم يأمر رضي الله عنه بضرب عنق من قال له: “اتق الله يا عمر”، ولم يسفّه كلامه ولا رأيه، بل سمعه ودعا رعيته إلى إبداء آرائهم التي يرونها توافق الحق بلا خوف أو وجل. ويقول سيدنا عمر رضي الله عنه: “لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي، قولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق”. إنها القوة النادرة في تقبل الرأي الآخر.

ولنا أن نتساءل: لماذا، في الغالب، يسود بين الناس مناخ من الخصومة لمجرد اختلاف في الآراء؟ لماذا يثور البعض، وقد يصابون بالتشنج، عندما لا تتوافق وجهات نظرهم مع الآخرين؟ ولماذا يعتبر الشخص، في كثير من الأحيان، عدم اقتناع الآخر برأيه رفضًا لشخصه هو؟

ولماذا، في كثير من الحالات، يتحول الاختلاف في الرأي إلى انتصار للنفس وكسب للمواقف، ليبتعد الحوار عن الموضوعية إلى الشخصنة، ويتحول من اختلاف بين رأي ورأي إلى خلاف بين شخص وشخص، وربما يصل إلى ما هو أخطر من ذلك، ليتحول إلى عنف يدمر العلائق بين الناس ويزرع فيهم البغض والكراهية؟

فلكل واحد وجهة نظر يراها من زاويته، فإذا اختلفت وجهات النظر فليس ذلك نهاية الدنيا وبداية الفرقة. نختلف نعم، ولكن بمحبة، وبنضج، وبوعي. “أفهم وجهة نظرك، ولكني أراها بشكل مختلف”، جملة بسيطة، ولكنها تعكس نضجًا عميقًا. نتنازل إذا لزم الأمر، ونعتذر إذا بدر منا خطأ، فالاعتذار سمة النفوس الراقية.

وما أروع ما قاله الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه في هذا المقام: “ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق على مسألة؟”

فالود لا يعني أن نتشابه، بل الود أن نختلف باحترام دون أن نتباعد، فالعلاقات الطيبة أثمن وأعمق من أن تُقطع بسبب رأي مختلف أو فكرة عابرة، ولا يستحق ذلك أن نخسر إنسانًا نحبه ونحترمه. فلن نتفق دائمًا، ولن نرى الأشياء ولا الدنيا بالطريقة نفسها، فالمشكلة ليست في أن نختلف، بل حين نسيء فهم الاختلاف ونحوّله، دون أن نشعر، إلى تهديد لسلوكياتنا وعلاقاتنا مع الغير.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى