طفلة من غزة انتزعت منذ الولادة تعود لأمها بعد عامين من الفراق القسري (شاهد)

في باحة صغيرة أمام خيمة متواضعة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس الفلسطينية سندس الكرد وهي تحتضن طفلتها “بيسان”، تحيطها بذراعيها وكأنها تخشى أن تفلت منها مجددا.
تقترب الكرد بوجهها من ملامح طفلتها الصغيرة، تتفحصها بعينين غارقتين بالدموع، بينما تبدو الطفلة مترددة، تراقب أمها بصمت مشوب بالدهشة.
تعود قصة عائلة الكرد إلى 22 تشرين الأول / أكتوبر 2023، حين كانت سندس في شهرها الثامن من الحمل داخل منزلها في جباليا شمالي قطاع غزة قبل أن يقلب القصف الإسرائيلي حياتها رأسًا على عقب.
تقول الكرد، في تصريحات للإعلام: “فقدت في تلك اللحظة أمي وأبي وأختي وابنتي الصغيرة”.
أصيبت الكرد بجروح بالغة، ونُقلت إلى مستشفى مجمع الشفاء الطبي بغزة حيث خضعت لعملية ولادة قيصرية طارئة، بينما وُضعت رضيعتها في الحضانة بين الأطفال الخدج.
بعد أكثر من عامين، أمهات فلسطينيات يحتضنّ أطفالهنّ من بين 11 طفلا عادوا إلى غزة، بعد أن خرجوا خدجا خلال الحرب للعلاج في مصر.
أُجلي الأطفال للعلاج دون علم ذويهم وبلا أسماء، وفق سندس الكرد: «اعرفنا بنتي من اسمها على الإسوارة الوردية اللي توضع في يد الطفل الوليد: بنت سندس الكرد». pic.twitter.com/Wy9sNoFgha
— غرفة الأخبار (@NewsroomAR) April 2, 2026
فراق قسري
لم تكد الكرد تستوعب صدمتها، حتى وجدت نفسها أمام امتحان أقسى.
فمع تصاعد الهجمات على المستشفيات، واقتحام الجيش الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في تشرين الثاني / نوفمبر 2023، أُجبرت على مغادرته وهي لا تزال مصابة، تاركة خلفها طفلتها.
وتستعيد الأم تلك اللحظات وهي تمسك بيد طفلتها الآن، وتقول بصوت حزين وعينين مغرورقتين بالدموع: “بكيت كثيرًا، لم أرد أن أتركها، لكنهم قالوا لي إنني في خطر، وإنها ستكون بخير”.
بعد اقتحام القوات الإسرائيلية المستشفى، جرى نقل الأطفال الخدج إلى جنوب قطاع غزة، ثم إلى مصر لتلقي العلاج. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة بحث طويلة لم تتوقف خلالها الأم عن تتبع أي خبر أو صورة قد تقودها إلى ابنتها.
وتستذكر الكرد مواقف كانت تقلب فيها صورا على هاتفها، تتوقف عند وجوه أطفال لا تعرفهم، تحدق في ملامحهم، كأنها تبحث عن جزء من طفلتها بينهم.
هذه سندس الكرد وطفلتها بيسان..
مواطنة فلسطينية من بنات شعبنا، قصف الاحتلال بيتها في بداية الحرب، أُصيبت بجراح خطيرة واستشهد أطفالها وعائلتها..
كانت طفلتها هذه واسمها (بيسان) في بطنها بالشهر الثامن، اضطر الأطباء وهي لا تدري لإخضاعها لعملية قيصرية لتوليد الجنين، pic.twitter.com/9QA5Mz2ZSQ
— Abu Nael | أبو نائل (@abunael01) April 1, 2026
ورغم محاولات من حولها إقناعها بتقبل الفقد، بقي الأمل حيا في داخلها، وتضيف: “قلبي كان يقول لي إنها لا تزال على قيد الحياة”.
خيط الأمل
لاحقا، ومع ورود معلومات عن نقل أطفال إلى مدينة العريش المصرية، بدأت العائلة تواصلها مع جهات دولية، إلى أن تمكن أقاربها في مصر من الوصول إلى سجلات أحد المستشفيات.
وتصف الأم تلك اللحظة، قائلة: “عندما أخبروني أنها حية، لم أصدق. شعرت أن الحياة عادت إليّ مرة أخرى”.
وتوقفت الكرد عن الحديث واندفعت نحو طفلتها لتعانقها بحرارة مجددا وتغمرها بالقبلات، بينما كانت الدموع تنهمر على وجنتيها.
اليوم، تحاول الكرد بناء علاقة مع طفلتها بيسان العائدة إلى أحضانها بعد عامين من الغياب. فتجلس إلى جانبها تارة، وتحاول اللعب معها تارة أخرى، وتناديها باسمها، وتبتسم لها، بينما تراقبها الطفلة بحذر قبل أن تقترب تدريجيا.
وتقول الأم وهي ترتب ملابس طفلتها، وتساعدها على الجلوس، فيما تختلط ضحكاتها بدموعها: “بيسان لا تعرفني بعد، لكنني سأجعلها تعرفني. سأخبرها أنني أمها التي انتظرتها كل هذا الوقت”.
"نولدت بيسان يوم استشهاد أختها، كان يوم ميلادها يوم فقد"…
أم غزية تبحث عن ضمّة طفلتها الخديج التي خرجت من غزة أثناء حصار مجمع الشفاء، وتعرّفت إليها عبر سوار الولادة، وما زالت تنتظر لقاءها وسط تجدد الأمل بفتح معبر رفح.إليكم معاناة سندس الكرد.. pic.twitter.com/RgS1iPCD1D
— فلسطين بوست (@PalpostN) March 11, 2026
وتضيف: “كانت تلك أول ليلة تنام فيها بجانبي، شعرت أن روحي عادت إليّ بعد غياب طويل”.
واختارت الكرد اسم “بيسان” لطفلتها، تيمنا بشقيقتها التي فقدتها في القصف ذاته، محاولة أن تصل ما انقطع، وأن تعوض غياب شقيقتها بحضور ابنتها.
وشنت إسرائيل في 8 تشرين الأول / أكتوبر 2023، حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي، خلفت أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
ورغم سريان اتفاق لوقف النار في القطاع منذ تشرين الأول / أكتوبر 2025، لكن الاحتلال الإسرائيلي ما زالت تنتهكه وتواصل حصار غزة، مع فرض قيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع والمساعدات عبر المعابر المؤدية إلى القطاع.