أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزةومضات

ضغط إسرائيلي قرب “الخط الأصفر”… فرض وقائع ميدانية

كثَّف الاحتلال الإسرائيلي، خلال شهر مارس/آذار الماضي، من عمليات الاستهداف والقصف الجوي والمدفعي، عدا عمليات إطلاق النار التي تُنفّذ من قبل الجنود الإسرائيليين أو مسيّرات “الكواد كابتر” في المناطق الواقعة على مقربة من “الخط الأصفر”.

ويشكّل هذا الخط، الذي يواصل الجيش الإسرائيلي توسيعه ليشمل نحو 60% من مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، خط الانسحاب الإسرائيلي وفق اتفاق وقف إطلاق النار، ويفصل قطاع غزة إلى شقين، شرقي يسيطر عليه الاحتلال وغربي يتكدس فيه الفلسطينيون، فيما تتنصل إسرائيل من بند الانسحاب من القطاع، بموجب الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبنود أخرى على رأسها فتح المعابر، إلى جانب خرق هذا الاتفاق يوميًا.

وبات السلوك الميداني للجنود الإسرائيليين يشير إلى وجود خطط عسكرية لإبعاد سكان القطاع الموجودين قرب الخط الأصفر عن تلك المنطقة، وذلك عبر زيادة الضغط العسكري عليهم وتكثيف عمليات الاستهداف. وتركز العمل العسكري الإسرائيلي، خلال الأيام الماضية، في مناطق بلدة بيت لاهيا وجباليا وجباليا البلد، شمالي القطاع، حيث تشهد هذه المناطق تحركات عسكرية إسرائيلية شبه يومية، فضلًا عن عمليات تقدم بين الفينة والأخرى.

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، تشهد المناطق الشمالية للقطاع، عمليات استهداف تطاول المدنيين، ما أسفر عن استشهاد عدة أطفال ومسنين. ولا تبدو باقي مناطق القطاع أفضل حالًا، إذ تشهد مناطق الوسط، وتحديدًا مخيم المغازي، حوادث مماثلة شبه يومية، وإطلاق نار لا يتوقف، فضلًا عن عمليات النسف التي ينفذها جنود الاحتلال.

وفي جنوبي القطاع، يواصل الجيش الضغط على سكان القطاع، من خلال السيطرة على مدينة رفح، فضلًا عن السيطرة عن المناطق الشرقية لمدينة خانيونس وتنفيذ عمليات نسف واستهداف بالمسيّرات والقصف المدفعي. وباتت الكثير من المناطق مهجورة بفعل عدم القدرة على الوصول إليها، جراء عمليات التدمير التي طاولتها والقصف اليومي.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، أمس الأحد، استشهد 716 فلسطينيًا وأصيب 1968 آخرون برصاص الاحتلال، منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي. وارتفعت حصيلة الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72292 شهيدًا، و172073 مصابًا. فقد استشهد أربعة فلسطينيين، فجر أمس، وأصيب آخرون من جراء استهداف طائرات الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من المواطنين قرب ساحة الشوا في حيّ التفاح شمال شرقي مدينة غزة.

ويخشى الفلسطينيون أن يكون السلوك الإسرائيلي الحالي وسيلة لدفعهم أكثر نحو المناطق الغربية من القطاع، في ظل تصاعد وتيرة الانتهاكات منذ اندلاع الحرب على إيران، وعدم تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وخلال الأسبوع قبل الماضي، بدأ الحديث عن ملف نزع سلاح الفصائل وحركة حماس يظهر إلى الواجهة، إذ كشفت وثيقة اطلعت عليها “رويترز”، في 27 مارس/ آذار الماضي، عن أن “مجلس السلام”، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قدّم لحركة حماس مقترحًا لنزع السلاح على خمس مراحل، يتضمن جدولًا زمنيًا يمتد لثمانية أشهر، تبدأ خلاله الحركة بتسليم أسلحتها تدريجيًا مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج من القطاع. يأتي ذلك بالتزامن مع حراك للمدير التنفيذي لمجلس السلام، نيكولاي ميلادنيوف، وسط ترجيحات برفض الفصائل الفلسطينية لهذه الخطة.

ومنذ الإعلان عن تشكيل لجنة إدارة غزة برئاسة علي شعث، والتي يشرف عليها مجلس السلام، لم تتمكن اللجنة من الوصول إلى القطاع وممارسة مهامها، بسبب الرفض الإسرائيلي، فضلًا عن الحديث المتكرر من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تحمل عنوان “نزع السلاح” وليس إعادة الإعمار. مع العلم ان المرحلة الثانية تشمل فك الحصار وإعادة الإعمار ونشر قوة الاستقرار الدولية والانسحاب الإسرائيلي.

إعادة هندسة
في هذا الصدد قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة، إن المشهد الميداني في غزة يشير إلى دخول القطاع مرحلة “إعادة هندسة المناطق الأمنية المحتلة”، حيث يجري توظيف القوة النارية أداةً لإعادة توزيع السكان، بما يخدم مسارًا سياسيًا أوسع يرتبط بملفات نزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب، وليس مجرد اعتبارات عسكرية آنية.

وأوضح في تصريحات صحفية، أن تكثيف الاستهداف في محيط خطوط التماس لا يهدف فقط إلى إضعاف البيئة القتالية، بل يتجاوز ذلك نحو تحويل هذه المناطق إلى نطاق غير قابل للحياة، بما يفضي عمليًا إلى “إنشاء حزام أمني يمنع عودة السكان، ويمهّد لفرض ترتيبات أمنية لاحقة على الأرض”.

وفي رأيه فإن هذا السلوك “يندرج ضمن نمط عسكري منظم يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في القطاع”، معتبرًا أن تركيز النيران في المناطق الشمالية الشرقية، بالتوازي مع الضغط المستمر، يعزز فرضية أن الهدف الأساسي يتمثل في دفع السكان نحو الغرب، بعيدًا عن مناطق التماس مع ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”.

وتتقاطع هذه التحركات، وفق عفيفة، مع “المسار السياسي المرتبط بخطط نزع السلاح، إذ إن تفريغ المناطق الحدودية من السكان يُعد شرطًا عمليًا لأي آلية رقابة أو انتشار محتمل لقوات متعددة الجنسيات، كما ورد في الطروحات الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاق ترامب، والتي تحدثت عن عودة مشروطة للسكان تحت رقابة أمنية مشددة”.

وأشار إلى أنه يمكن فهم التصعيد الميداني الإسرائيلي في إطار “تقليص الوجود العسكري النظامي واستبداله بقوات احتياط، إلى جانب إعادة توزيع القوات نتيجة الضغط المتصاعد على الجبهة الشمالية، بما يوازي السعي إلى فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة تسبق أي ترتيبات سياسية مقبلة، سواء تمثلت في نشر قوات دولية أو فرض ترتيبات أمنية بديلة على الأرض”.

تكثيف القصف قرب “الخط الأصفر”
من جهته، رأى الباحث الفلسطيني في الشأن الأمني والعسكري، رامي أبو زبيدة، أن المعطيات الميدانية الأخيرة، لا سيما في بيت لاهيا وجباليا وصولًا إلى شرق خانيونس والمنطقة الوسطى، تشير إلى أن “ما يجري هو جزء من عملية أوسع لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية ضمن سياق يرتبط بمخططات نزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب”.

وقال في تصريحات صحفية، إن تكثيف إطلاق النار والغارات في المناطق القريبة مما يُعرف بـ”الخط الأصفر” يتقاطع مع نمط عملياتي واضح، يسعى من خلاله الاحتلال إلى تقليص المساحات التي يمكن أن يوجد فيها المدنيون.

وفي رأيه فإن هذا النمط “وإن لم يُعلن رسميًا بوصفه سياسة لدفع السكان (غربًا)، إلا أنه يخلق فعليًا بيئة طاردة تُجبر السكان على التوجه نحو الغرب”.

وأوضح أن “تسريبات إسرائيلية متكررة عبر وسائل الإعلام تحدثت عن تحويل محيط الخط الأصفر إلى منطقة إطلاق نار نشطة، ما يجعل الاقتراب منها محفوفًا بالمخاطر، ويعزز من فرضية الدفع القسري غير المباشر للسكان بعيدًا عن تلك المناطق”.

وأشار أبو زبيدة إلى أن تكرار استهداف المدنيين أثناء محاولتهم الوصول إلى منازلهم أو مصادر المياه، في ظل غياب أي مسار فعلي لتطبيق ترتيبات إنسانية أو أمنية واضحة، أدى إلى تآكل الخدمات الأساسية، وجعل الحياة اليومية في تلك المناطق شبه مستحيلة، بما “يعزز تقديرات تفريغها تدريجيًا من السكان”.

وبيّن أن هذا التصعيد الميداني “يتقاطع بشكل مباشر مع المسار السياسي المرتبط بخطط دولية يجري التداول بشأنها”، مؤكدًا أن ما يحدث على الأرض “يعكس توجهًا نحو فرض وقائع أمنية بالقوة، عبر استهداف مصادر القوة المختلفة، بما يشمل البنية الأمنية المحلية ومكونات الضبط الداخلي، في محاولة لإحداث فراغ أمني يضعف السيطرة الميدانية”.

ووفق أبو زبيدة، هناك تحول في نمط انتشار قوات الاحتلال، مع محاولة تثبيت انتشار ميداني ممتد، عبر إقامة مواقع عسكرية ونقاط تحكم وحواجز هندسية على طول الخط الأصفر. وأضاف أن ذلك “يعزز السيطرة الفعلية على مساحات واسعة من القطاع، بالتوازي مع عمليات هدم وتهيئة ميدانية واسعة”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى