حين تتسارع الأحداث.. لا تنسوا الميدان الأول
مارية محاجنة
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث على نحوٍ غير مسبوق، وتفيض فيه الشاشات بالأخبار والتحليلات والتراشقات الغوغائية، يصبح من السهل أن ينجرف الإنسان وراء المتابعة المستمرة لما يجري، حتى ينسى ميدانه الأول ومسؤوليته الأقرب إليه.
غير أن متابعة الأخبار، مهما كانت كثيفة ومؤلمة، لا ينبغي أن تُلهينا عن الواجبات الحقيقية الملقاة على عاتق كلٍّ منا. فالمطلوب ليس التبلّد أمام مشاهد الدمار، ولا تجاهل آثار الحروب والكوارث، بل الاستعداد للمسؤوليات الكبرى التي تفرضها هذه اللحظات العصيبة.
نحن نعيش مرحلة تتسارع فيها الوقائع، والنار المشتعلة حولنا لم تخمد بعد، وقد تمتد في أي لحظة لتطال الجميع. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبقى في أعناقنا أمانات، ولكلٍّ منا ثغره ومكانه الذي ينبغي أن يثبت فيه.
فالأب اليوم مطالب بأن يفتح باب الحوار مع أبنائه، وأن يصغي لاهتماماتهم ومخاوفهم، وأن يمنحهم ما يحتاجونه من طمأنينة وفهم. والأم كذلك تحمل أمانة كبرى في توجيه أبنائها، وتعزيز وعيهم بما يدور حولهم، وتحصينهم سلوكًا وانتماءً في زمن تختلط فيه الاتجاهات وتضطرب البوصلات.
ولعل ما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو أن نصغي قليلًا إلى ذواتنا: إلى مشاعرنا وأفكارنا. أن نتوقف لحظةً، فلا بأس بالتوقف، كي نعيد التفكير في كيفية بناء الإنسان من جديد.
فمنذ أكثر من عامين ونحن نتلقى سيلًا متواصلًا من الأخبار والصور عبر البث المباشر، حتى كاد شغف الحياة يخبو في النفوس. دموعٌ سكنت العيون، وأوجاعٌ استقرت في الوجدان على حال الأمة وما يحيط بها من مآسٍ. ولا يخفف وطأة ذلك إلا الاحتماء بالله، واللجوء إليه، ومناجاته.
إن المرحلة الراهنة تدعونا إلى التأمل العميق، وإلى التفكير بصوتٍ عالٍ، بدل الاكتفاء بالبكاء والنحيب. تدعونا إلى أن يسأل كلٌّ منا نفسه بصدق:
أين وضعني الله؟ ما رسالتي في هذه الحياة؟
ما دوري في زرع الفسيلة، ولو في أصعب الظروف؟
وأين أحب أن يراني الله؟
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نقبل بالتنصل من حق الأبرياء، ولا بمداهنة القتلة والمجرمين. فالنصرة الحقيقية للأمة لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء الوعي، وتعزيز الحصانة الإيمانية والنفسية، والعمل المتواصل في ميادين المسؤولية، كلٌّ في ثغره، دون الاكتفاء بالتنظير.
لقد أثبتت التجارب مرارًا أن أي مشروع نهضة لا يبدأ بإصلاح الفرد، ثم الأسرة، وصولًا إلى المجتمع، هو رهان خاسر مهما بدا براقًا في ظاهره.
وفي النهاية، يبقى الأمل معقودًا على وعيٍ يتجدد، وإرادةٍ لا تنكسر، وقلوبٍ تتوجه إلى الله بالدعاء: اللهم احفظ أمتنا، واهدِ أبناءها إلى ما فيه صلاحها.
