50 ألف نازح بشمال الضفة يواجهون أوضاعا “شديدة الهشاشة” (شاهد)

في ضاحية إكتابا شمال مخيم طولكرم، يجلس الحاج محمد تركمان (73 عاما)، النازح من المخيم، على مقعد مهترئ داخل عريشة (خيمة من الصفيح أو البلاستك) لا تقي من البرد ولا تمنع الهواء أو المطر، مثقلا بحنين لا ينطفئ إلى زقاق “حارة الغوانمة”، حيث كانت الجدران تلمّ شتات العائلة في أجواء تفيض ألفة ودفئا، قبل أن يُبدد النزوح شملهم ويبعثر تفاصيل حياتهم.
وتركمان، الذي وجد نفسه في خريف العمر وحيدا يقاسي مرارة النزوح، آثر السكن في هذه “العريشة” مع ثلة من رجال عائلته، تاركين المساجد ومراكز الإيواء المكتظة للنساء والأطفال.
وبعد عام على عملية “السور الحديدي” التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على المخيمات الثلاثة شمال الضفة الغربية: جنين، وطولكرم، ونور شمس، يعيش نحو 50 ألف نازح من تلك المخيمات، وفق معطيات رسمية فلسطينية (33 ألف نازح وفق معطيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”)، ظروفا قاسية في نزوح جماعي أعاد إلى الواجهة مشاهد اللجوء القسري التي لم تغب يوما عن حياة اللاجئين الفلسطينيين.
معاناة مركبة
وبغصة تختصر وجع الاغتراب القسري عن زوجته وبناته، يروي شظف العيش بقلب متعب صحيا قائلا “أجريتُ مؤخرا عملية لتركيب شبكية للقلب، أما زوجتي فتعاني وضعا صحيا أصعب، إذ خضعت سابقا لعملية قلب مفتوح، وقام الأطباء بتركيب بطارية للقلب لها، مما يجعل ظروف النزوح والسكن في المساجد أو البيوت غير المهيأة خطرا كبيرا على حياتها”.
ومنذ بداية نزوحه، قبل عام، يعيش تركمان في عريشته، ويصف حالته بأنها “يُرثى لها”، حيث تغمرها الأمطار، ويتمزق الغطاء البلاستيكي الذي يحميهم ويطير بفعل الرياح، ما يجعل العيش داخلها معاناة مستمرة لا تتوقف، خاصة في فصل الشتاء.
واليوم، تَختصر أمنية تركمان حكاية شعب بأكمله؛ فالعودة إلى المخيم والجلوس بين الأقارب والجيران تعادل لديه كل إغاثة مادية أو معونة تُقدم.
وبين نكبة عام 1948 ونزوح اليوم، يبقى “تشتت العائلة” هو الندبة الأعمق والوجع الأكبر الذي يرافق الفلسطيني في رحلة لجوئه المتكررة.
السكن والفقر والتعليم
من جهتها، قالت عبير إسماعيل من المكتب الإعلامي في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إن عشرات آلاف اللاجئين الذين نزحوا من المخيمات الثلاثة يعيشون اليوم واحدة من أصعب مراحل حياتهم، بعد أن هجروا بيوتهم قسرا واضطروا للعيش في ظروف غير مستقرة، بين بيوت مستأجرة، أو لدى أقارب، أو في أماكن تفتقر لأبسط مقوّمات السكن الآمن.
وأوضحت أن غالبية هؤلاء النازحين فقدوا مصادر دخلهم بالكامل، إذ خسر كثيرون أعمالهم منذ بداية الحرب، لا سيما في مخيمات مدينة طولكرم، حيث كان ما بين 80% و90% من السكان يعملون داخل إسرائيل قبل الحرب، ما جعلهم اليوم عاجزين عن تسديد الإيجارات أو تلبية احتياجات أسرهم الأساسية.
ومعظم هؤلاء النازحين لا يعيشون في مخيمات منظمة أو مراكز إيواء مهيأة، بل موزعون في قرى وبلدات محيطة بالمخيمات، مثل إكتابا وعنبتا وقباطية وغيرها، وأكدت المسؤولة في أونروا أن “ظروف السكن الحالية غير ملائمة، خاصة لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة”.
وأشارت إلى أن هناك نحو 12 ألف طفل نازح، بينهم 4500 طالب، مرّوا بفترات انقطاع واضطراب في التعليم، قبل أن يتمكنوا من العودة الجزئية إلى الدراسة عبر حلول مؤقتة. وقالت إن الطلبة واجهوا حالة فقدان للاستقرار والشعور بالأمان، مؤكدة أن التعليم في هذه الظروف لا يشبه “حياة المدرسة الطبيعية”، بل يأتي في سياق أزمة نفسية واجتماعية عميقة يعيشها الأطفال.
وأضافت “إعادة فتح مدارس أونروا في محيط مخيم طولكرم قبل شهر فقط أعاد للطلبة إحساسهم بالاستقرار، فلا يمكن تخيل حجم فرحتهم بالعودة لفصولهم الدراسية بعد فترة من الاضطراب”.
ومن بين النازحين 400 شخص، بعضهم كانوا من ذوي الإعاقة أصلا، فيما أصبح آخرون كذلك نتيجة الإصابة خلال العملية العسكرية. ووصفت عبير أوضاعهم الإنسانية بأنها “شديدة الهشاشة”، في ظل السكن غير الملائم، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، وانعدام الخصوصية.
خطة للإغاثة
ولفتت إلى أن الأونروا كانت تشغّل 3 عيادات داخل المخيمات الثلاثة، لكنها استبدلتها بـ11 نقطة صحية مؤقتة في مناطق نزوح اللاجئين في جنين ومحيط نور شمس وطولكرم، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية.
وبسبب التطويق العسكري الإسرائيلي ووجود القنّاصة، أشارت عبير إلى أن “أحدا لا يستطيع اليوم الدخول للمخيمات”، وتعتمد في تقديراتها على تقارير شركاء أمميين مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، التي تشير إلى أن حجم الدمار بلغ نحو 52% في مخيم جنين، و48% في نور شمس، و36% في مخيم طولكرم، “أي أن قرابة نصف كل مخيم أصبح مدمّرا كليا أو جزئيا، بما في ذلك بيوت المدنيين والمنشآت العامة”.
وأكدت عبير أن المساعدات التي قدمتها الأونروا غير كافية لتغطية حجم النزوح الحالي بسبب محدودية التمويل، مشيرة إلى أن الوكالة تعمل بالشراكة مع السلطة الفلسطينية ومؤسسات إغاثية محلية ودولية.
وخلصت عبير إلى أن معاناة النازحين تتفاقم مع مرور الوقت، في ظل غياب أي حل سياسي أو ميداني يضع حدا للعملية العسكرية، معتبرة أن “الحل الوحيد الحقيقي” لأزمتهم هو توقف الاقتحامات والدمار، وعودة الناس إلى بيوتهم، وإطلاق عملية إعادة إعمار جدية.
وأضافت “رغم الأزمة المالية لأونروا والعجز المقدر بنحو 200 مليون دولار، والذي يهدد بتقليص الخدمات، فإن خطة الوكالة الحالية تقوم على الاستمرار في إغاثة النازحين ومنع تدهور أوضاعهم أكثر”.
احتياجات مرهقة
وبحسب بلدية جنين، فقد هدمت قوات الاحتلال كليا ما يقرب من 300 بناية سكنية داخل مخيم جنين، وأجبرت نحو 22 ألف مواطن على النزوح من داخل المخيم ومحيطه.
"إلى زوال".. صرخات أهالي مخيم نور شمس بطولكرم في وجه الاحتلال وسط استفزازات الجنود، رفضا لقرار هدم 25 مبنى سكنيا pic.twitter.com/lU0T6TyucQ
— الجزيرة مباشر (@ajmubasher) December 15, 2025
وأكدت فرحة أبو الهيجا، عضو لجنة خدمات مخيم جنين، أن المخيم بات مفرغا كليا من سكانه، كما شملت عمليات التهجير مناطق محيطة به مثل الهدف ووادي برقين وحي الزهراء، إذ أُجبر سكانها على مغادرة منازلهم، مما يرفع إجمالي أعداد النازحين من مخيم جنين ومحيطه إلى نحو 22 ألف شخص.
وعن الواقع التعليمي، قالت فرحة إن بداية العام الدراسي شهدت توفير 16 حافلة لنقل الطلبة من أماكن النزوح إلى المدارس المضيفة، بتمويل من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وبتكلفة بلغت نحو 5000 شيكل يوميا، لكن تجميد معظم برامج الوكالة أدى لاحقا إلى تعثُّر هذا الحل، وهو ما تسبب في انقطاع نحو 50% من الطلبة عن التعليم.
وأدى العدوان على مدينة طولكرم ومخيميها إلى التدمير الكلي لمئات المباني السكنية وإلحاق أضرار جزئية بآلاف أخرى، وتهجير أكثر من 25 ألف مواطن، وفق وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية.
وأوضح مدير عام مديرية التنمية الاجتماعية في طولكرم فواز حمزة أن عدد العائلات النازحة المسجلة لدى الوزارة -حتى لحظة إعداد التقرير- وصل إلى نحو 5500 أسرة.
وتتوزع هذه الأعداد بين 3170 أسرة من مخيم طولكرم، ونحو 2300 أسرة من مخيم نور شمس، ويبين أن هؤلاء النازحين يتركزون في ضواحي طولكرم والقرى المحيطة.
التحدي الأصعب
واعتبر فواز أن “بدل الإيجار والإيواء” هو التحدي الأصعب الذي يواجه النازحين حاليا، فرغم أن 4500 أسرة تلقت مبلغ 3 آلاف شيكل (الدولار= 3.12 شواكل) كبدل إيجار على مدار العام، إلا أن هذا المبلغ غير كاف لتغطية تكاليف السكن المتصاعدة، إضافة إلى فواتير الكهرباء والمياه والاحتياجات الأساسية الأخرى، في حين يُعد توفير الغذاء مقدورا عليه نسبيا مقارنة بتكلفة السكن.
والحالات الأشد قسوة -حسب فواز- تلك التي تعجز عن توفير إيجار منزل، وتضطر للعيش في خيام أو عرائش من الصفيح، غير مسقوفة أحيانا ولا تحتوي على أي نوع من الأثاث، ويقول “أرضيات هذه المساكن ترابية، وفيها فراش مهترئ، ولا تحوي أي مرافق أساسية أو خدمات، مثل دورات المياه أو مصادر للتدفئة”.
وأضاف أن هذه العائلات تضطر للاعتماد على إشعال الحطب البدائي للتدفئة، في مشهد يعكس حجم الفقر والحرمان الذي يعيشه النازحون.



