اختطاف رئيس فنزويلا: زعرنة وبلطجة أمريكية

الإعلامي أحمد حازم
إن سياسة الزعرنة التي يتبعها الرئيس الأمريكي ترامب تجاه شعوب ودول ترفض الخضوع للإملاءات الأمريكية، والتي تجلت مؤخرًا في اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المنتخب ديمقراطيًا والذي يحظى بمحبة شعبه، ليست سياسة جديدة بل هي سمة مميزة لكافة الرؤساء الأمريكيين. فقد شهد القرن الماضي العديد من التدخلات الأمريكية في دول أمريكا الجنوبية، حيث قلبت الأنظمة بالقوة واختطفت رؤساء دول بأساليب الزعرنة، متبعةً مبدأ “القوي يظلم الضعيف”، منتهكة بذلك كافة القوانين التي وضعتها الأمم المتحدة لِاحترام سيادة الدول الأخرى.
الأمثلة على هذه السياسات كثيرة، إذ شهدت دول مثل كوبا، تشيلي، بنما، نيكاراغوا، كوريا الشمالية، البرازيل، فنزويلا، كولومبيا، إيران، والعراق، تدخلًا أمريكيًا. هذا السلوك الوحشي، الذي يراه أحد المحللين جزءًا أصيلًا من استراتيجية الرأسمالية، يؤكد أن الولايات المتحدة لا تتوانى في قتل البشر لتحقيق مصالحها. كما أنها تعتبر نفسها صاحبة الحق في استباحة أراضي الدول الأخرى، وتدميرها أو تغيير أنظمتها أو فرض الحصار عليها، متجاهلة القوانين الدولية وكل ما لا يتوافق مع مصالحها.
في سياق متصل، أقدمت القوات الأمريكية الجوية والبرية والبحرية على عملية قرصنة وبلطجة عسكرية، حيث تم اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، وهو الرئيس الشرعي لدولة ذات سيادة، ونقلهما قسرًا إلى الولايات المتحدة.
تشير المعلومات إلى أن العملية شارك فيها أكثر من 150 طائرة، إضافة إلى القوات الخاصة الأمريكية “دلتا”، مما يبرز بشكل واضح نهج البلطجة الذي تتبعه الإدارة الأمريكية، والتي لديها سجل طويل في مثل هذه العمليات، والتدخل في شؤون الدول الداخلية، أو قلب أنظمة الحكم فيها.
وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، قال بكل وقاحة إن الجيش الأمريكي جاهز للقيام بالعمليات اللازمة، بما في ذلك تغيير النظام في فنزويلا. وكان ترامب قد أعلن سابقًا أن الرئيس مادورو سيحاكم في الولايات المتحدة بتهمة التجارة بالمخدرات وتسويقها عالمياً.
التاريخ يعيد نفسه، قبل 36 عامًا، وتحديدًا في الثالث من يناير 1990، قامت القوات الأمريكية بغزو بنما واعتقلت رئيسها مانويل نورييغا، ثم تمت محاكمته في الولايات المتحدة بتهم تلقي رشاوى من كارتيلات المخدرات الكولومبية، مقابل تسهيل مرور شحنات المخدرات. حكم عليه بالسجن 40 سنة في الولايات المتحدة، وأودع السجن في فلوريدا. والآن، يبدو أن السيناريو ذاته يتكرر مع رئيس فنزويلا مادورو.
لماذا قامت أمريكا بهذه العملية؟
الجواب واضح: لأن الرئيس مادورو رفض الانصياع لأوامر ترامب، ورفض اتباع سياسة تتماشى مع مصلحة البيت الأبيض. ولذلك تم وضع مادورو تحت المجهر الترامبي، واتُخذ القرار بإزاحته. كما يقول أحد المحللين، فإن الاستهداف لفنزويلا جاء لأن القيادة الفنزويلية أرادت تحرير شعبها من العبودية والاستعباد، والعمل على تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، بالإضافة إلى اتخاذ مواقف سياسية تنسجم مع قناعاتها ورؤيتها، أي قرار سياسي مستقل وامتلاك إرادة حرة. هذا الأمر بالطبع لا يعجب أمريكا، التي تعتبر أمريكا الجنوبية بمثابة حديقتها الخلفية، وتعمل على نهب ثرواتها وإفقار شعوبها، مما يجعل فنزويلا هدفُا رئيسيًا لأمريكا للسيطرة على خيراتها، وفي مقدمتها النفط (303 مليار برميل من النفط)، فضلًا عن الغاز والذهب والمعادن الثمينة والأراضي الزراعية الواسعة. وهذه ثروات يرى ترامب أن له الحق فيها بمنحة من “الرب”.
سبب آخر للاستهداف هو موقف فنزويلا من القضية الفلسطينية، حيث كانت فنزويلا في عهد الرئيس شافيز، أول من بادرت بقطع علاقاتها مع إسرائيل، احتجاجًا على ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني. وفي تلك الفترة، قال شافيز: “لا عودة للعلاقات مع إسرائيل إلا بعد وقف الجرائم ضد الشعب الفلسطيني”.
أمريكا ليست مخولة للقيام بهذا الدور.
إن الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، ليست المخولة لخلع هذا الرئيس أو ذاك، وليست مسؤولة قانونيًا عما يجري في العالم، لكنها تفرض نفسها في هذا الدور بطريقة زعرنة. ليس من حقها التدخل في شؤون الدول، بل من حق الشعوب وحدها أن تقرر مصير رؤسائها. وما تعرض له الرئيس مادورو هو نفسه ما حاولت الإدارة الأمريكية الترامبية فعله مع الرئيس الفنزويلي السابق شافيز، الذي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال وقلب لنظام حكمه. وقد طلبت واشنطن من شافيز في تلك الفترة ألا يقطع علاقاته مع دولة الاحتلال، وأن يمنح الشركات النفطية الأمريكية حق استخراج النفط الفنزويلي، مع شراء النفط بسعر منخفض جدًا (دولار ونصف للبرميل، بينما كان السعر في السوق آنذاك 106 دولارات).
التدخل الأمريكي في فنزويلا: من أجل من؟
الولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على تهيئة ماريا ماتشادو لاستلام الحكم في فنزويلا. وهي المعارِضة التي منحت جائزة نوبل للسلام، رغم أنها لم تعمل من أجل السلام طوال حياتها، بل كانت تعمل بالتواطؤ مع الإدارة الأمريكية على قلب النظام في فنزويلا لكي تصبح رئيسة للبلاد، وتنفذ سياسة أمريكا وأجنداتها التي تخدم مصالحها داخل فنزويلا. ويبدو أن موقف ترامب قد تغير تجاه زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، حيث بدأ يشكك في أهليتها للحكم، معتبرًا إياها “غير محبوبة شعبيًا”، رغم اعترافه بأن وزير خارجيته ينسق معها في ملف فنزويلا.
أخيرًا، يبقى السؤال الأهم: هل ما شهدناه في فنزويلا هو نهاية حقبة الرئيس مادورو؟ أم أنه مجرد تبديل أدوار لتسهيل الطريق أمام أمريكا للاستيلاء على ثروات فنزويلا؟



