أخبار رئيسيةمقالات

معركة الوعي (161) مشكلتنا ليست مع هؤلاء… مشكلتنا تكمُن هنا!!

حامد اغبارية 

مرّة أخرى لا بدّ من تأكيد المؤكد وتوضيح الواضح، لتنبيه الغافل، وإيقاظ النائم، والقرع على جدار الوعي والذاكرة.

إن زخم الأحداث وعديد المحطات المؤلمة التي يواجهها مجتمع الداخل الفلسطيني جرّاء سياسات المؤسسة الإسرائيلية مع صعود كل حكومة جديدة، ربما تنسي الكثيرين بعض آلام سبقتها، لتركز في حاضر الآلام سعيًا إلى تخفيفها والتخلص من آثارها المباشرة. وهذا أسلوب نجحت في زرعه بيننا ماكنة الإعلام الصهيونية المضللة، ومعها إعلام عربي محلي يمارس النسخ واللصق عن وعي أو دون وعي، عن دراية أو عن جهل، أو ضعف أو مشكلة في الهوية والانتماء، إلى درجةِ دفْعِ المجتمع إلى مربّع المقارنات بين حاضر قامع باطش وبين ماض قريب أو بعيد يزيّنون للناس أنه كان ربيعا مزهرا.

هكذا نكون قد وقعنا في فخ المفاضلة بين حكومة نتنياهو الحالية وبين حكومات سابقة، وكأن مشكلتنا هي فقط مع سياسة حكومة هنا وحكومة هناك.

يصحّ أن نقول إنّ هناك حكومات مارست البطش المباشر ضدنا بيد من “خيش” (بطبيعة الحال ليست هناك أيدٍ ولا قفازات من حرير)، وحكومات مارست القمع ضدنا بيد من حديد، وأخرى مارسته بمطارق من حديد، يفوح تحت وطأة ضرباتها نتن العنصرية والكراهية العلنيّة والبغضاء الحاقدة، كما يجري الآن من طرف حكومة نتنياهو/ بن غفير/ سموطرتش. ولكن لا يصح إطلاقا أن ندخل في مجال المفاضلة بين الحكومات بين يمين متطرف ويمين أكثر تطرفا وبين يسار أو وسط. فهذا إن فعلناه إنما يعني أننا لا ندرك حقيقة الأزمة وخلفيات المشكلة.

إن قضيتنا ليست مع سياسات الحكومات التي تمارس سياستها معنا بناء على اتفاقيات ائتلافية وعلى تصورات تكتيكية وعلى أحداث تجري هنا وهناك ما بين توتر وهدوء، وعلى ظروف دولية وإقليمية، إنما قضيتنا مع استراتيجية المشروع الصهيوني وأهدافه المتدحرجة التي تسعى المؤسسة الإسرائيلية إلى تحقيقها بمختلف الوسائل، بغض النظر عن هوية الحكومة التي تدير الملف. فجميعها تحمل راية المشروع الصهيوني وتتمسك بأهدافه النهائية، بغض النظر عن الوسائل والآليات.

وإن من وسائل السير إلى تحقيق أهداف المشروع الصهيوني، هي السياسة التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية في التعاطي مع ملف أهل الداخل الفلسطيني، والتي تتمثل بسياسة العصا والجزرة، وكلّها سياسة تقود إلى غرض واحد ووحيد: كيف يمكن ضبط الداخل الفلسطيني ودفعه إلى الاستسلام للواقع ورفع الراية البيضاء والرضوخ لشروط العيش المذل المتمثل بلقمة خبز ورشفة ماء، ومكان عمل محصور بين ورشة بناء ومدرّس في مدرسة، ووظيفة في مستشفى وسط أجواء عنصرية، وكرسي في الجامعة مشروط بتجاوز عقبات تعجيزية، وميزانيات شحيحة لا تكفي لدفع الرواتب، وبنية تحتية مهترئة، وجهاز تعليم متخلف مرتبط بالشاباك بحبل السرة، ومساحات بناء غير موجودة، ومصادرة أراض، وهدم بيوت،  وملاحقات سياسية وتكميم أفواه وكبت حريات…

وإن فوضى السلاح وانتشار العنف وإفساح المجال للجريمة المنظمة لم يقع فقط في زمن هذه الحكومة أو التي سبقتها، بل هي موجودة قبل ذلك بسنوات، وتحظى بكل أسباب البقاء والاستمرار والتمدد، سواء بطرق مباشرة (حماية الشاباك، كما اعترفت الشرطة) أو غير مباشرة (تهريب الأسلحة من معسكرات الجيش)!!

لقد تتابعت على هذا المشهد المأساوي المظلم حكومات إسرائيلية كثيرة من بن غوريون إلى رابين إلى بيرس إلى بيغن إلى شارون إلى أولمرت إلى براك إلى بينيت إلى لبيد إلى نتنياهو. فهل يمكن أن نسأل: لماذا لم تتغير الأحوال عندنا رغم تبدل الحكومات وتعددها؟

الجواب يقع ضمن السؤال الذي يجب ألّا يسأله واع مدرك لأبعاد الملف وحقيقته. ومن يسأله إنما يقع في فخ المفاضلة بين الحكومات الإسرائيلية، وهذا ما تريده المؤسسة الإسرائيلية التي شغلتنا بمربع المفاضلة كي ننسى وكي نغفل عن الحقيقة. وللأسف فقد مارست هذه اللعبة جميع التيارات السياسية الناشطة في مجتمعنا، من تلك النوعية النوع التي قبِلت على نفسها الانضواء تحت مظلة ملعب السياسة الإسرائيلية، وحصرت أحلامها بعدد المقاعد في الكنيست الصهيوني وبقائمة ميزانيات وهمية تُرصد على الورق ولا تُنفق على أرض الواقع. تيارات نقشت على رايتها الحزبية أن تاريخ الداخل الفلسطيني بدأ فعليا بعد 1948، وأن ملفاته وهمومه إنما هي شأن داخلي إسرائيلي، ولا علاقة له بأي شيء آخر خارج هذا الإطار.

لذلك نجد أنفسنا اليوم نلعن سياسات حكومة نتنياهو- بن غفير- سموطرتش، ونصورها على أنها ذروة السياسات العنصرية القمعية الباطشة، وأنها أسوأ حكومة تمارس القمع ضدنا، وتستهدف القدس والمسجد الأقصى…. وكأن ما سبقها من حكومات لم تمارس تجاهنا وتجاه الأقصى ذات السياسات! وكأن حكومة براك (اليساري جدا!!) لم تسفك دماءنا عام 2000! وكأن شارون لم يكن هو السبب في انفجار بركان هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية! وكأنه ليس هو الذي دمر مخيم جنين، وكأن أولمرت لم يشن حربا دامية على غزة عام 2008/2009 في عملية الرصاص المصبوب! وكأن رابين (أبو اليسار وأمه) ليس من أوائل الذين دنّسوا المسجد الأقصى عام 67، وليس هو الذي انتهج سياسة تكسير العظام، وكأن بيرس (الذي قالوا عنه إن أمه عربية) لم يرتكب مجزرة قانا، ولا هو الذي نفذ سياسة الاغتيالات، وليس هو صاحب فكرة المفاعل النووي، ولا صاحب خطة تهويد الجليل والنقب، وكأن بينيت- لبيد لم يشنّا حربا على غزة عام 2021… وكأن هؤلاء جميعا وغيرهم لم يفسحوا المجال أمام سوائب المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى المبارك على مدار الساعة! وكـأن هؤلاء لم يمارسوا سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى وعن القدس، ومنع السفر إلى الخارج! وكأن هؤلاء جميعا لم ينفذوا سياسة الملاحقات السياسية وقمع الحريات وتكميم الأفواه وإغلاق المؤسسات التي تقدم خدمات إنسانية، وشن حملات الاعتقال للقيادات وللأفراد العاديين، خاصة الشبان، وتلفيق الملفات والقضايا الجنائية والأمنية…

 

ما لكم، كيف تقرأون المشهد؟!

إنهم يرموننا عن قوس واحدة… لأهداف واحدة، وبوسائل متعددة. فتارة يكون السهم عاديا خفيفا ظريفا جميلا مزينا بريش ألوانه زاهية، مثل سهام بيرس، لكنه يقتل ببطء. وتارة يكون مسموما أسود مثل سهام بن غفير، فهذا يقتل على الفور.

إن مناسبة هذه التفصيلات جاءت على خلفية حملة الاعتقالات التي شنتها شرطة بن غفير صباح الثلاثاء على قرية صندلة، واعتقال عشرة شبان من أبنائها، بتهمة ممارسة الاحتجاج على مقتل الشاب ديار العمري يوم السادس من الشهر الجاري. فهي ذات السياسة التي انتهجتها المؤسسة الإسرائيلية في رمضان 2021، والتي بطشت فيها واعتقلت العشرات الذين صدرت بحق بعضهم أحكام سجن قاسية، وبعضهم ما يزال ينتظر المحاكمة. وهي ذاتها التي ارتكبت مجزرة كفر قاسم عام 56. وهي ذاتها التي سفكت الدماء في يوم الأرض عام 76. وهي ذاتها التي قتلت واعتقلت المئات عام 2000. فما الفرق إذًا؟؟؟!

 

لا فرق…!! إطلاقا لا يوجد فرق!

لذلك فإن مشكلتنا ليست مع نتنياهو ولا مع بن غفير، ولا هي مع تصنيف الحكومة ما بين يمين ووسط ويسار. وما بن غفير (كنموذج واحد من نماذج كثيرة؛ سابقة وحالية) إلا بمثابة الصبيّ الأحمق الذي يحمل عود ثقاب أمام الفتيل في يوم خماسيني.

إن مشكلتنا مع المشروع الذي يمثله هؤلاء…. أفهمت؟!!

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى